بعد مصادقة الغرفة السفلى للبرلمان على مشروع تعديل القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، دخل النص مرحلة جديدة من المسار التشريعي بإحالته إلى مجلس الأمة، حيث شرعت لجنة الشؤون القانونية والإدارية وحقوق الإنسان والتنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإقليمي في دراسته تمهيدًا لمناقشته والمصادقة عليه قبل صدوره النهائي.
ويأتي هذا المشروع في سياق الإصلاحات السياسية المنبثقة عن دستور 2020، والتي تهدف إلى تعزيز الممارسة الديمقراطية وتنظيم الحياة الحزبية بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف التشكيلات السياسية.
وفي هذا الإطار، عقدت اللجنة المختصة بمجلس الأمة، اليوم الأحد، جلسة استماع إلى وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان نجيبة جيلالي، حيث قدم الوزير عرضًا مفصلًا حول مضامين مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، مبرزًا خلفياته وأهدافه وأهم الأحكام الجديدة التي جاء بها.
وأوضح الوزير في كلمته أن إعداد هذا النص جاء ثمرة مسار تشاوري موسع ونقاشات معمقة شهدها المجلس الشعبي الوطني قبل المصادقة عليه، حيث خضع المشروع لدراسة مستفيضة من قبل لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات وحقوق الإنسان، التي حرصت على توسيع دائرة الاستشارة لتشمل الأحزاب السياسية والخبراء والمختصين في المجال.
وقد استمعت اللجنة، على مدار ثلاثة أسابيع متواصلة، إلى ممثلي ثلاثة وعشرين حزبًا سياسيًا، ما أتاح إثراء النص بملاحظات واقتراحات وصفها الوزير بالجدية والبناءة.
وأضاف سعيود أن هذه النقاشات تميزت بتعدد الآراء وتنوع المقاربات، الأمر الذي أسهم في تحسين مضمون المشروع وتعزيز توافقه مع متطلبات المرحلة السياسية الراهنة، مشيرًا إلى أن النص حظي في نهاية المطاف بتصويت إجماعي من قبل أعضاء المجلس الشعبي الوطني، بعد مناقشة معمقة اتسمت بروح المسؤولية والحرص على خدمة المصلحة الوطنية.
وأكد الوزير أن مشروع القانون العضوي الجديد يستمد مرجعيته أساسًا من دستور 2020، الذي شكل محطة مفصلية في مسار الإصلاحات السياسية بالجزائر، إذ أعاد ضبط منظومة الحقوق والحريات ووسع من الضمانات الدستورية الممنوحة للممارسة السياسية، كما أرسى قواعد أكثر وضوحًا لتنظيم التعددية الحزبية في إطار احترام الثوابت الوطنية ووحدة الدولة والمبادئ التي تحكم المجتمع الجزائري.
وفي هذا السياق، أشار سعيود إلى أن التعديلات المقترحة تهدف إلى تكييف القانون العضوي الساري المفعول المتعلق بالأحزاب السياسية مع المستجدات الدستورية، لاسيما أحكام المادتين 57 و58 من الدستور، فضلاً عن معالجة بعض النقائص التي أظهرتها التجربة الميدانية خلال تطبيق القانون الحالي.
أحكام جديدة لتنظيم الحياة الحزبية
وتضمن مشروع القانون العضوي، الذي يضم 97 مادة موزعة على سبعة أبواب، جملة من الأحكام الجديدة والمراجعات التي تمس مختلف جوانب العمل الحزبي، ومن أبرز هذه الأحكام تكريس التوازن بين حقوق الأحزاب السياسية والالتزامات المفروضة عليها، حيث أكد النص حرية الأحزاب في ممارسة نشاطها السياسي ميدانيًا وإعلاميًا بما يكفل مشاركتها الفعلية في الحياة السياسية.
كما نص المشروع على ضمان حق الأحزاب في الطعن في القرارات الإدارية أمام الجهات القضائية، منذ مرحلة التأسيس إلى غاية ممارسة نشاطها، بما يعزز الضمانات القانونية للعمل الحزبي ويحميه من أي تعسف إداري محتمل.
ومن بين المستجدات التي جاء بها المشروع كذلك، العمل على الارتقاء بدور الحزب السياسي داخل المنظومة الديمقراطية، من خلال توسيع مجالات مساهمته في الشأن العام، سواء عبر تقديم المقترحات والآراء للحكومة أو من خلال مشاركة ممثليه المنتخبين في تنفيذ السياسات العمومية.
وفي سياق تعزيز شفافية العلاقة بين الأحزاب السياسية والإدارة، أشار الوزير إلى أن النص يقترح إنشاء منصة رقمية رسمية على مستوى وزارة الداخلية مخصصة لمعالجة ملفات تأسيس الأحزاب السياسية ومتابعة مختلف التغييرات التنظيمية، بما يسمح بتبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص آجال دراسة الملفات، إضافة إلى ضمان الشفافية في معالجة الطلبات.
كما تطرق المشروع إلى ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي لدى المنتخبين، المعروفة بالتجوال السياسي، والتي اعتبرها الوزير من الظواهر التي تمس بمصداقية العمل السياسي وتخل بمبدأ تمثيل الإرادة الشعبية، ولهذا الغرض، يتضمن النص أحكامًا جديدة تمنع المنتخبين في المجالس المنتخبة، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، من تغيير الانتماء الحزبي الذي انتخبوا على أساسه خلال العهدة الانتخابية، مع النص على فقدان العضوية في حال مخالفة هذا المبدأ.
وفي جانب آخر، أولى مشروع القانون أهمية خاصة لتوسيع مشاركة الشباب والمرأة داخل الأحزاب السياسية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لضمان تجديد النخب السياسية واستمرارية الممارسة الديمقراطية، وينص المشروع على إلزام الأحزاب بتخصيص نسبة لا تقل عن 10 بالمائة لكل من فئتي الشباب والنساء ضمن هيئاتها القيادية وهياكلها التنظيمية.
كما يكرس النص مبادئ الديمقراطية الداخلية في تسيير الأحزاب، حيث يلزمها باعتماد أسلوب الانتخاب في تولي المسؤوليات داخل هياكلها، مع تحديد عهدة قيادة الحزب بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، بما يعزز التداول الديمقراطي على المسؤوليات.
وفي مجال الشفافية المالية، يتضمن المشروع أحكامًا صارمة لضبط مصادر تمويل الأحزاب السياسية، مع منع التمويل غير المشروع وإلزام الأحزاب بإيداع تقاريرها المالية السنوية لدى الجهات المختصة، إلى جانب إخضاع حساباتها لآليات الرقابة.
كما تطرق النص إلى تنظيم التحالفات السياسية والاندماجات بين الأحزاب، من خلال وضع إطار قانوني واضح يسمح للأحزاب بتشكيل تحالفات انتخابية أو الاندماج فيما بينها بهدف تعزيز حضورها السياسي وتوسيع قاعدة تمثيلها.
وشدد وزير الداخلية أن مشروع القانون العضوي يهدف إلى إرساء أسس قانونية وتنظيمية متينة لحياة حزبية متجددة قائمة على الاحترافية والالتزام، بما يعزز الثقة في المؤسسات الديمقراطية ويكرس مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، معربًا عن أمله في أن يحظى النص بدعم ومرافقة أعضاء مجلس الأمة لاستكمال مساره التشريعي.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال