يعد عبد الرحمان برقي من الحكام الدوليين الجزائريين الذين تركوا بصمتهم في تاريخ كرة القدم الجزائرية، ليس لأنه نال شرف المشاركة في بطولة كأس إفريقيا للشباب، أو لكثرة الداربيات التي أدارها على المستويين المحلي، والقاري، أو كرئيس للجنة التحكيم في عهد رئيسي الفاف السابقين عمر كزال، ورشيد حرايق فحسب، وإنما أيضا للصرامة التي عرف بها، وتعامله المتميز مع اللاعبين فوق المستطيل الأخضر.
برقي وفي ركن “الذاكرة الرياضية” عاد بنا إلى الأيام التي صال وجال بها في الملاعب بصفارته، التي حملت في طياتها وثنايا صفحاتها الكثير من الذكريات الجميلة، والمرة، وبهذه المناسبة لم يفوت برقي الفرصة للحديث عن الخطأ التحكمي الشهير الذي وقع فيه في لقاء الداربي العاصمي الذي جمع بين رائد القبة ومولودية الجزائر بعدم احتسابه هدف شرعي للاعب المنتخب الوطني ورائد القبة السابق صالح عصاد …
عبد الرحمان برقي اسم معروف على الساحة الرياضية الجزائرية والقارية، هل لك أن تحدثنا عن بدايتك في عالم كرة القدم؟
بسم الله الرحمان الرحيم، على كل حال بداية قصتي مع كرة القدم كانت في الحي، بدأت أمارس كرة القدم مع أبناء الحي الذي كنت أقطن فيه، بعدها التحقت بفريق يدعى النجم الساحلي للجزائر، وفي عمري 16 سنة، كان ذلك بعد الاستقلال سنة 1962، بعدها التحقت بصدى الجزائر، وهما فريقان ناشطان في الجزائر الوسطى، لم يكونا قويان. كلاعب مارست كرة القدم حوالي 5 سنوات فقط، وبعدها اتجهت للتحكيم، صراحة لم أكن باللاعب الجيد، كنت لاعبا متوسطا، رغم أنني كنت أحب كرة القدم كثيرا.
هل يمكن أن نفهم من كلامكم أن السبب الذي جعلكم تلتحقون بالتحكيم هو حكمكم المسبق بعدم البروز والتألق كلاعب؟
لا ليس هكذا، في حقيقة الأمر أن أخي الكبير كان حكما، وهو ما كان سببا في دخولي عالم التحكيم، دخلت عالم التحكيم ليس لصنع التاريخ، بل كنت أبحث فقط عن بطاقة دخول الملاعب، ففي ذلك الوقت كانت الوزارة تمنح للحكام، ولأبناء الحكام هذه البطاقة.
ومتى كانت انطلاقتكم الرسمية مع الصافرة؟
كان ذلك سنة 1967، وانتهت رحلتي مع التحكيم سنة 1994، تقريبا 30 سنة وأنا أدير مباريات كرة القدم، عرفنا فيها الحلو والمرّ.
“دخلت عالم التحكيم من أجل بطاقة دخول الملاعب”
من هو الفريق الذي كنت متعلقا به حتى فكرت في الحصول على هذه البطاقة؟
أنا أحب كرة القدم، البعض يسألني أي فريق تناصر، مولودية الجزائر، أو اتحاد العاصمة، أقول لهم أنا أعشق كرة القدم والمباريات الجملية.
هل تتذكرون أول مباراة أدرتموها؟
أدرت الكثير من المباريات، ولا يمكنني التذكر، بدايتي كانت بالتدرج، نظمت الكثير من الداربيات، والمباريات الدولية، وأنا صغير السن.
هل أنت راض عن مسيرتك؟
أنا لا أتكلم عن نفسي، الناس تشهد علي، ما يمكنني قوله أنني أذهب لكل الأماكن ورأسي مرفوع، سواء في الأحياء، أو عند السلطات، أنا أتكلم عن كرة القدم التي عشتها، عرفنا كرة القدم عندما كان الرجال، رجال من الصعب أن تجد مثلهم في الوقت الحالي.
ماهي أوجه الاختلاف والتشابه بين أجواء كرة القدم التي عشتها في عهدك والعهد الحالي؟
في السابق كان الأشخاص الذي يسيرون كرة القدم، أصحاب المهنة، في عهدنا كانت الكرة تسير بالرجال وليس بالأموال، مسيرون صارمون، أصحاب أخلاق ومبادئ، لما كنت لاعبا، كان المسيرون الذين يشرفون على الفريق رجال محكوم عليهم بالإعدام في عهد الاستعمار الفرنسي، كانوا وطنيين إلى حد لا تتصور، في السابق كان الاحترام، والخوف من المسير، شيء طبعي، المسير كان مربيا، كان هؤلاء المسيرين عندما يدخلون الملعب، الكل يلتزم الصمت، اليوم مثل هذه الأمور لم نعد نراها، أصبح اللاعب يدخن أمام المسير والمدرب، يشتم الناس، والحكم، تخيل فنحن البلد الوحيد في العالم الذي لا يدخل الملاعب مع عائلته، صراحة شيء مؤسف.

ارتبط اسمكم بإلغاء هدف شرعي لصالح عصاد في لقاء فريقه رائد القبة أمام مولودية الجزائر، هل لك أن تروي لنا تفاصيل هذه الحادثة؟
كان ذلك ما بين سنة 1979 / 1980 بملعب بن حداد بالقبة، الكرة دخلت وخرجت من المرمى، لم أكن متموقع جيدا، لقد أخطأت التقدير، بعدها بطروني قاد هجمة مرتدة وكاد يسجل، أتذكر جيدا تلك اللقطة، لقد تمت معاقبتي بسنة كاملة بعد هذا الخطأ الغير متعمد، طلبت أشرطة فيديو وتأكدت من خطئي، قيل لي أن حكم التماس من تسبب في الخطأ وهو من يتوجب أن يعاقب، لأنه بقي في مكانه ولم يصعد، قلت لهم لا، لن أرضى بغير معاقبتي، والحمد لله عوقبت وضميري مرتاح، حرمت من إدارة نهائيات كأس أمم إفريقيا التي كنت مرشحا لها، لكن هذا ليس مهما، المهم أنني أخذت حق أخر، واستحقت ما أخذت بعدها، هنا أريد أن أتحدث عن شيء طريف حصل معي بعد اللقاء.
تفضل ..
لا يخفى عليكم أنني ابن حي باب الواد، وهو معقل أنصار مولودية الجزائر، وفي القبة كان عندهم مغني شعبي كبير اسمه حسان كعوان، شاءت الصدف أن يأتي لإقامة حفل ختان ابني، جاء إلى باب الواد التقينا، والتقيت مع أبناء القبة، وادراكا منهم أنني لم أتعمد هذا الخطأ، لم يلوموني في شيء، لقد كان احترام كبير بين المسيرين والأنصار والحكام، لقد كانت أياما جميلة.
تحتفظ بالكثير من الصور التذكارية على جدران مكتب جمعيتك “أولاد الحومة”، ومن بين هذه الصور شاهدنا صور لك مع عدة شخصيات رياضية بارزة، من بينها صورة مع اللاعب الدولي الفرنسي ومدرب ريال مدريد السابق زين الدين زيدان ذو الأصول الجزائرية في أي مناسبة كانت؟

على ما أظن كان ذلك سنة 2002 في مركز كلير فونتان في فرسنا مع المنتخب الفرنسي، لم أتحدث معه كثيرا، تبادلنا التحية وأخذنا صورة تذكارية بيننا، فزيدان لاعب غني عن كل تعريف.
” أنا ابن باب الواد، أدرت عدة داربيات ولم أنحاز يوما لفريق ما”
سبق لكم وأن توليتم مناصب مرموقة لدى الفاف هل يمكنكم وصف تجربتكم لنا؟
عملت بجانب المرحومين عمر كزال، ورشيد حرايق، كنت رئيسا للجنة التحكيم، أنا لا أقول أنا أفضل، أو أنا فعلت، ما يمكنني قوله أنني راض عما قدمته، والناس تحكم عليّ.
على ذكرك رئيس “الفاف” السابق رشيد حرايق الذي اغتالته أيادي الغدر سنة 1995 كيف تلقيتكم نبأ وفاته؟
لقد كانت صدمة كبيرة ، المجاهد الراحل رشيد حرايق كان شخصية، سياسية، ورياضية قوية، كان رجلا مثقفا، هو من عائلة كبيرة، لم يكن أحد من رؤساء هؤلاء الأندية يتجرأ على الفاف مثلما يحدث اليوم، حرايق خسارة كبيرة للجزائر، لقد كان رجلا حقيقيا، رحمه الله، عرفنا الرجال من الصعب جدا أن تجد أمثالهم في كرة القدم اليوم.
ما مدى تأثير الظروف الأمنية في تلك الفترة على عملكم؟
في عهد الرئيس المرحوم حرايق كنت رئيسا للجنة التحكيم، الأمر كان صعبا جدا، حالة اللا أمن التي كنا نعيشها أثرت كثيرا على عملنا، عشنا أياما صعبة جدا، بعض الحكام كانوا يرفضون التنقل لإدارة المباريات، لم أكن صارما معهم، أنا لا ألومهم في هذا الأمر، لأن البلاد مرت بمرحلة لا ترحم خلال العشرية السوداء.
لو طلب منكم رئيس “الفاف” الجديد شرف الدين عمارة المساعدة مالذي تقترحونه عليه؟
يمكنني مساعدة الفاف بالخبرة التي أمتلكها، أقدم برنامجي وتتم دراسته، لدي أفكار وبرنامج، غريب أمر مسؤولي كرتنا، عليهم أن يعلموا أننا نحن من نحميهم، وليس أنت تحميني !!، العام الماضي قدمت، برنامج للفاف لم يؤخذ بعين الاعتبار أبدا، ولم يستقبلونني، أرسلته للفيفا ردوا علي وشكروني !.
“عشنا أياما صعبة في العشرية السوداء.. الحكام كانوا يرفضون التنقل، ولهذا السبب لم أكن صارما معهم”
أي برنامج ؟
برنامج خاص بتنظيم لجان الأنصار، برنامج مفصل يحتوي على الكثير من الترتيبات التي تحد من العنف، لدي نسخة منه.
ما هي أصعب مباراة أدرتها في مشوارك التحكيمي؟
أنا حكم المباربات الصعبة، كنت دائما أعين لإدارة المباريات الحاسمة، سواء في الجزائر، المغرب أو تونس، فعندما يلتقي فريقان لتحديد الصعود، أو النزول، او مرتبة مهمة، يقومون باستدعائي، أدرت 3 نهائيات كأس الجمهورية، في عهد الرئيس الرحل الشادلي بن جديد ، لكن المواجهة التي بقيت في ذاكرتي هي مواجهة تونس ومصر في تصفيات كأس العالم ، كان لقاء حاسما، والحمد لله أدرته بامتياز رغم كل الضغط الذي عشته.
هل سبق وأن عرض عليك مبلغ مالي محدد أو هدايا لترتيب لقاء ما؟
أمور مثل هذه تحدث عالميا، وذلك عن طريق وسطاء أو مسؤولين، لكن
لم أجد مشاكل والحمد لله، وكمال يقال “أضمن في روح”، الأمور في وقتنا لم تكن كاليوم.
” المرحوم حرايق كان رجلا حقيقيا، ولا أحد كان يتجرأ على الفاف معه”
رئيس الفاف الجديد نصب نفسه رئيسا للجنة التحكيم ما رأيك؟
لعمارة قام بهذا الأمر لأنه يدرك جيدا ما يحدث من كواليس في التحكيم، ولهذا قرر التحكم بنفسه بهذا المنصب الحساس .
ما رأيك في التغيرات التي حدثت على رأس كرة القدم الجزائرية؟
أتمنى أن يحسن هؤلاء المسؤولين الأمور، لأنه ما حدث في العام الفارط مهزلة حقيقة، أين رسموا مسؤول في التحكيم، لم يسبق له وأن حمل صافرة في حياته، انظر أين وصل بنا المقام، زد الى هذا فأنا في حياتي لم أرى مسؤول انتهت عهدته ولا يزال يسير !! ، أمور مثل هذه تجعلك تلح على التدخل والكلام، انها أكثر من كارثة !!.
“كامل الحكام تعرض عليهم الهدايا عبر وسطاء، وكما يقال ” أضمن في روح”
من هو الفريق أو اللاعب الذين كنت صعوبات في التحكيم معه؟
لا يوجد ، كما قلت لك سابقا أنا ابن باب الواد، أدرت داربيات كبيرة، ولم أنحاز يوما لفريق ما، ذات يوم أدرت لقاء واعد بين المولودية والشبيبة، فازت الشبيبة 2-1 الكل خرج يتحدث عن الأداء المتميز الذي قمت به، أيضا أدرت مباريات كثيرة شارك فيها لاعبين كبار ، في السابق كانت صعوبة اللاعبين تتمثل في اللعب، ليس كاليوم، فقد تجد لاعبين لا يحترمون مدربهم، ولا يحترمون الحكم و لا الأنصار.
حادت ما بقي راسخا في ذاكرتك …
عندي علاقة جيدة مع الكثير، أدرت مباريات كبيرة، التاريخ والناس يشهدون عليّ، راسي مرفوع وهذا هو ما بقي راسخا في ذاكرتي
“الفيفا شكرتني على برنامجي وفي الجزائر لم يستقبلوني”

تشرفون حاليا على رأس جمعية أولاد الحومة، الكائن مقرها بمديرة الشباب والرياضة ما طبيعة عمل هذه الجمعية ومهامها؟
هذه الجمعية أنشأت سنة 1997، هدفا تأطير الشباب، وإبعادهم عن الآفات الاجتماعية، بتنظيم مباريات كرة القدم بين الأحياء، وتنظيم مباريات بين السجون، نهتم بالشباب نستمع الى أرائهم اليوم، أفرح كثيرا عندما أرى الشباب يلعبون ويتنافسون بينهم في الإطار الرياضي، سأنهي حياتي هكذا أساند الشبان، بجمعية ولاد الحومة ، نحن من الناس الذين يفكرون في الأحياء دائما، وليس العكس
هل لك أن توجه نصيحة ما للحكام الجزائريين الحاليين؟
عليهم أن يجتهدوا في العمل البدني، كي ينجح الحكم عليه أن يعرف كيف يتكلم مع اللاعبين، وعليه أن يتابع القوانين ، وعليه أن لا يستمع لأقوال الانتهازيين، عندنا حكام جيدين، وبالتطير الجيد تتحسن الأمور.
أدم ع

























مناقشة حول هذا المقال