أحيت وزارة الصحة، أمس الإثنين بالعاصمة، اليوم الوطني للتلقيح تحت شعار «ترقية البرنامج الوطني للتلقيح الموسع»، في مناسبة شكلت محطة لتقييم المكاسب التي حققتها الجزائر في مجال الوقاية من الأمراض التي يمكن تفاديها بالتلقيح، واستعراض الجهود المبذولة لتعزيز التغطية التلقيحية وتطوير البرنامج الوطني للتلقيح بما يستجيب للتحديات الصحية الراهنة والمستقبلية.
وجمع اللقاء عددا من المسؤولين والخبراء في الصحة العمومية وممثلين عن الهيئات الدولية الشريكة، على غرار منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، حيث تم التأكيد على أهمية المحافظة على المكتسبات المحققة في مجال التلقيح وتوسيع برامج الوقاية لتشمل مختلف الفئات العمرية، في إطار مقاربة صحية تقوم على التلقيح مدى الحياة.
إدراج لقاح فيروس الورم الحليمي البشري… أبرز مستجدات سنة 2026
وفي أبرز الإعلانات التي ميزت هذه المناسبة، كشفت فازية محيوت، ممثلة وزارة الصحة ورئيسة قسم الطب الوقائي، عن إدراج لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ضمن البرنامج الوطني للتلقيح ابتداء من الموسم الدراسي 2026-2027، في خطوة جديدة تعزز جهود الوقاية من الأمراض الخطيرة والسرطانات المرتبطة بهذا الفيروس.
وأكدت المتحدثة أن هذا اللقاح يعد من أهم اللقاحات الوقائية الحديثة، بالنظر إلى دوره في الحماية من عدد من أنواع السرطان، مشيرة إلى أن الاستفادة منه في سن مبكرة تضمن حماية صحية طويلة الأمد للأطفال، وهو ما يعكس التزام الجزائر بمواكبة أحدث التوصيات الصحية العالمية وتطوير منظومتها الوقائية باستمرار.
وأوضحت محيوت أن الجزائر حققت منذ انطلاق برامج التلقيح الوطنية سنة 1968 تقدماً كبيراً في مكافحة الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح، بفضل الإرادة السياسية للدولة والجهود المتواصلة التي تبذلها مختلف المؤسسات والهيئات المعنية.
وفي السياق ذاته، أبرزت المتحدثة أن الحملة الوطنية الأخيرة للتلقيح ضد شلل الأطفال، التي نظمت على ثلاث مراحل، حققت نسبة تغطية قاربت 97 بالمائة، وهو ما يعكس درجة الوعي لدى الأسر الجزائرية وحرصها على حماية أطفالها من الأمراض الخطيرة.
وأضافت أن هذه النتائج تحققت بفضل تضافر جهود عدة قطاعات ومؤسسات وطنية، من بينها وزارات الداخلية والدفاع الوطني والشؤون الدينية والاتصال والتربية الوطنية، إلى جانب الشركاء الدوليين وفي مقدمتهم منظمة الصحة العالمية.
كما أشادت بالمجهودات الميدانية التي يبذلها أعوان الصحة والعاملون في برامج التلقيح، خاصة في مناطق الظل والمناطق النائية، حيث يواصلون العمل للوصول إلى جميع الأطفال وضمان استفادتهم من اللقاحات الأساسية، مؤكدة أن الهدف الرئيسي لوزارة الصحة يتمثل في ضمان عدم حرمان أي طفل من حقه في التلقيح عبر كامل التراب الوطني.
نجاح حملة شلل الأطفال يؤكد فعالية المنظومة الوطنية
ومن جهتها، اعتبرت الدكتورة سامية حمادي، مديرة الوقاية ومكافحة الأمراض المتنقلة بوزارة الصحة، أن الاحتفال باليوم الوطني للتلقيح يمثل أكثر من مجرد مناسبة رمزية، بل يعد محطة لتقييم ما تحقق من مكتسبات والعمل على الحفاظ عليها وتعزيزها في مواجهة التحديات الصحية الراهنة والمستقبلية.
وأكدت أن النجاح المسجل خلال الحملة الوطنية للتلقيح ضد شلل الأطفال يعد نموذجا ناجحا في التنسيق والتعبئة الميدانية، داعية إلى مواصلة اليقظة الصحية في ظل استمرار المخاطر الوبائية والتهديدات الصحية العالمية.
كما أشارت إلى أن الجزائر كانت من الدول السباقة إلى تبني مفهوم التلقيح الموجه للفئات الأكثر عرضة للمخاطر الصحية، قبل أن يصبح هذا التوجه جزءا من الاستراتيجية العالمية للتلقيح مدى الحياة.
وثمنت حمادي الدعم الذي تقدمه المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، مؤكدة أن الشراكة القائمة بين هذه الهيئات والقطاع الصحي الجزائري ساهمت في تطوير البرنامج الوطني للتلقيح وتعزيز فعاليته، وجعلته نموذجا يحتذى به على المستوى الإقليمي.
شراكة دولية لدعم الوقاية وحماية الأجيال القادمة
وبدورها، أكدت كاتارينا يوهانسون، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في الجزائر، أن الاحتفال باليوم الوطني للتلقيح يخلد ذكرى صدور مرسوم سنة 1969 الذي أقر مجانية وإجبارية التلقيح في الجزائر، وهو القرار الذي شكل حجر الأساس لبناء برنامج وطني أصبح اليوم من أبرز مكتسبات المنظومة الصحية الجزائرية.
وأشادت المسؤولة الأممية بالنجاح الذي حققته الحملة الوطنية ضد شلل الأطفال، والتي مكنت من تلقيح أكثر من 4.4 ملايين طفل دون سن الخامسة عبر مختلف ولايات الوطن، مؤكدة أن نسب التغطية التي تجاوزت 90 بالمائة خلال المراحل الثلاث للحملة تعكس حجم التعبئة التي شهدتها العملية بمشاركة المصالح الصحية والسلطات المحلية ووسائل الإعلام والمجتمع المدني والأسر الجزائرية.
وأضافت أن الحملة نجحت أيضا في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة وصعوبة في الوصول، بما في ذلك أبناء المهاجرين واللاجئين، في تجسيد فعلي لمبدأ عدم ترك أي طفل خارج دائرة الحماية الصحية.
كما أكدت أن نجاح الحملات الاستثنائية يجب أن يشكل منطلقا لتعزيز التلقيح الروتيني وضمان استمرارية الحماية الصحية للأطفال خلال مختلف مراحل نموهم.
وأشارت يوهانسون إلى أن الجزائر حققت خلال العقود الماضية إنجازات صحية بارزة، من بينها القضاء على شلل الأطفال البري والكزاز الوليدي وكزاز الأمهات، فضلا عن نجاحات أخرى تعكس صلابة المنظومة الصحية وقدرتها على تحقيق نتائج مستدامة.
كما رحبت بإدراج لقاح فيروس الورم الحليمي البشري ضمن الرزنامة الوطنية للتلقيح، معتبرة ذلك استثمارا استراتيجيا في الوقاية من الأمراض والسرطانات المرتبطة بهذا الفيروس، وخطوة تعكس تكامل الجهود بين قطاعي الصحة والتربية من أجل حماية الأجيال الصاعدة.
وفي السياق ذاته، أوضحت الدكتورة نسيمة ساي، المختصة في علم الأوبئة والطب الوقائي والمكلفة ببرنامج التلقيح والوقاية من شلل الأطفال، أن اليوم الوطني للتلقيح الذي أُقر سنة 2019 بمناسبة الذكرى الخمسين لإدماج التلقيح الإجباري في الجزائر، يعد فرصة لتقييم المنجزات واستشراف مستقبل البرنامج الموسع للتلقيح.
وأكدت أن السلطات الصحية تتجه اليوم نحو توسيع مفهوم التلقيح ليشمل مختلف الفئات العمرية، وليس الأطفال فقط، من خلال استهداف النساء الحوامل والبالغين والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو المعرضين لمخاطر صحية ومهنية معينة.
وفيما يتعلق بالمؤشرات الوطنية، أكدت ساعي أن الجزائر تمكنت من استعادة مستويات مرتفعة من التغطية التلقيحية بعد التراجع الذي شهدته العديد من دول العالم خلال جائحة كوفيد-19، حيث تجاوزت نسب التغطية الخاصة باللقاحات الأساسية 95 بالمائة، فيما فاقت نسبة التغطية بالجرعة الثانية من لقاح الحصبة 93 بالمائة.
واختتم المتدخلون بالتأكيد على أن المحافظة على هذه المكتسبات الصحية تتطلب مواصلة جهود التوعية والتحسيس، وتعزيز الثقة في برامج التلقيح، وتطوير آليات الوقاية بما يواكب المستجدات الصحية العالمية، ويضمن حماية الأجيال الحالية والقادمة من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بالتلقيح، في إطار رؤية صحية شاملة تقوم على الوقاية والقرب من المواطن والاستثمار في صحة المجتمع.
بثينة ناصري























مناقشة حول هذا المقال