-
المسجد هو المؤسّسة المركزيّة والجامعة التي تتجاوز وظيفتهُا حدود الأداء الشعائريّ لتصنع الإنسان وتضمن تماسك المجتمع
-
الإمام هو خطّ الدفاع الأوّل لحماية النسيج المجتمعيّ، وعقول الشباب من الاختراقات الفكريّة وطروحات الغلوّ والتكفير، والانحرفات السلوكيّة
-
المرجعيّة الوطنيّة الجامعة، هي الحصن الذي يضمن الانسجام الروحي والفكريّ، ويمنع التشرذم المذهبي المُفضي إلى التنازع والانقسام -لاسمح الله-
-
التديّن السليم لا ينفصل عن حبّ الوطن وحفظ استقراره، وأنّ صيانة التماسك الاجتماعيّ ووحدة المجتمع، هي من لبّ المقاصد الشرعيّة
جاء ترسيم اليوم الوطني للإمام، الموافق لـ15 سبتمبر، تزامنًا مع ذكرى وفاة الشيخ العلامة سيدي محمد بلكبير، أحد أبرز علماء الجزائر في القرن العشرين، الذي جمع بين التعليم والإرشاد وخدمة القرآن والوطن.
وفي هذه المناسبة، نقف لاستذكار أهمية الإمام ودوره في المجتمع الجزائري، ودور المسجد كفضاء للتعليم والتوجيه والتربية، ومن هذا المنطلق، أجرينا حوارًا مع الدكتور والإمام الخطيب بجامع الجزائر، محمد مقاتلي الإبراهيمي، للوقوف عند أبعاد هذه المناسبة، والتذكير بمكانة الإمام وقيمته في المجتمع، ودور المسجد كمعلم ومرشد ومربٍ للأجيال.
بداية، اليوم الوطني للأمام الموافق للخامس عشر سبتمبر مناسبة وطنية ودينية تحمل دلالات وأبعاداً رمزيّة، كيف ترون هذه الرسالة التي تحملها هذه المناسبة للمجتمع؟
تُعتبر هذه المناسبة محطّة استراتيجيّة، رسّخها السيد رئيس الجمهوريّة مشكوراً، لإعادة الاعتبار للمفهوم الأصيل والمؤسّسي للإمام — بوصفه الخطيب، والداعية، والموجه، والأمين على دين الأمة — وتنقيته من الطروحات السطحيّة التي تختزله في أداء الشعائر التعبّديّة -على أهمّيّتها- داخل المحراب وفقط.
وعليه فإن رسالة هذا اليوم تتجلى في عدة أبعاد رئيسيّة:
- اعتبار الإمام حارساً للأمن الروحيّ والفكريّ للمجتمع، والتأكيد على أن الإمام هو خطّ الدفاع الأوّل لحماية النسيج المجتمعيّ، وعقول الشباب من الاختراقات الفكريّة وطروحات الغلوّ والتكفير، والانحرفات السلوكيّة التي تشكّل في مجموعها خطراً على السلم المجتمعيّ؛ الذي هو من أهمّ مقاصد الشريعة المطهّرة.
- تفعيل المرجعيّة الوطنية كدرع وقائي جامع: من خلال التذكير بأهمية المرجعيّة الوطنيّة الجامعة، بوصفها الحصن الذي يضمن الانسجام الروحي والفكريّ، ويمنع التشرذم المذهبي المُفضي إلى التنازع والانقسام -لاسمح الله-.
- الربط الوثيق بين التدين والمواطنة: ترسيخ فكرة أن التديّن السليم لا ينفصل عن حبّ الوطن وحفظ استقراره، وأنّ صيانة التماسك الاجتماعيّ ووحدة المجتمع، هي من لبّ المقاصد الشرعيّة.
كيف يساهم الإمام في نشر الوعي المجتمعي، وكيف يكون خطابه قريباً من واقع الناس وانشغالاتهم؟
إنّ صناعة الوعي المجتمعيّ لدى الإمام هي منظومة شاملة تتجاوز مجرد التوجيه السلوكي أو الوعظ التقليديّ، لتشمل أبعاداً حضاريّة وفكريّة متكاملة:
- الوعي المعرفي والفكري: ترسيخ أدوات النظر البرهاني والمنطق والمحاكمة المقاصدية للأفكار، لبناء مناعة ذهنيّة تجعل المواطن عصيّاً على التضليل الرقمي أو الاستلاب الفكري والغلو، وهذا ما يتطلّب تكويناً علميّا رزيناً تقوم به المؤسّسات العلميّة سواء الجامعات الإسلاميّة المنتشرة عبر ربوع بلدنا الحبيب، أو منظومة التكوين التي تضمنها مراكز تكوين الأئمّة التابعة للوزارة الوصيّة، أو المنهجيّة التعليميّة الأصيلة المتمثّلة في الزوايا العلميّة التي تعتمد على التكوين العميق في شتّى علوم الدين بالضبط والاتقان وحفظ المتون العلميّة.
- الوعي الحضاري والسنني: غرس الفهم بسنن التغيير الاجتماعيّ والتدافع الحضاريّ، وتحويل التدين من ممارسة فردية مجردة إلى دافع للإنتاج، وعمارة الأرض، وإتقان العمل. وهذا العمل يتطلب التكوين المستمرّ والتأهيل المعرفي المستدام للأئمة والدعاة، للإحاطة بمستجدات العصر وتحولاته المتسارعة. فالإمام لا يستطيع صناعة هذا الوعي الحضاريّ المركّب إلا إذا امتدت مرجعيّته العلميّة من عمق الأصول الشرعيّة والمقاصديّة لتشمل استيعاب العلوم الاجتماعيّة، والنفسيّة، واقتصاديات العصر، وأدوات الاتصال الرقمي.
إن التكوين المستمرَّ ليس ترفاً أكاديميّاً، بل هو ضرورة منهجية تُخرج الإمام من الانغلاق في الأطر النظرية إلى الفهم العميق لواقع الحياة ومشكلاتها اليومية، وبذلك يتحوّل الإمام من مجرّد ناقل للنصوص إلى عالمٍ بالواقع، وموجّهٍ حضاريّ قادرٍ على قيادة المجتمع نحو الفاعليّة، والإنتاج، والأمن الروحيّ والفكريّ.
- الوعي الوقائيّ والأخلاقيّ: معالجة الآفات الاجتماعية (كالإدمان، والعنف، والغش) من جذورها النفسيّة والفكريّة، وتفكيك الشائعات بالمنهج الشرعيّ القائم على التثبُّت والموضوعيّة.
- الوعي النفسيّ والروحيّ: صناعة الأمل وبعث الطمأنينة في أوقات الأزمات، والتصدي لحالات اليأس الاجتماعي، ونشر ثقافة السلم، والرفق، وتكريس الكرامة الإنسانية.
- الوعي الاجتماعيّ: تفعيل الصلح الأسري، وإدارة أموال الزكاة والعمل التضامنيّ، إلى جانب نشر الوعي بترشيد الاستهلاك، وحماية البيئة، وصيانة الممتلكات العامة.
أما عن قرب الخطاب المسجدي من واقع المجتمع، فيتحقق ذلك من خلال المرونة والتفاعل: بالاشتباك مع القضايا والأحداث التي تشغل بال المواطنين، والتناول المقاصدي الذي يوضّح علل الأحكام ومقاصدها بدلاً من الطرح السطحيّ، وتغليب الخطاب الإيجابيّ البنّاء الذي يقدّم حلولاً عمليّة وبتناول واقعيّ بدلاً من شتم الواقع وتزهيد الناس في زمانهم، مع تجديد لغة الخطاب لتكون قريبة من مختلف الفئات.
ما أهمية المسجد في بناء الفرد والمجتمع، خاصة من الناحية التربوية والقيمية؟
المسجد هو المؤسّسة المركزيّة والجامعة التي تتجاوز وظيفتهُا حدود الأداء الشعائريّ لتصنع الإنسان وتضمن تماسك المجتمع:
- من الناحية التربوية : يؤدّي المسجد دوره بإعادة ضبط إيقاع الحياة على نفسيّة الفرد وأعصابه؛ عبر الصلوات الخمس التي تمنحه تركيزاً فكريّاً، وسكينة نفسيّة، وانضباطاً سلوكيّاً، كما يُزكّي النفس بتنمية الوازع الدينيّ والمراقبة الذاتيّة، ويُوفّر بيئة آمنة لتعلُّم أحكام الدين وتعاليم الشريعة.
- من الناحية القيميّة : يرسّخ المسجد قيمة المساواة الإنسانيّة المطلقة حين يذيب الفوارق الطبقيّة في الصفّ الواحد، ويعزّز التلاحم الاجتماعيّ وقيم التضامن الإسلاميّ ، من خلال التعارف اليوميّ الذي يقتضي التفقُّد والانشغال بحاجات الناس، ويشيع قيم السلم المجتمعيّ، والرفق والتراحم في التعامل، فضلاً عن كونه الحصن المنيع الذي يحفظ الهوية والأمن الروحي للمجتمع من التفكّك والانحراف.
كيف يمكن للإمام أن يكون أكثر قرباً من فئة الشباب في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
يتطلب الوصول للشباب في العصر الرقمي تحولاً استراتيجياً في منطق الاتصال وأدوات الخطاب:
- الاستثمار في الفضاء الرقمي: عبر صناعة المحتوى المكثّف والمركّز الذي يجيب عن أسئلة الشباب الوجودية والأخلاقية بأسلوب مُبسّط، وإدارة جلسات البث المباشر التفاعليّ لفتح حوارات حرّة وتلقّي الأسئلة دون أحكام مُسْبقة.
- تجديد لغة الخطاب: بالتخلي عن لغة الاستعلاء ولغة الترهيب، وتبنّي خطاب الرفق والتيسير النبويّ، الذي يخاطب العقل ويستوعب لغة العصر ومفاهيمه.
- تفكيك الشبهات الرقمية بالمنطق: تقديم إجابات عميقة تمنح الشاب حصانة فكرية ضد حملات التشكيك والغلوّ.
- النزول الميداني: بالخروج من المحراب والنزول للمساحات المجتمعية كالمراكز الثقافيّة والرياضيّة ودعم المبادرات الشبابية.
- التحول إلى مستمع ومربٍّ: الإنصات لاستشارات الشباب وهمومهم بالسرية والاحتواء، ليتحول الإمام من مجرد موظّف دينيّ إلى رفيق فكريّ وأب ومربٍّ.
وكلّ أو جلّ هذه المتطلّبات والاهتمامات يضطلع بها طيف واسع من الأئمة والدعاة -ولله الحمد- وقد أثمرت نتائج مباركة، برجوع شرائح واسعة من الشباب إلى جادّة الصواب سواء ممن كانوا يعانون من انحرافات سلوكيّة أو شبهات عقديّة وفكرية، وتحوّلهم من عبء على أمن المجتمع وسلمه إلى أفراد صالحين يؤدّون دورهم الطبيعيّ في خدمة الدين والوطن.
أجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال