في عالم يتغير بوتيرة متسارعة بفعل الثورة الرقمية أصبحت الرقمنة وتكنولوجيات المعرفة من أهم ركائز التطور في مختلف القطاعات، ولتسليط الضوء على هذا الموضوع، أجرينا هذا الحوار مع الدكتور يونس قرار الخبير في مجال الرقمنة والتحول الرقمي.
تتمتعون بخبرة أكاديمية و مهنية في مجال تكنولوجيا الاعلام والاتصال و التحول الرقمي بالجزائر، لمحة وجيزة عن مساركم المهني ؟
درست في ولاية بومرداس التابع لجامعة أمريكية و متحصل على شهادة مهندس كهرباء تخصص علوم الحاسوب و الهندسة الكهربائية، بعدها انتقلت إلى المركز الوطني لتنمية التكنولوجيات المتقدمة التابع لووزارة التعليم العالي و البحث العلمي الذي يتواجد بالعاصمة.
حضرت الماجستير في جامعة ببلجيكا ثم عدت للمركز، سنة 1990 أصبحت مسؤول مخبر هيكلة الأنظمة الذي له فرق بحث وعمل في مجالات مختلفة مثل تحليل الصور و الصوت و مشاريع الطب و غيرها من مشاريع البحث.
بالمركز أطلقت مشاريع بحث لها علاقة بالواقع من بين الانجازات هو système d’affichage الموجود بمحطة الخروبة، لاسيما جهاز آخر للتلفزيون الجزائري الذي يظهر اللوقو و الساعة و الكتابة بعدما كان يحتاج لصيانة قمنا بإنجاز جهاز يقوم بهذا العمل.
سنة 1997 انطلقت في تأسيس مؤسسة صغيرة نشاطها يكمن في خدمات الأنترنت، من بين الأعمال الأولى لها إنشاء أول مقهى الألعاب الإلكترونية و كذا تطوير مواقع انترنت لبعض المؤسسات، أول مؤسسة استجابة لعرضنا في نوفمبر 1997 هي جريدة الوطن ثم تداولت جريدة المجاهد و المساء و الشعب و غيرها لتكوين الصحفيين لينقلوا محتوى الجريدة الورقية إلى الموقع الالكتروني و كانت تجربة ناجحة بالنظر إلى الوضعية الصعبة التي كانت تعيشها الجزائر في ذلك الوقت، لقد كان أمراً تحمي لأننا استطعنا توصيل الرسالة حول واقع هذا الوضع من الجزائر إلى الخارج.
أخذنا رخصة لمنح خدمات الربط بشبكة الأنترنت و أصبحنا أول موزعين للشبكة الخاصة ثم فتحت مؤسسات أخرى هذا الدعم، أسسنا أيضاً جمعية علمية لتوزيع شبكة الإنترنت للناشطين في مجال تكنولوجيات الإعلام و الاتصال، سنة 2008 التحقت بوزارة البريد و تكنولوجيات الإعلام و الاتصال كمستشار مكلف بتطوير الاستراتيجية الجزائرية للرقمنة تحت تسمية “الجزائر الإلكترونية 2018”.
عملت كمستشار في بعض المؤسسات و مكاتب الدراسات في مجال التكنولوجيات و الرقمنة، أما سنة 2015 التحقت بالوزارة كرئيس ديوان بالوزارة، بعدها رجعت لعملي كخبير و مستشار في بعض مكاتب الدراسات الجزائرية و الدولية كما كنت أشارك في المجال الإعلامي منذ التسعينات للدفاع عن برامج البحث العلمي، و أيضاً تقلدت منصب رئيس جمعية موزعي الخدمات بشركة “جيكوس” و دافعت أيضا على القطاع و على أهمية الاهتمام بالتكنوجيات عبر العديد من الجرائد و القنوات، و عملت كرئيس المجلس العلمي و التقني لمسرعة الأعمال ” algeria venture” التي أسستها وزارة الشركات الناشئة و اقتصاد المعرفة مدة 3 سنوات بعدها غادرت المجلس.
مؤخرا تم تعييني كعضو في المجلس الوطني الاجتماعي والاقتصادي و البيئي و منذ شهرين تم تعييني كعضو بمجلس إدارة بريد الجزائر.
بالنظر إلى واقع الرقمنة في الجزائر، ما هي أهم التحديات التي تواجهها اليوم، و هل يحتاج الأمر إلى استراتيجية وطنية متكاملة لتجاوز هذه العقبات -كتلك التي أطلقتها المحافظة السامية للرقمنة مؤخرا- ؟
الرقمنة انطلقت بالجزائر منذ سنوات انطلاقاً من التسجيل في امتحانات شهادة البكالوريا، وكذا التسجيل في الجامعات ورقمنة بعض الخدمات المتفاوتة بين كل القطاعات فكانت الأمور لا تمشي بإرادة واحدة وبنفس الجدية.
من بين الأمور التي أعاقت الرقمنة هو نقص النظرة الواحدة حول كيفية إنجاز هذه الرقمنة رغم أن في الكثير من الخدمات تشابك ما بين القطاعات، فإذا كان هذا الملف جزء منه ورقي أكيد سيعيق هذه الخدمة، لهذا تم استحداث المحافظة السامية للرقمنة للتنسيق بين جميع القطاعات، لتكون الرقمنة بنفس الوتيرة و الجدية وأنشأت الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي كخطوة جيدة و لكن ينبغي أن تصبح متابعة و ليست استراتيجية فقط عن طريق خطة واحدة و بخطوط واضحة للتنسيق بين كل الوزارات.
من جانب آخر شهد التسجيل في الجامعات إلكترونيا لأن كل معلومات الطالب تأتي مباشرة من قاعدة البيانات الإلكترونية لوزارة الداخلية، نفس الأمر مع بطاقة المقاول الذاتي الذي يسمح للشباب القيام بأعمال حرة في إطارها القانوني، و يتم تسجيل هؤلاء الشباب في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلكترونيا و التحصيل على رقمه الضريبي و يتحصل على بطاقة مقاول ذاتي خلال 24 ساعة ليستلمها من الوزارة المعنية أو ترسل عن طريق البريد السريع إلى منزله و يدفع مقابل ذلك.
بالموازاة مع ذلك نشهد أن قطاعات أخرى لازالت تسعى لم تغير ذهنية التعامل مع المواطن الذي يضيع وقته من مصلحة إلى أخرى، لهذا، التحدي الأول يكمن في كيف يمكن نقل تجربة المقاول الذاتي لكل القطاعات لتتم كل الخدمات الإدارية إلكترونيا بدون أن يتحرك المواطن من مكانه.
التحدي الثاني هو البنية التحتية رغم أن اتصالات الجزائر قامت بمجهودات كبيرة في هذا الإطار لتحسين التدفق الذي وصل حالياً إلى 1200 ميغابايت في الثانية و بأسعار مقبولة بالنسبة للمواطن، بالإضافة إلى ذلك لابد من توفير مراكز البيانات و المعطيات لإيواء منصات إلكترونية لتصل المعلومات هنا في الجزائر حيث تم الانطلاق في الخطوة الأولى التي قامت بها الحكومة مع شركة “هواوي” و مركز معطيات العاصمة و البلدية، لكن رغم ذلك يجب توفير مراكز وطنية أخرى لتفادي أي مشكل في الانقطاع بسبب الصيانة أو انقطاع الشبكات خلال الكوارث الطبيعية كالزلازل.
أمر آخر وهو مناطق الألياف البصرية التي لا تصل، هنا يجب الاعتماد على الشبكات اللاسلكية و لو أن الجزائر متأخرة في الجيل الثالث و الرابع و الآن انتقلت إلى الجيل الخامس لتوفير خدمة الانترنت في كل المناطق حتى المعزولة.
يبقى تحدي آخر في التكوين البشري، يجب أن تكون كفاءات تسهر على تطوير الحلول وصيانة هذه الأجهزة و الأنظمة، و الجامعات تكون هذه الكفاءات و لكن للأسف تضطر إلى الذهاب إلى القطاع الخاص او للخارج، فلابد من إيجاد حل لاستقرار هذه الكفاءات لنجاح أي استراتيجية للتحول الرقمي، لاسيما التكوين المرافقة للموظفين و المواطنين ليتم استعمال هذه المنصات الإلكترونية.
اليوم في ظل التطورات العالمية في مجال الرقمنة و التكنولوجيا، كيف يمكن ضمان حماية بيانات المؤسسات باختلاف مجالاتها في إطار ما يسمى بـ”الأمن المعلوماتي” ؟
الأمن السيبراني شرط أساسي لنجاح الاستراتيجية الرقمية، ولهذا لابد من التفكير فيه لتأمين الأجهزة والشبكات و المعطيات التي يستعملها المواطن و الموظف من الهجمات الإلكترونية و الفيروسات، نلجأ إلى استعمال حلول أجنبية تؤمن الشبكات و الأجهزة و المعطيات و لتنويع المصادر لدعم ربط مستقبلنا الرقمي بمؤسسة أو ببلد واحد يمكن التفاوض مع هذه المؤسسات لنقل المعرفة و الاحتكاك بالمؤسسات لأهم هذه التكنولوجيات.
هذه الكفاءات من مؤسسات و جامعات جزائرية يمكنها أن تحتك مع مؤسسات عالمية لفهم أسرار هذه الحلول، كما يمكن الوصول إلى مرتبة أن فهم هذه المؤسسات في إطار هذه الشراكة، كما يمكن لهاته الكفاءات المساهمة في بعض جزئيات تطوير هذه الحلول لفهم هذا الأمر و الانتقال إلى مرحلة أخرى لتوفير حلول مضمونة و عدم البقاء في خوف أن البلد المتعاون يمكن أن يصبح عدو يوماً ما، ففي إطار هذه الاستراتيجية و لضمان سياستنا الرقمية و استقلاليتها التكنولوجية ينبغي المضي في هذه المراحل الثلاث.
في تصريحات سابقة، قلتم أن الاعتماد على الجيل الخامس كعنصر أساسي للتطوير أضحى ضرورة لتعزيز التنافسية و تحقيق نقلة نوعية في الخدمات، تفاصيل أخرى حول ذلك؟
التحول طبيعي جدا في هذه التكنولوجيات، يجب أن نكون في الموعد و نساير هذه التطورات لأنها تساير حاجيات المستهلكين في كل العالم و الجزائر ليست بحالة خاصة، الجيل الخامس سيعطي إضافة أسرع و نحن نعلم أن هناك تطبيقات تحتاج تدفق سريع لأن نوعية المعطيات و حجمها كبير، مثلاً في ميدان الصحة أو الإعلام و التعليم هناك محتويات و فيديوهات نوعيتها جيدة و تتطلب حجم كبير من المعطيات ليستفيد منها الإنسان و يتعامل معها .
التدفق الذي يعطيه الجيل الخامس أكثر بعشر مرات من الذي يسمح به الجيل الرابع، ب1000 ميغابايت و تصل إلى غاية 10 آلاف في الثانية، أمر آخر بعض التطبيقات تحتاج تفاعل سريع، على الإنسان أن يضغط و ينتظر ثواني لتصل المعلومة إلى المنصة و تجيب عن ذلك، مثلاً في تطبيقات العمليات الجراحية عن بعد تحتاج تفاعل سريع جداً، و الجيل الخامس يقترب نوعاً ما من تفاعل الألياف البصرية.
الخاصية الثالثة هي التغطية، فعدد الهوائيات في الجيل الخامس يتجاوز عدد الهوائيات في الجيل الرابع ب10 مرات، معناه ستكون تغطية كبيرة جدا لتصل الخدمة لأكبر عدد من المستعملين خاصة المناطق النائية أين لا تصل الألياف البصرية للاستفادة من هذه الخدمات، الجيل الخامس يصل إلى مناطق الظل بسهولة و يستفيد من الخدمات بنفس النوعية و السرعة، نستطيع القول أن الجزائر تمشي فيه و تتسارع الخطوات في الإنجاز لتدارك التأخر الذي شهدناه من قبل.
يجب على البلديات والمصالح الإدارية و الجمارك أيضاً تقديم تسهيلات لأجهزة الجيل الخامس و رخص لتمرير الكوابل و وضع الهوائيات، كما أنه على سلطة الضبط أيضاً التخفيف في معالجة الملفات لتعطي الرخص للمتعاملين لإدخال الأجهزة، و على كل فرد أن يدرك أنه أمر استعجالي و أي تأخير في إنجاز شبكة الجيل الخامس ستكون لها تأثير سلبي على إنجاز الاستراتيجية الوطنية للرقمنة.
في رأيكم ما هو دور المجتمع المدني في التوعية الرقمية؟
دور المجتمع المدني مرافقة المواطنين في استعمالهم لهذه الخدمات الإلكترونية ومساعدتهم وحل مشاكلهم التقنية، وتكون المرافقة أيضاً بتوجيه الأولياء بضرورة استعمال أبناءهم لهذه الوسائل الإلكترونية في الاتجاه الصحيح والاستغلال الحسن لكي لا يتحركون نحو مواقع تضر بأخلاقهم و نفسيتهم.
الجمعيات والنوادي العلمية و المساجد أيضاً لها دور كبير في مرافقة الأسر لكي يكون استعمال شبكات التواصل الاجتماعي استعمالا حسنا و تجنب المواقع و الصفحات الهدامة و المشبوهة و الأخبار المضللة والشائعات و غيرها من الأمور السلبية الموجودة في مواقع التواصل الاجتماعي، فالمجتمع المدني لديه دور كبير في التوعية و التحسيس و المرافقة .
على صعيد آخر، هل يمكن للجزائر بناء استقلالها الرقمي بالكامل أم أن الاعتماد على شركات عالمية في بعض المجالات أمر وارد؟
يمكن للجزائر التعامل مع هذه التقنيات الجديدة وتكتفي بمجرد الاستهلاك بما فيه من مضرة والمساس بالسيادة الرقمية والخصوصية، خاصة إذا كانت هناك تبعية تكنولوجية التي لها خطورة كبيرة جداً، هل نبقى مكتوفي الأيدي أو ننتقل إلى مراحل أخرى؟ لهذا نظن أنه ليس لدينا حل آخر إلا التفكير وفتح نقاش جاد وواقعي و صريح حول كيف نتعامل مع هذه التكنولوجيات و نؤمن استراتيجيتنا الوطنية للتحول الرقمي و نحمي أنظمتها المعلوماتية و سياستنا الرقمية و نضمن الاستقلالية التكنولوجية و غيرها.
ينبغي أيضاً أن ننوع المصادر مما يجعلنا في موقع قوة للتفاوض مع هذه الشركات العملاقة في مجال الأمن السيبراني والمصنعين لننتقل من الاستهلاك البسيط إلى الاستهلاك الذكي والدخول في شراكة لنقل المعرفة وتحقيق الحرية في الاستعانة بالكفاءات المحلية والمساهمة في تطوير هذه الأدوات.
التعاون و الشراكة مع المؤسسات الأجنبية في هذا المجال تعطي هذا الاحتكاك الفرصة للمخابر و الكفاءات الجزائرية و المؤسسات المتخصصة لإدراك و فهم أسرار هذه الحلول و الانتقال إلى المشاركة في تطويرها و تساهم في تحسن هذا الحل و الانتقال إلى المرحلة الثالثة لضمان الاستقلالية التكنولوجية و السيادة الرقمية و هذه تحتاج إلى نظرة استشارية و إرادة حقيقية و موارد مادية، لأن هذا العمل ليس لديه ثمن و التغاضي عن الاستقلالية التكنولوجية قد تؤدي إلى الفشل في الاستراتيجية الرقمية و تعريض البلد إلى خطر خاصة بالنظر إلى الهجمات التي تتعرض إليها البلدان في المجال الرقمي.
أخيراً، هل تؤمنون أن الاستثمار في الشباب المبدع في مجال الرقمنة و التحول الرقمي من أجل الابتكار قد يسمح ذلك بمستقبل واعد للرقمنة في الجزائر؟
عند الحديث عن المشاريع والمنصات الذكية والحلول التي لها علاقة بانترنت الاشياء والأمن السبرياني كلها ميادين يمكن أن يبدع فيها الشباب و لهذا ينبغي إعطاء هؤلاء الشباب الفرصة لإبداعاتهم و حلولهم و مساهمتهم في تطوير مثل هذه الحلول.
هاته الكفاءات نجدها في الجامعات في سبيل الابداع والابتكار ينبغي تشجيعهم للانتقال لهاته الأفكار من المخبر إلى المصنع و تشجيع المؤسسات الناشئة و إيجاد مناخ ملائم للنشاط، الحمد لله نشهد بيئة ملائمة تساعد المؤسسات الناشئة من خلال صناديق الدعم المالي وغيرها التي تمشي في الاتجاه الصحيح لتساهم المؤسسات الناشئة في إنجاز الاستراتيجية الرقمية و الأمن السيبراني و تساعد الحكومة في تأمين السيادة الرقمية و ضمان الاستقلالية التكنولوجية.
أمر جميل أن الإنسان يساعد هذه المؤسسات الناشئة والكفاءات الشابة في التحكم في هذه التكنولوجيات والمساهمة في تطوير الحلول التي تساعد البلاد للانتقال من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج والمساهمة في إنتاج وتطوير الحلول لتصبح الجزائر رائدة في هذا المجال وتساهم في هذه الثورة التكنولوجية.
حاورته نزيهة سعودي

























مناقشة حول هذا المقال