إنجازات كبيرة وسنوات طويلة من النضال في مسيرة حافلة بالأعمال التي يشهد لها شباب الأحياء الشعبية وكل من عرفوا هذا الرجل، في لقاء جمعنا بهذه الشخصية الفريدة في تعاملها مع مشاكل الشباب، ووسط زخم كبير من الخبرات والتجارب حاولنا الوقوف على أهم المحطات التي ميزت مسيرة عبد الكريم عبيدات في حوار شيق وهادف…
الاستاذ عبيدات، مسار في الميدان العلمي وخبرات ومؤهلات في العديد من الهيئات وتجربة في العمل الاجتماعي الخاص بالشباب، كيف تعرفون جمهور القراء بهذا المسار في محطات أساسية؟
في مسيرة ما يقارب 40 سنة ميزها دائما الاحتكاك المباشر مع الأطفال والشباب، ففي البداية شغلت كمربي ثم مدير مدرسة، كما كانت لي تجربة في عدة مراكز بداية بمركز يهتم بأولاد الشهداء، إلى مربي في مركز الطفولة المسعفة، ومركز للأطفال المعاقين، وشغلت في فترة لاحقة كمستشار في المحاكم فيما يتعلق الأمر بقضايا القصر، كما كانت لي فرصة العمل في مركز إعادة التربية.
هذه المحطات أكسبتني التجربة والخبرة في مجال العمل الجواري، ولكن الحدث الفاصل الذي يعتبر نقطة انطلاقي في العمل الجمعوي هو أحداث أكتوبر 1988 والانفجار الشعبي، حينها شعرت أن هناك ضغطا اجتماعيا رهيبا وأن الشباب لابد لهم من متنفس ففكرت بعد صدور دستور 1989 القاضي بحرية إنشاء جمعيات بتكوين جمعية تستجيب لطموحات الشباب، وكانت جمعية رعاية الشباب أول جمعية تؤسس في الجزائر، وبقيت الجمعية تنشط في ولاية الجزائر، ثم توسعت تدريجيا إلى باقي الولايات ولأن الجمعيات الولائية توسعت، تم إدماج هذه الجمعيات لتؤسس كونفدرالية وطنية، ومع مطلع سنة 2000 صارت تضم أكثر من 4000 جمعية تنشط في مختلف المجالات لكن ما ميزها أنها لم تكن سياسية.
وقد تم تكوين إطارات الجمعية كأولى البرامج التي أوليناها أهمية، وما يمكنني قولة أن مسيرتي لم تكن أبدا سهلة بل عرفت تحديات خاصة أننا كنا ننشط في فترة حرجة من تاريخ الجزائر، أو ما يعرف بالعشرية السوداء، والضريبة دفعناها من أرواحنا فقد خسرنا سبعة شهداء من إطارات الجمعية اغتالتهم أيادي الغدر، وكنت أنا شخصيا مهدد، حاولوا قتلي ولكن شاء القدر ان أواصل مسيرتي وأتخطى كل العراقيل من أجل مرافقة شبابنا والأخذ بيده.
من خلال تجربتكم وخبرتكم في العمل الاجتماعي، ماذا يمكن أن تقولوا عن واقع العمل الجواري والجمعوي وماذا تقترحون لتطويره؟
كانت جمعية رعاية الشباب السباقة في العمل الجواري، وفي هذا المجال خضنا تجربة تمت بالتنسيق مع الشرطة الجوارية سنة 2012 وهي خلق مستشفى متنقل لتدعيم العمل الجواري، وكانت مشاركة الشرطة بالشاحنات التي صارت مدعمة بأطباء ونفسانيين لعلاج المدمنين والشباب من الضغوطات اليومية، وكان الهدف الأساسي هو رعاية الشباب وتقريب الشرطة من المواطن، وقد لقيت هذه المبادرة، خاصة بعد تأسيس قافلة متنقلة للعلاج النفسي الجواري جبنا بها الولايات إقبالا واسعا، فكان الشاب يجد ضالته من تفريغ لضغوطاته وطرح انشغالاته، خاصة عندما دعمنا الطاقم باستشاريين في مجال خلق المشاريع، ولكن رغم الثمار التي جنيناها من هذا المشروع إلا أنه لم يستمر، وهنا أغتنم الفرصة لأوجه رسالتي للمديرية العامة للأمن الوطني لإعادة إحياء هذا المشروع خاصة في ظل التفاقم الكبير للآفات الاجتماعية.

“الوضع خرج عن سيطرة العائلات والأمن ويجب التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتكثيف العمل الجواري وتغيير الخطاب الديني“
كخبير دولي ومستشار في الوقاية الجوارية ورئيس منظمة رعاية الشباب، لو توضحون للقراء والرأي العام المخاطر الكبرى لآفة المخدرات على المتعاطي ذاته وعلى الأسرة والمجتمع؟
المخدرات في الجزائر بلغت ذروتها ولم يعد بلدنا منطقة عبور فقط بل صارت منطقة استهلاك واسع لهذه السموم، فالأرقام الرسمية تشير إلى 600 ألف مدمن يتلقى العلاج، وأنا أقول أن الرقم الحقيقي يفوق ما أعلن عنه لأن هناك شريحة واسعة من المدمنين تبحث عن العلاج ولا تجد أين، لا أقول بسبب قلة المراكز الخاصة بالعلاج بل لانعدامها، لأن العلاج يتم في المستشفيات في أقسام مخصصة للمدمنين وهذا يطرح مشكل كبير أمام هذه الشريحة، وحتى العلاج المقدم اليوم في المستشفيات لا يعتبر علاجا لأن الأمر يتعلق باستبدال مخدر بمخدر آخر وهنا لا نستطيع القول أن هذا علاج، كما أن هناك من المدمنين من يرفض رفعا قاطعا التوجه للمستشفيات وبالتالي فالأرقام الحقيقية مخيفة وتنذر بالخطر إن لم نتكاتف كجمعيات ومؤسسات لمحاربتها، فالخطر لا يكمن في التأثيرات الصحية والعقلية على متعاطي المخدرات، بل الأمر يتجاوز الأشخاص ويؤثر على المجتمع ككل، وما حدث في الأيام الأخيرة من اعتداء بعض مناصري المولودية على شركة سوناطراك خير دليل على ذلك، فقد تبين أن هؤلاء الشباب كلهم مدمنون وهم لا يعون ما فعلوا، لذلك أكرر أن الوضع خرج عن سيطرة العائلات، والأمن كذلك لن يستطيع مكافحة الظاهرة لذلك أكرر يجب التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتكثيف العمل الجواري وتغيير الخطاب الديني.
بمناسبة حديثك عن الخطاب الديني كانت لكم تجربة في إلقاء دروس في المساجد، هل يمكنكم الحديث عن ذلك؟
منذ سنوات حينما استفحلت المخدرات في المجتمع الجزائري حاولت بشتى الطرق التحسيس والتوعية من مختلف المنابر، وقد كانت فكرتي أن المسجد هو المكان الوحيد الذي يجمع كل أطياف المجتمع ويتساوى الجميع أمام الإمام لسماع خطبة الجمعة، قدمت حوالي 190 درسا في مختلف المساجد منذ سنوات، واعتمدت في هذه الدروس على تسهيل أسلوب التواصل وبلغة بسيطة أحيانا تكون دارجة (عامية) حاولت الاعتماد على منهج تربوي للتوعية، وأحمد المولى الكريم أني كنت دائما ألقى التجاوب، وبالمناسبة ستعرف الأيام القادمة لقاء مع الأئمة حول الوقاية ومكافحة الآفات في المحيط الاجتماعي أين ستكون المنابر مكانا للتوعية والتحسيس بخطورة المخدرات .
في السنوات الأخيرة دخلت المخدرات المدارس ومست مختلف الشرائح ومست حتى الرياضيين كيف تفسرون هذا التصاعد النوعي الخطير؟
أظن أن الأسباب كثيرة لهذا التصاعد الغير مسبوق لعل أهمها الانقطاع مع النظام الاجتماعي وبالدرجة الأولى مع الأسرة، وهذه الخطوة الأولى نحو دخول هذا العالم، ثم ينتقل إلى مرحلة يبحث فيها الشاب عن أصدقاء ممن يشجعونه على الانحراف، خاصة أمام انعدام الرقابة الأسرية وغياب التوجيه والفراغ الذي يعانيه ممن غادروا مقاعد الدراسة، وهنا أؤكد أن التسرب المدرسي قد فاقم الظاهرة، وفي آخر مرحلة وهي مرحلة الانحراف، يصبح المدمن سارق في البداية في محيط أسرته ثم ينتقل للسرقة خارج بيته وهنا ينتقل من المخدرات إلى الإجرام، لأن الهروين مثلا يكلف مبلغ مليون سنتيم، وبالتالي فالإدمان في مرحلة لاحقة سيصبح مالا يجب الحصول عليه بشتى الطرق، كما أن هناك أسباب أخرى مثل البطالة والفراغ الذي يواجهه الشباب، وقلة الفضاءات الموجه للرياضة، إضافة إلى أهم العوامل التي أؤكد عليها دائما انعدام مراكز للعلاج من الإدمان .
“ما حدث من اعتداء بعض مناصري مولودية الجزائر على شركة سوناطراك خير دليل على تأثيرات المخدرات”
أقمتم مركز لمعالجة المدمنين ببوشاوي هل من توضيحات أكثر عن هذا المركز؟
قبل هذا المركز أنشأت منذ 15 سنة مركز في المحمدية لمعالجة المدمنين لكنه صغير ولا يتسع للكثير وصار الضغط عليه من جراء التزايد المستمر ممن يبحثون عن العلاج، ولهذا فكرت في إنشاء مركز أوسع في منطقة تتسم بالهدوء وتبعث على الراحة والطمأنينة وسط غابة بوشاوي عام 2019.
وقد ركزت فيه على ثلاثية العلاج الطبيعي والحوار والدين، فيما يخص العلاج الطبيعي فقد نعتمد فيه على مشروب مهدئ ومريح للأعصاب يشمل 13 نبتة طبيعية مدروسة بعناية من طرف مختصين، ويكون الحوار كمرافقة نفسية واجتماعية للمدمن يقوم عليها فريق من الأطباء النفسانيين والمختصين، أما عن الدين فيتم التركيز على الصلاة كخطوة مشجعة نحو العلاج كما يحتوي المركز على قاعات للرياضة لإعادة التأهيل الجسدي، وفي الوقت الحالي أفكر في خلق فريق رياضي من هؤلاء الشباب لاستعادة ثقتهم بنفسهم واكتشاف مواهبهم.
ويحصي اليوم المركز أكثر من 1660 مدمن يتعالج وهناك من تجاوز الإدمان واندمج في الحياة الاجتماعية والنتائج المحققة جد مشجعة، ومن هنا أناشد السلطات في مختلف الولايات لإنشاء مثل هذه المراكز لأن مركز بوشاوي يستقطب الشباب من مختلف الولايات وهذا ما يشكل عبئا على أسرهم.
تحدثنا عن المخدرات وأسبابها، من خلال تجاربكم ما هي الحلول التي تقترحونها لمكافحة الظاهرة وهل خلق هيئات كالمجلس الأعلى للشباب من شأنها معالجة مثل هذه الآفات؟
يجب وضع استراتجية شاملة تقوم على رعاية الشباب وعلى السلطات المحلية البحث عن احتواء البطالين، كما أن عليها الاهتمام بالمرافق الرياضية، لأن الرياضة تشغل وقت الشباب وتحارب الفراغ الذي يجعلهم يبحثون عن البدائل، أما عن المجلس الأعلى للشباب لا أرى فيه جديد، لأن الشباب لا يحتاجون لمجلس، فقد ناديت من قبل ولا أزال أقولها الشباب يحتاج لوزارة قائمة بذاتها، أقترح وزارة رعاية الشباب يكون لها برنامج وإطارات أما عن الرياضة فيجب فصلها عن الشباب.
ما يقارب 40 سنة كرستموها لخدمة الشباب ماذا تمثل لكم هذه التجربة وهذه المهمة النبيلة في حياتكم وماذا يمكن أن تنصحوا من يتصدر اليوم لهذه المهمة؟
فترة ليست بالسهلة كانت مرحلة مليئة بالتحديات والتضحيات ورسالتي للفاعلين في المجتمع المدني هي: “آن الأوان أن تلعب الجمعيات الدور المنوط بها وأن لا تنتظروا الدعم من الدولة، بل حاولوا إيجاد نشاطات مربحة، ولكن لا تنسوا مهمتكم الأساسية وهي مرافقة الشباب والتكاتف لإخراجه من مستنقع الآفات الاجتماعية”.
حاوره: زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال