تقرير: فضيل شرف
مع تفشي وباء فيروس كورونا وانتشاره في كل بقاع العالم، وما قابله من فرض حجر صحي وتجميد كل النشاطات الرياضية في البلاد، لجأ أنصار الأندية الجزائرية إلى اتباع طريقة جديدة للتشجيع انعكست على المظهر العام للأحياء السكنية ولقيت انتشارا واسعا في جميع ربوع الوطن، وهو تزيين جدران الأحياء والأزقة بألوان الأندية الجزائرية في مشهد أثار إعجاب الكثير، خاصة أنها سابقة في البلاد، بما أن هذا النوع من التشجيع نادر في الجزائر إن لم نقل منعدم، لكن سرعان ما تحولت هذه النعمة
إلى نقمة وانقلب الجمال إلى قبح لم يشوه الأحياء فحسب، بل شوه حتى سمعة المناصر الجزائري عند البعض بسبب التخريب الذي طال عددا كبيرا من الرسوم، في سلوك بعيد عن القيم والأخلاق التي يتميز بها الجزائري…
هذا العمل يعتبره الكثير من المتتبعين معزولا ولا يمثل إلا فاعله، لكن انتشاره السريع وفي ظرف قصير يجرنا للحديث عن هذه الظاهرة وانعكاسها على العلاقة الموجودة بين محبي الأندية الجزائرية، فمن المسؤول عن مثل هذه الأفعال؟ وهل بإمكان مثل هذا السلوك أن يخلق نوعا جديدا من العداوة بين أنصار الفرق؟ وما الفائدة من تخريب شيء جميل يزيد الحي بهاء؟

البداية كانت بالتزيين والجميع أثنى على المبادرة
قبل التطرق إلى لب موضوعنا، بودنا أن نعود إلى البداية التي كانت مباشرة بعد إعلان فرض الحجر الصحي على المواطنين في جميع أنحاء الوطن، وهو ما خلق نوعا من الملل لدى المناصر الذي لم يتأقلم جيدا مع فكرة البقاء في المنزل أو على جدران الحي دون القيام بأي عمل يذكر.
هذا الملل دفعه إلى البحث عن متنفس آخر أو عمل جانبي يقضي به على الخمول “الإجباري” الذي ترتب عن الحجر الصحي، لتأتي فكرة تزيين الجدران بألوان الأندية بمختلف أسمائها. هذه الفكرة سرعان ما انتشرت بسرعة بين معاقل المحبين وعشاق الكرة الجزائرية إلى أن تعممت من شرق البلاد إلى غربها، وأصبحت كل مجموعة تتسابق مع نظيرتها أو غريمتها من أجل الظفر بأجمل جدارية في الحي أو حتى في المنطقة كلها.
من جهتهم، ثمن المواطنون مثل هذه المبادرات وأثنوا عليها، وتمنوا أن تعود الفكرة بالفائدة على الأحياء والمدن وحتى بين أنصار الفرق، بما أنهم يقتربون من بعضهم البعض لتبادل الأفكار والرؤى، وهو ما يعني إرساء مبدأ الروح الرياضية والتآخي بين الجمهور الواحد.

الفكرة جلبت الإبداع وعرّفت بالرسامين
لم تتوقف رسومات الأنصار على الجدران في قالب واحد فقط، وإنما فتحت الفكرة باب الإبداع للفنانين والشباب حتى تكون الجداريات متنوعة وكل جدارية تدل على رسالة أو تعريف بلاعب أو تاريخ فريق معين، وفي هذا التقرير تعمدنا عدم ذكر أسماء الفرق حتى نكون حياديين مع الجميع ولا نرجح كفة ناد على آخر.
كما كانت هذه الرسومات فرصة للفنانين التشكيليين للتعريف بأنفسهم للجميع، بما أن هناك من عانى من التهميش أو الإقصاء لمدة طويلة، لتأتي فكرة رسم الجداريات ليفرض نفسه كفنان ورسام بإمكانه تقديم الكثير للثقافة إذا لقي الدعم اللازم من الجهات المعنية.
سرعان ما تحول الحسن إلى قبح!
بعد الجهود الجبارة التي بذلها الشباب المبدع من أجل تزيين حيه بالدرجة الأولى، تحول الحسن إلى قبح بين عشية وضحاها وبدأت بوادر الفتنة تظهر بين أنصار الأندية، في وقت كان الجميع ينتظر أن يحدث العكس وتساهم مثل هذه الأعمال في التقريب بين أفراد الشعب الواحد، إذ لم يكن أشد المتشائمين ينتظر أن يتم تخريب تحف فنية استلزمت البعض منها أسبوعا من العمل الدؤوب لإعدادها في أحسن حلة.
وقد تداول العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لجداريات تعرضت للتخريب، مع التعليق عليها وشجب هذه الأفعال التي تسيء للمواطن بالدرجة الأولى، مع نشر رسائل توعوية بين المناصرين بالتأكيد على أن هذه الجداريات هدفها تزيين المنظر أكثر من أي شيء آخر، لكن مع مرور الأيام بدأت الظاهرة تتزايد بشكل مخيف ومربك.

جداريات بلوزداد والمولودية الأكثر عرضة للتخريب وأنصار الفريقين يتبادلون التهم
ولعل أكثر فريق تضرر من تخريب الجداريات الخاصة به هو مولودية الجزائر وشباب بلوزداد، إذ بدأت بوادر الشحناء عندما استيقظ أنصار مولودية الجزائر على خبر تخريب جدارية خاصة بفريقهم بحي المرادية، وبعد ذلك مباشرة تم تخريب جدارية أخرى ببلدية بابا حسن خاصة بفريق شباب بلوزداد، لكن الملفت في هذا العمل الجبان أن مخربيها نسبوا الفعل إلى إلتراس المولودية، وهذه الأخيرة نفت ذلك وتبرأت من العمل الذي قامت به مجموعة لا تمثل إلا نفسها.
ومن هنا انطلقت حملة من التهم بين محبي الفريقين العريقين في الجزائر، وخلق فتنة وصلت إلى حد الاشتباك بالأيدي بين البعض منهم في شوارع العاصمة، وزادت حدتها مع مرور الأيام إلى أن تراجعت قليلا هذه الأيام، في انتظار ذوبان الجليد بصفة كلية وعودة المياه إلى مجاريها بين الفريقين الجارين.
الرسامون ينددون بما حدث لأعمالهم الفنية
وبما أن التخريب يطال الجداريات والرسوم التي تزين الأحياء والأزقة، فإن أكبر المتضررين من هذه الأفعال هم الرسامون الذين كرسوا أوقاتهم وجهودهم وحتى أفكارهم لخدمة عمومية مجانية هدفها الأسمى هو إعطاء وجه آخر للحي، وفي هذا الصدد التقينا بالشاب (نسيم. ك) الذي يمارس هواية الرسم منذ نعومة أظافره وتعرضت إحدى لوحاته الفنية للتخريب، والذي قال عن ما حدث: “صراحة لم أتجرع ما حدث للوحتي الفنية، انا أسميها لوحة فنية لأني الوحيد الذي تعب من أجلها وكرست وقتي وجهدي من أجل جعلها في أحسن حلة، لكن ما قمت به في ثلاثة أيام كاملة أفسده بعض المنحرفين وأعداء الطبيعة والجمال في نصف دقيقة!”، وواصل نسيم حديثه معنا وقال: “حسبي الله ونعم الوكيل في كل من خرب صورة أو جدارية حتى وإن لم تكن لي، فأنا أعرف جيدا معنى إتلاف تحفة فنية لأني ضحية هذه الأفعال الجبانة”.
من جهته، قال (كمال. ج) وهو فنان تشكيلي: “الحمد لله أن عملي الفني لم يصب بمكروه إلى حد الآن وأتمنى أن لا يحدث ذلك، لكن على الجميع أن يعلموا أن مثل هذه الأفعال لا تشرف المواطن الجزائري بالدرجة الأولى، هذه الأعمال فنية هدفها التزيين قبل كل شيء، وأتمنى من السلطات أن تعاقب هذه الأفعال التي تعرف انتشارا فاحشا، وبالمناسبة أتأسف لزملائي الفنانين بما حدث لأعمالهم وأعلن تضامني معهم بغض النظر عن الأندية التي يشجعونها”.
العقلاء يدعون إلى التهدئة وعدم اتهام أنصار الأندية

من جهتهم، فضل بعض العقلاء استعمال لغة الخطاب المباشر للأنصار، إذ دعوا إلى التحلي بالعقلانية وعدم صب الزيت على النار باتهام أنصار فرق معينة، والاكتفاء بوصف الفعل بالمعزول، وفي هذا الصدد قال (رفيق. س) وهو مناصر معروف لإحدى الفرق العاصمية: “أوجه ندائي إلى أنصار كل الفرق الجزائرية، هناك من يعمل على خلق الفتنة بين أفراد الشعب الواحد بتخريب الجداريات، ونحن من هنا نقول لهم لن تصلوا إلى هدفكم وسنتصدى بكل قوانا لهذه الأفعال المشينة التي لا تمت بصلة بعادات وتقاليد المواطن الجزائري، لا يمكن اتهام أي طرف أو جهة معينة بهذا الجرم ومن الأفضل نسب الأفعال لمرتكبيها فقط بغض النظر عن الفريق الذي يناصره”، قبل أن يضيف: “اما مرتكبي هذه الأفعال فعلى السلطات الأمنية اعتقالهم وإحالتهم على الجهات القضائية لمعاقبتهم، فالضرب بيد من حديد سيقلص من حجم هذه الأفعال التي أعتبرها جرائم في حق الفن والفنان قبل أن تكون في حق الفريق”.



























مناقشة حول هذا المقال