لم تعد مواجهة حرائق الغابات تقتصر على التدخل بعد اندلاع النيران، إذ أثبتت التجارب الدولية أن الوقاية المسبقة وإدارة الغطاء النباتي والنظم البيئية يمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تقليل احتمالات اندلاع الحرائق والحد من سرعة انتشارها وشدتها.
وتقوم الاستراتيجيات البيئية الحديثة على مبدأ أساسي يتمثل في التعامل مع الغابة باعتبارها نظاماً بيئياً متكاملاً، وليس مجرد مساحة من الأشجار، وذلك من خلال إدارة الوقود النباتي، والحفاظ على رطوبة التربة، واستعادة المناطق الرطبة، واستخدام الرعي الموجه والحرق المحكوم في ظروف مدروسة، إلى جانب الاستفادة من المعارف التقليدية والتكنولوجيا الحديثة.
الحرق المحكوم.. مكافحة النار بالنار
تُعد استراتيجية الحرق المحكوم أو المخطط له من بين الوسائل التي تعتمدها دول مثل أستراليا والولايات المتحدة للحد من مخاطر حرائق الغابات.
وتقوم الفكرة على تنفيذ حرائق منخفضة الكثافة في مساحات محددة وخلال فترات باردة ورطبة نسبياً، بهدف التخلص بشكل تدريجي من الأعشاب الجافة والأوراق المتراكمة والأغصان الميتة وغيرها من المواد التي تشكل وقوداً طبيعياً للحرائق خلال فصل الصيف.
ولا يعني هذا الأسلوب ترك النيران تنتشر بشكل عشوائي، وإنما يتم تنفيذه وفق خطط علمية دقيقة، وبمراقبة الظروف الجوية واتجاه الرياح وطبيعة التضاريس، مع توفير وسائل السيطرة والتدخل.
وتكمن أهمية هذه الاستراتيجية في تقليل كمية الوقود المتراكم داخل الغابة، وبالتالي الحد من قدرة الحريق، في حال اندلاعه، على الانتشار بسرعة وبشدة كبيرة.
كما تقدم التجارب الأسترالية والأمريكية مثالاً آخر على أهمية دمج المعرفة التقليدية في الإدارة الحديثة للغابات.
فقد استخدم السكان الأصليون في مناطق من الولايات المتحدة وأستراليا، لآلاف السنين، أشكالاً من الحرق منخفض الكثافة والمتكرر خلال الفترات الباردة، بهدف إدارة الغطاء النباتي وتقليل تراكم المواد القابلة للاشتعال.
ولم تكن هذه الممارسات تهدف فقط إلى مكافحة الحرائق، وإنما ساهمت في تشكيل بيئات أكثر تنوعاً، والحفاظ على بعض النظم البيئية والتنوع البيولوجي، وهي استراتيجية بيئية تعتمد عليها استراليا الان.
وتشير هذه التجارب إلى أن الوقاية من الحرائق يمكن أن تستفيد من الجمع بين المعرفة البيئية التقليدية والعلوم الحديثة، بما يتناسب مع خصوصية كل منطقة.
الرعي الموجه.. خطوط دفاع حيوية
يمكن للرعي الموجه أن يكون أحد الأدوات البيئية المستخدمة في تقليل الوقود النباتي، خصوصاً في المناطق المحيطة بالغابات والمناطق السكنية.
فمن خلال تنظيم حركة قطعان الأغنام والماعز وفق خطط مدروسة، يمكن التحكم في نمو الأعشاب والنباتات الكثيفة التي قد تتحول خلال فترات الجفاف إلى مواد شديدة القابلية للاشتعال.
لكن نجاح هذه الطريقة يتطلب إدارة علمية للرعي، لأن الرعي المفرط قد يؤدي إلى تدهور التربة وفقدان الغطاء النباتي وزيادة مخاطر الانجراف والتصحر.
لذلك، لا يتعلق الأمر بإطلاق الحيوانات داخل الغابة بشكل عشوائي، وإنما بتحديد المناطق المناسبة وكثافة الرعي وفتراته، بحيث يتحقق الهدف الوقائي دون الإضرار بالنظام البيئي، وهي تقنية استخدمتها اسبانيا و البرتغال.
الحواجز الخضراء.. تصميم الغابة لمقاومة النيران
يمكن أيضاً الاستفادة من مفهوم الحواجز النباتية من خلال اختيار أنواع محلية مناسبة وأقل قابلية للاشتعال، وزراعتها في مواقع استراتيجية وفق دراسات بيئية.
ولا ينبغي النظر إلى زراعة نوع نباتي واحد باعتباره حلاً عاماً، فاختيار الأنواع يجب أن يعتمد على المناخ المحلي وطبيعة التربة واحتياجات المياه وقابلية النبات للاشتعال.
كما يمكن إنشاء مناطق فاصلة حول الغابات والمناطق السكنية، مع إدارة الغطاء النباتي فيها بصورة تقلل من استمرارية الوقود، بحيث لا يجد الحريق مساراً نباتياً متواصلاً يسمح له بالانتقال بسرعة.
استعادة الأراضي الرطبة ومجاري المياه
من الاستراتيجيات التي يمكن أن تساهم في الوقاية البيئية الحفاظ على الأراضي الرطبة واستعادة المناطق التي تعرضت للجفاف أو التدهور.
فالمناطق الرطبة ومجاري المياه يمكن أن تؤدي وظيفة مهمة باعتبارها مناطق أكثر رطوبة وأقل قابلية للاشتعال، ويمكن أن تشكل فواصل طبيعية تحد من انتقال النيران بين أجزاء الغابة.
ولهذا فإن حماية الينابيع ومجاري المياه وإعادة تأهيل المناطق الرطبة ليست قضية مرتبطة بالمياه فقط، وإنما يمكن أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع للوقاية من حرائق الغابات.
إدارة الوقود النباتي قبل موسم الحرائق
من أهم الإجراءات الوقائية إجراء عمليات دورية لإزالة أو تقليل تراكم المواد النباتية الجافة في المناطق ذات الخطورة العالية.
ويمكن أن تشمل هذه العمليات إزالة الأغصان الميتة والنباتات الجافة والمواد المتراكمة على أرضية الغابة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العناصر الضرورية للتوازن البيئي.
حيث تستخدم جنوب افريقيا هذه التقنية ليس بهدف تنظيف الغابة بشكل كامل، وإنما الوصول إلى مستوى من إدارة الوقود النباتي يقلل من احتمالية تحول حريق صغير إلى حريق واسع وشديد.
إنشاء مناطق عازلة حول التجمعات السكانية
يكتسب إنشاء مناطق عازلة بين الغابات والمناطق السكنية أهمية متزايدة، خصوصاً مع توسع العمران باتجاه المناطق الغابية.
وتقوم الفكرة على إدارة الغطاء النباتي في نطاقات محددة حول القرى والمدن والمنشآت الحيوية، مع تقليل المواد القابلة للاشتعال والحفاظ على مساحات تسمح للفرق بالتدخل بشكل أسرع.
وهذه المناطق لا تحمي الغابة فقط، بل تقلل أيضاً من احتمال انتقال النيران من الغابة إلى المناطق السكنية.
الوقاية تبدأ أيضاً من طريقة التخطيط للغابة نفسها. فالغابات التي تحتوي على غطاء نباتي متصل وكثيف جداً قد تسمح للنيران بالانتقال بسرعة أكبر.
لذلك يمكن اعتماد تخطيط يراعي إنشاء ممرات ومساحات فاصلة مدروسة، مع الحفاظ على التنوع البيولوجي وعدم تحويل الغابة إلى مساحات مجزأة بشكل يضر بالنظام البيئي.
كما ينبغي أن تراعي عمليات التشجير الجديدة قابلية الأنواع للحرائق واحتياجاتها المائية، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات في عدد من المناطق.
كما أنه لا يمكن للوقاية البيئية أن تنجح دون مراقبة مستمرة للمناطق ذات الخطورة العالية.
وهنا يمكن الجمع بين الأساليب البيئية والتكنولوجيا الحديثة، من خلال الاستعانة بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار لمراقبة تغيرات الغطاء النباتي ومستويات الجفاف ودرجات الحرارة.
ويمكن تحليل هذه البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد خرائط يومية لمستوى خطر الحرائق، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل وقائي قبل بداية موسم الحرائق.
رصد الجفاف والتغيرات المناخية
هذا و أصبحت الظروف المناخية عاملاً أساسياً في تحديد مستوى خطر حرائق الغابات، فارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الرطوبة وتراجع الأمطار والرياح القوية يمكن أن تحول الغطاء النباتي إلى وقود شديد القابلية للاشتعال.
ولهذا، فإن بناء نظام إنذار مبكر لا ينبغي أن يعتمد فقط على اكتشاف الدخان بعد اندلاع الحريق، بل يجب أن يبدأ قبل ذلك من خلال مراقبة المؤشرات المناخية والبيئية التي ترفع احتمال نشوب الحرائق.
ويمكن بناء نماذج محلية تعتمد على بيانات الطقس والتضاريس ونوع الغطاء النباتي وتاريخ الحرائق، لتحديد المناطق التي تحتاج إلى تعزيز إجراءات الوقاية.
وبالنسبة إلى الجزائر، يمكن أن تشكل هذه الاستراتيجيات جزءاً من مقاربة وطنية جديدة للتعامل مع حرائق الغابات، تقوم على الانتقال من منطق التدخل بعد اندلاع النيران إلى منطق الوقاية وتقليل المخاطر قبل وقوعها.
فالجزائر تمتلك مساحات غابية متنوعة، تشمل مناطق جبلية ومناطق ذات كثافة نباتية مختلفة، وهو ما يستدعي اعتماد حلول تتناسب مع خصوصية كل منطقة بدلاً من تطبيق استراتيجية موحدة على جميع الغابات.
ويمكن البدء بتحديد المناطق الأكثر عرضة للحرائق، ثم وضع خطط لإدارة الوقود النباتي فيها، وتنظيم الرعي، وحماية مصادر المياه، وإنشاء مناطق عازلة حول التجمعات السكانية، مع دراسة إمكانية اعتماد الحرق المحكوم في المناطق التي تسمح ظروفها البيئية بذلك وتحت إشراف متخصصين.
كما يمكن استغلال الخبرات الجزائرية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بعد والأنظمة الجغرافية لإنشاء خرائط ديناميكية لخطر الحرائق، تتحدث بشكل مستمر وفق تغيرات الطقس والجفاف والغطاء النباتي.
والأهم أن الوقاية لا ينبغي أن تكون مسؤولية قطاع واحد، بل أن تقوم على تنسيق بين مصالح الغابات والحماية المدنية والسلطات المحلية والباحثين والجامعات والمجتمع المدني والسكان المحليين.
إن الهدف من الاستراتيجيات البيئية ليس الادعاء بإمكانية منع جميع الحرائق، فهذا أمر غير واقعي، وإنما تقليل احتمالية اندلاعها، وخفض كمية الوقود المتاح لها، والحد من سرعتها وشدتها عندما تندلع، ومنح فرق التدخل وقتاً أكبر للسيطرة عليها.
وبذلك تصبح إدارة الغابات قبل موسم الحرائق جزءاً من عملية مكافحة الحريق نفسها، فالحرق المحكوم، والرعي الموجه، وإدارة الغطاء النباتي، وحماية الأراضي الرطبة، وإنشاء المناطق العازلة، ومراقبة الجفاف، والاستعانة بالأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، كلها أدوات يمكن أن تعمل ضمن منظومة واحدة.
وفي الجزائر، قد يكون الاستثمار في هذه الإجراءات الوقائية أكثر أهمية من انتظار اندلاع الحريق ثم التعامل مع نتائجه. فالغابة التي تتم إدارتها بيئياً قبل موسم الحرائق تكون أكثر قدرة على مقاومة النيران والتعافي منها، بينما تتيح التكنولوجيا الحديثة الانتقال من مراقبة الكارثة إلى توقع الخطر والاستعداد له مسبقاً.
“فالاستراتيجية الأكثر فاعلية لمواجهة حرائق الغابات لا تبدأ عندما تشتعل النار، بل قبل ذلك بوقت طويل، داخل الغابة نفسها “.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال