تعيش الغابات في الجزائر، كما في كامل منطقة حوض المتوسط، تحت ضغط متزايد بفعل التغيرات المناخية وتكرار موجات الحر وارتفاع وتيرة الحرائق خلال السنوات الأخيرة.
وفي مقابل هذا التدهور، تتكاثر حملات التشجير التي تطلقها السلطات والجمعيات والمبادرات المدنية، في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه استجابة مباشرة وسريعة لنداء الطبيعة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يمكن فعلاً لهذه الحملات أن تعوّض خسائر الغابات المتراكمة؟
الواقع البيئي يشير إلى أن خسارة الغابات ليست مجرد فقدان أشجار، بل هي فقدان منظومة بيئية متكاملة، فالغابة ليست مساحة خضراء فقط، بل نظام حيّ يرتبط فيه الغطاء النباتي بالتربة والرطوبة والتنوع الحيوي وحتى المناخ المحلي، وعندما تتعرض هذه المنظومة للحرائق أو التدهور، فإن إعادة بنائها لن تكون بسيطة ولا سريعة، حتى وإن تم غرس آلاف الشتلات في وقت قصير.
تُعد حملات التشجير خطوة إيجابية وضرورية في سياق مواجهة تراجع الغطاء الغابي، غير أنها في كثير من الأحيان تصطدم بواقع ميداني معقد، فنجاح غرس الأشجار لا يعني بالضرورة بقاءها، إذ تتأثر نسبة كبيرة من الشتلات بالجفاف، خاصة في السنوات التي تشهد انخفاضاً في التساقطات وارتفاعاً في درجات الحرارة، كما أن غياب المتابعة بعد عملية الغرس، سواء من حيث السقي أو الحماية، يجعل العديد من المبادرات تفقد فعاليتها على المدى المتوسط.
إضافة إلى ذلك، يطرح اختيار أنواع الأشجار إشكالاً أساسياً، ففي بعض الحالات، يتم غرس أنواع لا تتلاءم تماماً مع الخصائص المناخية أو الترابية للمناطق المستهدفة، ما يقلل من فرص بقائها ونموها الطبيعي. ومع تغير المناخ، تصبح هذه المسألة أكثر تعقيداً، لأن ما كان صالحاً للنمو قبل سنوات لم يعد بالضرورة مناسباً اليوم.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الغابات تواجه تهديداً أكبر وأكثر خطورة يتمثل في الحرائق المتكررة، فحتى في حال نجاح عمليات التشجير، تبقى هذه المساحات الجديدة عرضة للاحتراق في حال غياب منظومة وقاية فعالة، تشمل المراقبة المبكرة، وصيانة المسالك الغابية، والتوعية المجتمعية، وتطبيق صارم لقواعد حماية الغابات، وهذا ما يجعل الجهود المعزولة في التشجير غير كافية لوحدها.
من جهة أخرى، يرى مختصون أن التعامل مع الغابات يجب أن يتجاوز منطق “عدد الأشجار المزروعة” إلى منطق “إعادة تأهيل النظم البيئية”، فالغابة ليست مجرد شتلات تُغرس، بل توازن دقيق بين التربة والمياه والنبات والحياة الحيوانية، وبالتالي فإن استعادة الغابات المتضررة تتطلب وقتاً طويلاً ورؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار كل عناصر هذا النظام.
كما أن التغير المناخي يفرض قواعد جديدة في هذا المجال، فارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية يجعل بعض المناطق أقل قدرة على استعادة غطائها الغابي بالشكل التقليدي، وهذا يستدعي التفكير في أنواع نباتية أكثر مقاومة للجفاف، واعتماد تقنيات حديثة في التشجير، وربما إعادة رسم خريطة الغابات نفسها وفق الواقع المناخي الجديد.
ورغم كل هذه التحديات، تبقى حملات التشجير ذات أهمية رمزية وبيئية لا يمكن إنكارها، فهي تعكس وعياً متزايداً بخطورة تدهور الغطاء الغابي، وتساهم في إشراك المجتمع في حماية البيئة، لكنها، في الوقت نفسه، لا يمكن أن تُعتبر حلاً كافياً أو نهائياً لمشكلة معقدة تتداخل فيها العوامل المناخية والبشرية والإدارية.
في النهاية، تبدو المعادلة واضحة: التشجير خطوة ضرورية، لكنه ليس الحل الكامل، فاستعادة الغابات تتطلب أكثر من غرس الأشجار؛ إنها تحتاج إلى إدارة مستدامة، وسياسات وقائية صارمة، ورؤية طويلة المدى تعيد للغابة توازنها الطبيعي، وتمنحها فرصة حقيقية للبقاء في مواجهة مناخ يزداد قسوة يوماً بعد يوم.
بوزيان بلقيس
























مناقشة حول هذا المقال