في عصر أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، لم يعد تأثيرها مقتصرًا على تبادل الأخبار والصور، بل امتد ليطال الجوانب النفسية والعاطفية، خاصة لدى فئة الشباب. وبين تدفق المحتوى السريع وصور النجاح والحياة “المثالية”، يجد كثيرون أنفسهم في دوامة مقارنة صامتة وضغط نفسي متزايد.
هذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول العلاقة بين الاستخدام المكثف لهذه المنصات والصحة النفسية، وحول ما إذا كانت تسهم في تفاقم مشاعر القلق والإحباط.
في هذا الإطار، تفتح الأخصائية النفسية نوال مكيد نافذة تحليلية لجريدة عالم الأهداف لفهم هذا التأثير، وتسلط الضوء على المخاطر الخفية للاستخدام غير الواعي لمواقع التواصل الاجتماعي، مع التأكيد على أهمية التوازن والوعي النفسي في الفضاء الرقمي.

الأخصائية النفسية نوال مكيد
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن الصحة النفسية أكثر حضورًا، بالتوازي مع الاستخدام المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي، خاصة لدى فئة الشباب.
هذا التزامن دفع مختصين وباحثين إلى طرح تساؤلات جدية حول العلاقة بين العالم الرقمي وارتفاع مشاعر القلق والإحباط، بل وحتى الاكتئاب في بعض الحالات.
وفي هذا السياق، توضح الأخصائية النفسية نوال مكيد أن مواقع التواصل الاجتماعي ليست في حد ذاتها سببًا مباشرًا للاكتئاب، لكنها قد تشكل عاملًا مضاعفًا للضغط النفسي عند سوء الاستخدام أو غياب الوعي.
وترى الأخصائية أن الحضور اليومي والمكثف لهذه المنصات جعلها جزءًا من الحياة النفسية للأفراد، حيث لم تعد مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل، بل أصبحت تؤثر في المزاج العام، وفي طريقة تقييم الشخص لذاته ولمسار حياته. فالشباب، وهم في مرحلة بناء الهوية، يكونون أكثر عرضة للتأثر بما يرونه من صور وقصص ونجاحات معروضة بشكل مكثف.
وتؤكد نوال مكيد أن المقارنة المستمرة مع الآخرين تعد من أبرز الآليات النفسية التي تساهم في تراجع الصحة النفسية. فالكثير من الشباب لا يصرحون بشكل مباشر بتأثرهم، لكن ذلك يظهر في عبارات متكررة مثل أشعر أني أقل أو حياتي عادية جدًا أو الآخرون سبقوني. هذه المقارنات غالبًا ما تكون غير واعية، وتعتمد على محتوى لا يعكس الواقع الكامل، بل لحظات منتقاة بعناية.
أما المحتوى المثالي أو المزيّف، فتشير الأخصائية إلى أنه يشكل ضغطًا صامتًا على تقدير الذات. المشكلة لا تكمن في عرض الجمال أو النجاح في حد ذاتهما، بل في تكرار تقديمهما كأنهما القاعدة العامة. ومع التعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى، يبدأ الشاب في محاسبة نفسه بقسوة، ويتساءل عن سبب اختلاف حياته أو مظهره أو ظروفه، ما يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الثقة بالنفس دون وعي مباشر.
وتضيف نوال مكيد أن هناك علامات نفسية وسلوكية قد تشير إلى تأثر سلبي بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينها تقلب المزاج بعد استخدام الهاتف، فقدان المتعة في أنشطة كانت محببة، الانسحاب من المحيط العائلي والاجتماعي، الحساسية المفرطة تجاه آراء الآخرين، أو ربط القيمة الذاتية بعدد الإعجابات والتفاعلات. هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنها إشارات إنذار مبكرة تستوجب الانتباه.
وبخصوص توقيت طلب المساعدة النفسية، توضح الأخصائية أن دق ناقوس الخطر يصبح ضروريًا عندما تستمر المشاعر السلبية لفترة طويلة، أو تبدأ بالتأثير على النوم أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، أو عندما يشعر الشخص أن قيمته الذاتية باتت مرهونة بما يراه أو يُقيَّم به على المنصات الرقمية. وتؤكد أن طلب الدعم النفسي في هذه المرحلة ليس دليل ضعف، بل تعبير عن وعي ومسؤولية تجاه النفس.
وتوجه نوال مكيد رسالة مباشرة إلى الشباب، مفادها أن ما يُعرض على الشاشات لا يمثل الحقيقة الكاملة، بل جزءًا مصقولًا من الواقع. فالحياة الحقيقية، بما تحمله من تعب وبساطة ومحاولات متكررة، لا تقل قيمة عن أي صورة لامعة. وتدعو إلى عدم السماح للمقارنة بأن تسلب الإنسان إحساسه بذاته أو تقلل من إنجازاته الخاصة.
أما عن تعزيز الوعي بالصحة النفسية في الفضاء الرقمي، فتؤكد الأخصائية أن البداية تكون من الحديث الصادق والمسؤول عن هذه القضايا، وتعليم الشباب كيفية التمييز بين الواقع والمحتوى المصنوع، إلى جانب تشجيع فترات من التوازن والابتعاد الواعي عن الشاشات. فحين يعود الإنسان إلى ذاته وإلى علاقاته الواقعية، يصبح أكثر قدرة على حماية صحته النفسية وبناء علاقة صحية مع العالم الرقمي.
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، يبقى التحدي الحقيقي ليس في وجود مواقع التواصل الاجتماعي، بل في كيفية التعامل معها بوعي ومسؤولية. فهذه المنصات، رغم إيجابياتها، قد تتحول إلى عبء نفسي حين تغيب الحدود ويطغى منطق المقارنة والتقييم الخارجي. ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز الثقافة النفسية الرقمية، وتشجيع الحوار المفتوح حول المشاعر والضغوط النفسية، خاصة لدى الشباب. فالصحة النفسية ليست ترفًا، بل أساس التوازن والاستقرار. والعودة إلى الذات، وإدراك أن لكل إنسان مساره وظروفه الخاصة، تشكل خطوة أساسية نحو بناء علاقة صحية مع العالم الرقمي، علاقة تحمي النفس بدل أن تستنزفها.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال