إن مجازر 08 ماي 1945 من أكثر الأحداث دلالة في تاريخ الجزائر الحديث، ليس فقط بسبب حجم المأساة، بل لما كشفته من طبيعة النظام الاستعماري الفرنسي، ولما أحدثته من تحولات جذرية في وعي الجزائريين.
من وهم الإدماج إلى حتمية القطيعة وبناء الوعي التاريخي
وفي هذا الإطار، يقدّم الدكتور عبد القادر بوعقادة، أستاذ التاريخ بجامعة البليدة 2، قراءة تحليلية معمّقة لهذه الأحداث، مبرزًا أبعادها في سياق العلاقة مع الاستعمار الفرنسي، وانعكاساتها على مسار الحركة الوطنية، وصولًا إلى دلالاتها التربوية والرمزية في الحاضر.
ينطلق الدكتور بوعقادة من مقولة العلامة محمد البشير الإبراهيمي، التي اعتبر فيها أن مجازر 08 ماي قادرة على طمس كل ما قد يُكتب عن تاريخ فرنسا، ليؤكد أن هذه الأحداث كشفت بوضوح التناقض الصارخ بين الشعارات التي رفعتها فرنسا، مثل الحرية والعدل، وبين ممارساتها الاستعمارية القائمة على القمع والإقصاء. ويبرز أن نظرة الاستعمار الفرنسي للجزائريين كانت دونية، حيث اعتبرهم “جنسًا مغلوبًا” و”غير قابل للتحضر”، وهو ما يفسر حجم العنف الذي مورس ضدهم.
كما يستحضر شهادة المفكر الفرنسي جون بول سارتر، الذي وصف ما حدث بـ”عار فرنسا في الجزائر”، في دلالة على إدراك بعض النخب الفرنسية لحجم الجريمة المرتكبة.
ويؤكد المتحدث أن مجازر 08 ماي لم تكن حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لسلسلة طويلة من الجرائم الاستعمارية التي عرفتها الجزائر منذ بداية الاحتلال، حيث تعرّضت قرى ومداشر بكاملها للتدمير، وأُبيدت قبائل بأكملها، في إطار سياسة ممنهجة هدفت إلى تهجير السكان الأصليين ومصادرة أراضيهم.
وفي هذا السياق، يوضح أن فكرة الإدماج التي روّجت لها فرنسا لم تكن سوى واجهة سياسية موجهة لفئة محدودة، بغرض إقناع الرأي العام الدولي بوجود جزائريين مؤيدين لسياساتها.
أما على مستوى الحركة الوطنية، فيشير الدكتور بوعقادة إلى أن التيارات الاستقلالية والإصلاحية كانت في معظمها رافضة لفكرة الإدماج منذ البداية، غير أن المجازر شكّلت صدمة قوية لبعض النخب التي كانت لا تزال تراهن على هذا الخيار، مثل فرحات عباس، الذي انتقل من الإيمان بفكرة الاندماج إلى الدفاع عن الشخصية الوطنية الجزائرية، بعد أن أدرك زيف الوعود الاستعمارية.
وهنا برزت المجازر كعامل حاسم في تقريب مختلف التيارات الوطنية، ودفعها نحو تبني خيار الاستقلال.
ويضيف أن هذه الأحداث أسهمت في تعميق القطيعة مع الاستعمار، ليس فقط على المستوى الفكري، بل أيضًا على مستوى الممارسة، حيث برزت تحولات نوعية تمثلت في الانتقال من العمل السياسي إلى الإعداد للكفاح المسلح، من خلال تأسيس المنظمة الخاصة بقيادة مصالي الحاج.
ويؤكد أن هذه التحولات جاءت نتيجة مباشرة لانكشاف السياسة الفرنسية التي تراجعت عن وعودها، خاصة تلك التي قدمتها خلال الحرب العالمية الثانية، ما جعل فكرة الإدماج تفقد مصداقيتها بشكل نهائي.
وفيما يتعلق بتدريس هذه الأحداث في المناهج التعليمية، يرى الدكتور بوعقادة أن هناك جهودًا تُبذل، لكنها لا تزال غير كافية لتعكس حقيقة هذه المرحلة التاريخية. ويشير إلى أن تدريس التاريخ لا يجب أن يقتصر على الكتاب المدرسي، بل ينبغي دعمه بوسائل حديثة، مثل الأفلام الوثائقية والتكنولوجيا الرقمية، من أجل تقريب الصورة للمتعلمين، كما يلفت إلى أهمية دور الأستاذ، الذي يبقى العنصر الأساسي في نقل المعرفة، ما يستدعي تعزيز تكوينه بشكل مستمر.
ويطرح المتحدث إشكاليات متعددة تتعلق بتدريس مجازر 08 ماي، من بينها اختلاف المصطلحات المستخدمة لوصفها، والتباين في أعداد الضحايا بين الروايات المختلفة، إضافة إلى حصرها جغرافيًا في مناطق معينة، رغم أنها شملت مناطق واسعة من البلاد، ويرى أن تقديم هذه الأحداث بدقة وموضوعية، بعيدًا عن الاختزال، هو السبيل الأمثل لبناء وعي تاريخي سليم لدى الأجيال.
وفي قراءته للرسائل التي يمكن أن يستخلصها الشباب من إحياء هذه الذكرى، يؤكد الدكتور بوعقادة أن التاريخ سلاح ذو حدين، يمكن أن يكون أداة لبناء المجتمع إذا أُحسن توظيفه، أو وسيلة لهدمه إذا تم تهميشه أو تحريفه. ويشدد على ضرورة استحضار التاريخ كمرجع للعبر والتجارب، محذرًا من أن غياب الوعي التاريخي يفتح المجال أمام التلاعب بالذاكرة الجماعية.
كما يوجّه رسائل متعددة، أولها إلى الشباب، داعيًا إياهم إلى التمسك بتاريخهم واستلهام دروسه، وثانيها إلى القائمين على قطاع التعليم، مطالبًا إياهم بصون هذه الأمانة وتقديم التاريخ كعنصر بناء، وثالثها إلى كل من يحاول التشكيك في تاريخ الأمة، مؤكدًا أن الجزائر ستظل قادرة على إنجاب رجال يدافعون عن هويتها ووحدتها.
وفي الختام، يخلص الدكتور عبد القادر بوعقادة إلى أن مجازر 08 ماي 1945 ليست مجرد ذكرى أليمة، بل محطة تأسيسية في مسار بناء الوعي الوطني، ودعامة أساسية لصون الذاكرة الجماعية، مشددًا على أن التاريخ يجب أن يبقى دائمًا أداة للبناء، وجسرًا يربط الماضي بالحاضر، من أجل مستقبل أكثر وعيًا وثباتًا.
شهادة تاريخية على ميلاد الوعي الثوري في الجزائر
بدوره يقدّم الدكتور محمد دومير، الباحث في تاريخ الجزائر، قراءة توضيحية للمجازر، من خلال ربط سياقها التاريخي بتداعياتها على الوعي الوطني.
حيث يوضح الدكتور دومير بأن مجازر 08 ماي 1945 جاءت في سياق احتلال استيطاني فرنسي دام أكثر من قرن، منذ سنة 1830، قام على القمع، ونهب الأراضي، والتمييز العنصري، وحرمان الشعب الجزائري من أبسط حقوقه السياسية والإنسانية.
وأكد دومير أنه خلال الحرب العالمية الثانية، جُنّد آلاف الجزائريين في الجيش الفرنسي، وساهموا في تحرير فرنسا من النازية، على أمل أن تنال الجزائر حريتها وكرامتها بعد نهاية الحرب.
في تلك المرحلة تعزز الوعي الوطني الجزائري، خاصة بعد صدور بيان الشعب الجزائري سنة 1943 وتأسيس حركة أحباب البيان والحرية سنة 1944، حيث أصبحت مطالب الجزائريين واضحة: الاعتراف بالشخصية الوطنية الجزائرية وحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره. لذلك خرج الجزائريون يوم 08 ماي 1945، يوم احتفال العالم بالحرية والانتصار، ليطالبوا هم أيضًا بحقهم المشروع في الحرية والاستقلال.
ويشير إلى أن المظاهرات كانت في بدايتها سلمية ووطنية، رفع فيها الجزائريون شعارات الحرية والاستقلال ورفعوا العلم الجزائري، لكن الإدارة الاستعمارية الفرنسية اعتبرت ذلك تحديًا مباشرًا لوجودها الاستعماري. وفي سطيف، أدى إطلاق النار على المتظاهرين العزّل إلى انفجار الأوضاع.
غير أن الجريمة الكبرى كانت في الرد الاستعماري الفرنسي، الذي لم يكن مجرد تدخل أمني، بل عملية انتقام جماعي وحشي ضد الشعب الجزائري. فقد استُعمل الجيش والطيران والمدفعية والميليشيات الاستيطانية في قمع المدنيين، وتم تنفيذ حملات قتل وإعدامات واعتقالات واسعة في سطيف وقالمة وخراطة ومناطق عديدة من الشرق الجزائري.
حيث ارتكب الاستعمار الفرنسي مجازر مروعة راح ضحيتها 45 ألف شهيد جزائري، في واحدة من أبشع الجرائم الاستعمارية في القرن العشرين، فقط لأن الجزائريين طالبوا بحقهم الطبيعي في الحرية والكرامة.
ويؤكد الدكتور دومير ، بأن مجازر 08 ماي 1945 شكلت نقطة تحول حاسمة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية، فقد سقط نهائيًا وهم إمكانية إصلاح الاستعمار الفرنسي أو الحصول على الحقوق عبر الوعود السياسية.
حيث أدرك الجزائريون بعد هذه المجازر أن الاستعمار الفرنسي لا يفهم إلا لغة القوة، وأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالتضحية والنضال، ومن هنا بدأ التحول الحقيقي نحو فكرة الكفاح المسلح، الذي سيتجسد لاحقًا في اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954.
ولهذا تعتبر مجازر 08 ماي 1945 الجسر التاريخي الذي نقل الحركة الوطنية الجزائرية من مرحلة المطالبة السياسية إلى مرحلة الثورة التحريرية الشاملة.
كما يبرز أن مجازر 08 ماي 1945 تمثل في الذاكرة الوطنية الجزائرية رمزًا للتضحية والصمود وبداية الوعي الثوري الحقيقي. وهي ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل شاهد دائم على وحشية الاستعمار الفرنسي وعلى الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الجزائري من أجل الاستقلال.
جريمة دولة وصدمة وعي أعادت تشكيل المسار الوطني
من جهته، يرى الباحث رشيد ولد بوسيافة أن اختزال هذه المجازر في مجرد رد فعل ظرفي أو انفلات أمني هو طرح لا يصمد أمام الحقائق التاريخية، بل يندرج ضمن محاولات طمس الجريمة، ويؤكد أن ما حدث كان جريمة دولة مخططة بعناية، استندت إلى نية مسبقة للقمع، في ظل تصاعد نشاط الحركة الوطنية مطلع سنة 1945، ومطالبها الواضحة بتقرير المصير وإطلاق سراح الزعيم مصالي الحاج.
وقد شكّلت مظاهرات الأول من ماي، التي سبقت المجازر بأيام، مؤشراً واضحاً على هذا التوجه القمعي، بعدما قوبلت بالرصاص واعتُقل على إثرها عدد كبير من المناضلين، ما يدل على وجود قرار مسبق لإخماد أي تحرك وطني بالقوة.
ويبرز الأستاذ ولد بسياقة أن التحول الأهم الذي أفرزته هذه الأحداث كان على مستوى الوعي الجماعي للجزائريين، حيث سقطت نهائياً أوهام النضال السياسي السلمي كوسيلة لتحقيق الحقوق.
فقبل هذه المرحلة، كان جزء من الحركة الوطنية يراهن على العمل السياسي والإصلاحات، مستندًا إلى شعارات الحلفاء حول حق الشعوب في تقرير مصيرها.
غير أن الرد الاستعماري العنيف، الذي استهدف المدنيين دون تمييز، كشف حقيقة الاستعمار، ورسّخ قناعة مفادها أن فرنسا لا تفهم إلا لغة القوة.
ومن هنا، لم يعد خيار الكفاح المسلح مجرد احتمال، بل أصبح ضرورة حتمية فرضتها طبيعة الصراع.
وفيما يتعلق بموقف فرنسا، يفسّر الباحث صمتها الطويل وترددها في الاعتراف بهذه الجرائم بأنه جزء من استراتيجية أوسع لتفادي مواجهة ماضيها الاستعماري. فالدولة التي قدّمت نفسها كحاملة لقيم حقوق الإنسان تجد صعوبة في التوفيق بين هذه الصورة وبين سجلها في الجزائر، ويعكس هذا التردد حالة من الإنكار العميق، المرتبط بالخوف من التبعات الأخلاقية والقانونية والسياسية التي قد تترتب عن الاعتراف الكامل بهذه الجرائم.
أما بخصوص نقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، فيشير الأستاذ ولد بسياقة إلى وجود خلل واضح يتمثل في الفجوة بين الأساليب التقليدية المعتمدة في تدريس التاريخ، وبين طبيعة الجيل الرقمي الذي يعتمد على الوسائط السريعة والبصرية.
ويؤكد أن الاعتماد على النصوص الجامدة والروايات الكلاسيكية لم يعد كافياً، في ظل غياب استراتيجية رقمية شاملة لرقمنة الأرشيف التاريخي وتقديمه بأساليب تفاعلية وجذابة، ويرى أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية اليوم يمر حتمًا عبر توظيف التكنولوجيا الحديثة، بما يضمن وصول الرسالة التاريخية بشكل فعّال إلى الأجيال الصاعدة.
وفي الختام، يخلص الأستاذ ولد بسياقة رشيد إلى أن مجازر 08 ماي 1945 لم تكن فقط جريمة كبرى في حق الشعب الجزائري، بل كانت أيضًا لحظة كاشفة أعادت تشكيل الوعي الوطني، ورسّخت القطيعة مع الاستعمار، ومهّدت الطريق نحو الثورة، كما أنها تطرح اليوم تحديات جديدة تتعلق بكيفية حفظ الذاكرة ونقلها، بما يضمن بقاء التاريخ أداة للبناء وترسيخ الهوية الوطنية.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال