أصغر شهيد في الثورة التحريرية، استشهد وهو ابن 14 عام، ابن ولاية المدية، شهيد لا يزال مجهولا لدى الكثيرين، ولم يحض بالاهتمام كبطل رضع حب الوطن حتى الثمالى، فقرر أن يكون ضمن جيش التحرير الوطني كجندي يحمل السلاح الذي غنمه في معركة كان فيها بجانب البطل المغوار وقائد الولاية الرابعة أحمد بوقرة.
مختلف المصادر تتحدث عن الشهيد البطل عمر ياسف المدعو عمر الصغير ذو 12 ربيعا كأصغر شهيد، ولا يختلف إثنان فيما قدمه الطفل البطل للثورة والثوار، في حين أن أصغر من حمل السلاح والتحق بصفوف المجاهدين بشهادة الكثيرين هو فراش خليفة .
أمام نقص المراجع إن لم نقل انعدامها حاولنا تقصي الحقيقة من منبعها فكانت لنا زيارة لولاية المدية، هذه المدينة التي ما تزال تروي ألاف القصص والحكايات الشاهدة على بطولات شعب قاوم المستعمر بكل بسالة وشجاعة، فكان الثمن باهضا والفوز المظفر جزاء وتتويجا لكل ما قدمه الشعب الجزائري من تضحيات.
الشهيد البطل رافق بوقرة واستشهد في معركته الثانية
حسب المعلومات التي قدمتها لنا منظمة المجاهدين لولاية المدية أن الشهيد فراش خليفة من مواليد 20 جويلية 1945 بدشرة أولاد خليفة ببلدية أولاد هلال وهو الإبن الأصغر للوالد ميلود وكحال كلتوم وهما عضوين بجيش التحرير الوطني، من عائلة ثورية دفعت خمسة من أبنائها فداء للوطن، وهم رابح وأحمد وعبد القادر ومحمد وأصغرهم خليفة.
زاول الشهيد قراءة القرآن بأحد زوايا دشرة أولاد خليفة وهو في سن العاشرة من عمره قبل أن يلتحق رفقة عائلته المتكونة من سبعة أفراد بجيش التحرير الوطني عام 1957، بعد أن دمرت المنطقة التي كانوا يقيمون بها بقصف طيران المستعمر وشرد أهاليها وأصبحت منطقة محرمة.
نشأ الشهيد على كره المستعمر لما شاهده من بطش وظلم، وتربى في أحضان جيش التحرير الوطني فازداد حبا وإخلاصا للوطن.
ونظرا لصغر سنه كان التكفل به خاص، فبادر قادة جيش التحرير الوطني بإرساله إلى مدينة المدية ليلتحق بالمدرسة الزوبيرية بعد أن تم تزوير وثائقه تفاديا لوقوعه في أيدي المستعمر، لكنه لم يتلاءم مع الحياة الجديدة فغادر المكان ورجع لمراكز جيش التحرير الوطني أين تطمئن نفسه .
في عام 1959 انضم المجاهد الصغير سنا والكبير عزيمة وشجاعة إلى صفوف الكتيبة الزوبيرية ليشاركها في مهامها النبيلة من معارك واشتباكات وكمائن كأي جندي حيث عمل بتفاني وإخلاص يشهد له رفقائه في السلاح .
لازم الشهيد البطل قائد الولاية الرابعة أحمد بوقرة وشارك في معركة غنم فيها سلاحه وحين أراد بعض المجاهدين أخذ سلاح خليفة، كان رد القائد بوقرة أن البطل غنمه بنفسه لذا لن ينتزعه أحد منه .
في
صبيحة أحد أيام شهر جوان لعام َ1959و بجبال أولاد عيسى ببلدية أولاد بوعشرة وعلى إثر اشتباك مع قوات العدو الذي تحول إلى معركة ضارية قاوم فيها البطل الصغير مقاومة الشجعان وسط إخوانه من جيش التحرير الوطني جنبا إلى جنب، وبعد أن اشتدت المعركة سلم له شقيقه المدعو سي اللوحي السلاح الذي كان بحوزته “الكربان بمنظار” ليستلم هو الرشاش وناداه قائلا :”احمل سلاحك يا خليفة أظن أن اليوم يوم كبير وحسبي أنه يوم استشهادك “، كانت هذه آخر الكلمات التي سمعها الشهيد البطل بشهادة أحد رفقاء السلاح الذين كانوا بجواره، بعد أن استمرت المعركة وتبادل الطرفان إطلاق النار، كثف المستعمر جيوشه ليحاصر المكان وكانت الحصيلة 11 شهيدا ومنهم الشهيد خليفة أصغرهم الذي لم يتجاوز بعد 14 ربيعا، وما يزال جثمان الشهيد بجوار جثمان البطل بوقرة في بلدية اولاد بوعشره صرحا شاهدا على بطولة شعب لا يعترف بسن البطولة بل يولد الطفل محاربا مميزا بشجاعة وبسالة الأبطال .
وعرفانا لما قدمه البطل للوطن الغالي وتخليدا لمآثره فقد تم تسمية الدفعة السابعة عشر لتخرج الطلبة ضباط الصف المتعاقدين بمركز التكوين التخصصي بالمدية باسم الشهيد فراش خليفة.
ويذكر أن سلاح الشهيد خليفة فراش متواجد في متحف بيوغسلافيا كان قد قدمه الرئيس هواري بومدين للماريشال جوزيف بروس تيتو رئيس يوغسلافيا.
فراش أحمد ابن أخ الشهيد خليفة: ” البطل أحمد اللوحي اختتم قائمة شهداء العائلة”

عائلة فراش من العائلات الثورية التي قدمت للوطن خمسة من أبنائها عرفت بشجاعتها وصمودها، في زيارة لنا للسيد أحمد ابن الشهيد رابح وابن أخ خليفة حدثنا عن بطولات شهداء العائلة وعن البطل الشهيد أحمد المدعو أحمد اللوحي.
وفي ذات السياق يؤكد محدثنا قائلا: “كان أحمد اللوحي من اختتم قائمة شهداء العائلة ولم يبقى الى فجر الاستقلال سوى الأب ميلود والأم كحال كلتوم يضاف إلى رصيد العائلة التي تتشرف بأصغر شهيد في صفوف جيش التحرير الوطني “.
وعن البطل أحمد اللوحي قال ذات المصدر أنه التحق بصفوف جيش التحرير الوطني عام 1956 ضمن فصيلة سي البشير، ونظرا لشجاعته الكبيرة وفطنته ترقى فيها الشهيد بسرعة نظرا لمؤهلاته الحربية وكانت البداية بجندي رامي رشاش في الكتيبة الزوبيرية عام 1957 ومنها إلى رئيس فوج، فقائد فصيلة وبعدها قائد للكتيبة ليختتم بمسؤول عسكري للمنطقة الثانية في مطلع 1961 كضابط، وقد قاد عدة معارك ضارية كبد فيها المستعمر خسائر فادحة في الأرواح والعتا، منها: معركة جبل اللوح، معركة جبل موقورنو الشهيرة، ووصفه رفاق السلاح بالرجل الشهم والبطل المغوار، وقد استشهد في 22 فيفري 1962 بمنطقة كاف حجاج بالقرب من واد شلف ببلدية الزوبيرية ليلتحق بركب الشهداء رفقة 21 شهيد ويختتم قائمة شهداء عائلة فراش.
وعن الشهيد خليفة أكد لنا السيد أحمد فراش أن رغبته في التجند وهو صغير السن لم يكن من باب الصدف، فحسب ما رواه له جده الميلود أن حب الوطن كان ميزة لكل أفراد العائلة وأن ما تكبده سكان منطقة أولاد هلال من ظلم وبطش من المستعمر الغاشم كان حافزا قويا للانضمام لجيش التحرير الوطني في الولاية الرابعة التاريخية التي شهدت ويلات كباقي ولايات الوطن”.
الأمين العام للمنظمة الوطنية للمجاهدين لولاية المدية:”ولاية المدية وحدها تحصي أزيد من 10 ألاف شهيد”
وعن ما قدمته الولاية الرابعة التاريخية من شهداء يؤكد أحمد شعواطي الأمين العام لمنظمة المجاهدين لولاية المدية وأحد المناضلين في صفوف جيش التحرير الوطني قائلا”أن ولاية المدية وحدها تحصي أكثر من 10 الالف شهيد، وأكثر من 80 شهيدة لم تعرف بعد”.
وأضاف شعواطي قائلا:” المنطقة عرفت أكثر المعارك شراسة لذا كان تداول على قيادة الولاية الرابعة ست قادة أخرهم يوسف الخطيب، وقد كان نظامها الذي اعتمد على الكتائب كتقسيم عسكري للمنطقة أكثر ما ميزها، ويمكنني القول أن الثورة كانت مدرسة ليس في الحرب فحسب بل مدرسة في الأخلاق والانضباط والصبر، تعلمنا من خلالها روح العمل الجماعي والتنسيق بين مختلف الوحدات دون مراعاة الرتب والدرجات”.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال