أكد وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، أن تطوير جهاز تفتيش العمل بات ضرورة تفرضها التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر، مشددا على أن المرحلة الحالية تستوجب الانتقال من المقاربة التقليدية القائمة على الرقابة والعقوبات إلى مقاربة وقائية ترتكز على المرافقة والتوجيه والإرشاد، بما يضمن احترام تشريع العمل وتحسين أداء المؤسسات الاقتصادية.
وجاء ذلك، اليوم الأحد، خلال إشرافه على افتتاح أشغال الملتقى الوطني التقييمي لنشاطات مصالح المفتشية العامة للعمل، المنظم بالمركز العائلي ببن عكنون، بحضور إطارات القطاع ومفتشي العمل من مختلف ولايات الوطن، حيث خصص اللقاء لتقييم حصيلة النشاطات واستشراف آفاق تطوير منظومة التفتيش.
وأوضح الوزير أن حصيلة نشاط مصالح مفتشية العمل تعكس حجم الجهد الميداني المبذول، بعدما سجلت أكثر من 231 ألف زيارة تفتيش شملت مؤسسات تضم ما يزيد عن 10 ملايين عامل، وهو ما يعكس الحضور الدائم للمفتشية في متابعة مدى احترام التشريع والتنظيمات السارية.
غير أن استمرار تسجيل بعض المخالفات، حسب الوزير، يبرز الحاجة إلى تكثيف عمليات التوعية والمرافقة، بما يساعد المؤسسات على الامتثال للقانون قبل اللجوء إلى الإجراءات الردعية.
وأكد سايحي أن مفتش العمل لم يعد مطالبا بأداء دور رقابي بحت، بل أصبح شريكا في تحسين أداء المؤسسة، من خلال اعتماد مبدأ حسن النية والحوار، ومرافقة المستخدمين في فهم النصوص القانونية وتطبيقها بالشكل الصحيح، لاسيما بالنسبة للمؤسسات التي قد تواجه صعوبات في استيعاب بعض الأحكام التشريعية أو التنظيمية.
كما شدد على أن المقاربة الوقائية التي يعتمدها القطاع في مجال الصحة والسلامة المهنية تهدف أساسا إلى حماية العامل وصون كرامته داخل بيئة العمل، معتبرا أن الحد من حوادث العمل يجب أن يتحول إلى هدف استراتيجي، عبر تكثيف عمليات التحسيس والرقابة الوقائية، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع المخالفات أو الحوادث.
وأشار الوزير إلى أن الجزائر تشهد تحولات اقتصادية متسارعة تستدعي توفير بيئة عمل مستقرة وجاذبة للاستثمار، وهو ما يفرض على مفتشي العمل تبني منهجية بيداغوجية تراعي خصوصيات المؤسسات، وتوازن بين التطبيق الصارم للقانون وتشجيع النشاط الاقتصادي، بما يساهم في دعم التنمية والحفاظ على الحقوق الاجتماعية للعمال.
وفي السياق ذاته، دعا سايحي إلى اعتماد ثقافة التقييم المبني على النتائج، من خلال تحديد مؤشرات أداء دقيقة وقابلة للقياس، تسمح بمتابعة فعالية نشاط مفتشي العمل ومدى تحقيق الأهداف المسطرة، مؤكدا أن نجاح جهاز التفتيش يقاس بمدى انعكاس تدخله على تحسين الامتثال داخل المؤسسات والحد من النزاعات والمخالفات.
التكوين المستمر والتعاون الدولي لتطوير منظومة التفتيش
وفي محور تطوير الموارد البشرية، أبرز الوزير أن التكوين المستمر يشكل أحد أهم ركائز تحديث جهاز التفتيش، داعيا إلى تجاوز الأساليب التقليدية واعتماد مناهج حديثة تواكب التطورات التكنولوجية والقانونية، بما يرفع من الكفاءة المهنية والمعرفية للمفتشين ويمكنهم من أداء مهامهم بفعالية أكبر.
كما أكد ضرورة توفير الإمكانات البشرية والمادية الكفيلة بتمكين المفتشين من أداء مهامهم الميدانية في أفضل الظروف، إلى جانب العمل على تحسين الإطار التنظيمي والمهني لمهنة مفتش العمل، بما يحقق الإنصاف مع باقي الأسلاك التي تمارس مهاما مماثلة، ويعزز جاذبية هذه الوظيفة.
وفي ختام كلمته، أشار سايحي إلى أن التجربة الجزائرية في مجال تفتيش العمل باتت تحظى باهتمام متزايد من عدة دول، داعيا إلى تثمين الخبرات الوطنية وإعداد برامج تكوين متواصلة تسمح بنقل هذه التجربة وتعزيز مكانة الجزائر في هذا المجال، مع مواصلة تطوير الخدمة العمومية بما يستجيب لمتطلبات المرحلة الاقتصادية الجديدة.
ومن جهته، استعرض المفتش العام للعمل، غومري عمار، حصيلة البرامج التكوينية التي باشرتها المفتشية العامة للعمل، مؤكدا مواصلة تنفيذ برنامج شامل لتطوير كفاءات مفتشي العمل، يرتكز على التكوين المستمر، وتحيين المعارف، وتعزيز التعاون الوطني والدولي، فضلا عن تشجيع البحث العلمي في مجال تشريع العمل.
وأوضح أن المفتشية واصلت برنامج التكوين التحضيري للمفتشين الجدد، حيث تم تكوين 37 مفتش عمل بعنوان سنة 2025، فيما انطلقت، ابتداء من 19 جويلية 2026، عملية تكوين 23 مفتش عمل بعنوان سنة 2026، بهدف إعدادهم للقيام بمهامهم وفق المعايير المهنية المعتمدة.
وأضاف أن المفتشية نظمت دورات متخصصة لفائدة المفتشين الرئيسيين والمفتشين المركزيين حول تقنيات التفتيش في أماكن العمل وتقييم ظروف العمل، استفاد منها 174 موظفا سنة 2024، و200 موظف سنة 2025، إضافة إلى 200 موظف خلال سنة 2026، بالشراكة مع الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية للعمال الأجراء والمعهد الوطني للوقاية من الأخطار المهنية.
وأشار غومري أيضا إلى تنظيم دورات تكوينية في إطار لجنة النزاهة القطاعية، تناولت إعداد خارطة المخاطر ودليل الإجراءات الرقابية، إلى جانب يوم دراسي حول تسيير تضارب المصالح وفق المعايير الوطنية والدولية، بمشاركة مفتشي العمل عبر تقنية التحاضر المرئي عن بعد، في إطار ترسيخ مدونة السلوك وأخلاقيات المهنة.
وفي مجال التعاون المؤسساتي، أبرز مساهمة إطارات المفتشية في تأطير ورشات تكوينية لفائدة قضاة المحكمة العليا، تناولت دور مفتشية العمل في تسوية النزاعات الفردية والجماعية ومراقبة تطبيق تشريع العمل، فضلا عن المشاركة في ندوة علمية نظمها المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية الشاملة حول دور الحوار الاجتماعي في استقرار المؤسسات ودفع التنمية.
وعلى الصعيد الدولي، كشف المفتش العام عن توقيع اتفاقيات توأمة ومذكرات تفاهم مع هيئات تفتيش العمل في تونس وسلطنة عمان وروسيا وموريتانيا، بهدف تبادل الخبرات وتطوير آليات العمل، مؤكدا أن الرصيد العلمي للمفتشية تعزز كذلك بإصدار تسعة مؤلفات خلال سنتي 2025 و2026 أنجزها خمسة مفتشي عمل، تناولت مختلف القضايا المرتبطة بتشريع العمل، بما يدعم المرجعيات العلمية ويسهم في الارتقاء بالأداء الميداني لجهاز تفتيش العمل.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال