نظمت المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، أمس السبت، بمقر البنك الوطني للإسكان بباب الزوار، ندوة وطنية كبرى بعنوان “اليقظة البنكية.. رؤية استشرافية”، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين وممثلي القطاع البنكي، لمناقشة آفاق تطوير المنظومة المصرفية الجزائرية واستشراف تحدياتها المستقبلية في ظل التحولات الاقتصادية والرقمية المتسارعة، بما يعزز مساهمة البنوك في تحقيق التنمية ودعم السيادة المالية للبلاد.
وشكلت الندوة فضاء لتبادل الرؤى حول سبل تطوير القطاع البنكي، وتعزيز قدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، بما يجعله رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني، ومتوافقا مع التوجهات التنموية للدولة في أفق سنة 2050.
إطلاق خلية لليقظة البنكية واستشراف تحديات القطاع
وفي هذا السياق، أكد رئيس المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، بشير مصيطفى، أن تنظيم هذا اللقاء يندرج ضمن مشروع المؤسسة الرامي إلى إنشاء منظومات يقظة متخصصة تستند إلى التحليل العلمي والإحصائي، بهدف استشراف مستقبل القطاعات الاستراتيجية وصناعة القرار على أسس علمية.
وأوضح أن المؤسسة تعمل على تطوير عشرين منظومة يقظة تشمل قطاعات حيوية، من بينها الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والثقافة، والإعلام، والبيئة، والطاقة، والفلاحة، والمالية والبنوك، مبرزا أن المؤسسة نظمت سابقا لقاءات حول اليقظة الثقافية والتربوية والروحية والإعلامية والفنية والصحية والمرورية والبيئية، قبل إطلاق مشروع اليقظة البنكية.
وأشار إلى أن عددا من هذه المبادرات حقق نتائج ملموسة، من بينها مساهمة يقظة الطفولة في استحداث خلية وطنية لحماية الطفولة، وإثراء يقظة المرور لمشروع قانون المرور الجديد، إلى جانب مبادرات أخرى مست قطاعات التجارة والحماية المدنية.
وأعلن مصيطفى بالمناسبة عن إطلاق خلية اليقظة البنكية، التي ستتولى إعداد رؤية استشرافية للقطاع إلى غاية سنة 2050، من خلال دراسة التحديات المستقبلية، وإنجاز قاعدة بيانات وإحصائيات دقيقة حول النشاط البنكي، واقتراح سياسات وتشريعات وبرامج استراتيجية لتطوير المنظومة المصرفية.
وأضاف أن الخلية ستضم خبراء في الإحصاء والقانون والمالية، وستعمل على استشراف المخاطر المحتملة، على غرار أزمات السيولة، وتقلبات أسعار الفائدة، ومخاطر القروض، إلى جانب متابعة تطورات البنوك الرقمية والتكنولوجيا المالية، بما يسمح للقطاع البنكي بالتكيف مع المتغيرات الاقتصادية المستقبلية.
وكشف رئيس المؤسسة عن عدد من المؤشرات الخاصة بالقطاع، موضحا أن الجزائر تضم حاليا 21 بنكا، منها ستة بنوك عمومية و15 بنكا خاصا، إضافة إلى 1673 وكالة بنكية، معتبرا أن هذا العدد لا يزال دون المستوى المطلوب لتحقيق شمول مالي واسع.
وأضاف أن عدد الحسابات البنكية يقدر بحوالي 18.9 مليون حساب، منها 13.7 مليون حساب بالدينار و5.2 ملايين حساب بالعملة الصعبة، مشيرا إلى أن نسبة امتلاك الحسابات البنكية تبقى أقل من المعدلات العالمية، بسبب محدودية انتشار الوكالات البنكية، وصعوبة الولوج إلى الخدمات، وضعف جاذبية المنتجات البنكية، فضلا عن محدودية التواصل مع المواطنين.
كما أرجع عزوف بعض المواطنين عن التعامل مع البنوك إلى اعتبارات دينية مرتبطة بالفوائد البنكية، إلى جانب عوامل اقتصادية وتقنية، مؤكدا أن توسع خدمات الصيرفة الإسلامية ساهم خلال السنوات الأخيرة في استقطاب أعداد متزايدة من المتعاملين.
وعلى هامش مداخلته، دعا مصيطفى إلى توسيع مهام خلية يقظة الطفولة لتشمل مختلف المخاطر التي تهدد الأطفال، معتبرا أن الحوادث الأخيرة التي أودت بحياة عدد من الأطفال تبرز أهمية اعتماد سياسات استباقية قائمة على الدراسات والإحصائيات، وتوفير فضاءات آمنة ومهيأة لجميع فئات الطفولة.
دعوة إلى تحديث البنوك ومواكبة الاقتصاد الرقمي
ومن جهته، أكد مدير مخبر البحث في المناجمنت والاقتصاد الكمي والتقنيات الكمية، الدكتور بوكريف موسى، في تصريحه لجريدة عالم الأهداف، أن اليقظة البنكية أصبحت خيارا استراتيجيا لتمكين المنظومة المصرفية من مواكبة التحولات الاقتصادية والرقمية، وجعلها أكثر قدرة على مرافقة التنمية الوطنية والاستجابة لمتطلبات الاقتصاد الحديث.
وأوضح أن البيئة البنكية تشهد تغيرات متسارعة تفرض على المؤسسات المصرفية التخلي عن أساليب التسيير التقليدية، واعتماد نماذج أكثر مرونة وابتكارا، تراعي التطورات التكنولوجية والاقتصادية، خاصة في ظل تنامي استخدام الخدمات الرقمية من قبل فئة الشباب.
وأضاف أن البنوك مطالبة بتطوير خدماتها ومنتجاتها الرقمية لاستقطاب هذه الفئة، باعتبارها الزبون المستقبلي للقطاع، إلى جانب مواكبة توجهات الدولة الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني، عبر توفير آليات تمويل فعالة للمشاريع المنتجة والاستثمارات الموجهة لخلق الثروة وتعزيز الصادرات.
وأشار إلى أن انفتاح البنوك الجزائرية على الأسواق الخارجية يستدعي تحديث أنظمة التسيير، وتطوير وسائل الدفع والخدمات البنكية، بما يسهل المعاملات المالية داخل الجزائر وخارجها، ويستجيب لاحتياجات المتعاملين الاقتصاديين والمواطنين.
وختم بوكريف موسى بالتأكيد على أن البنك الاستشرافي هو القادر على صناعة المستقبل من خلال استباق التحولات الاقتصادية ووضع الحلول قبل ظهور التحديات، مشددا على أن المنظومة البنكية مطالبة بأن تكون شريكا أساسيا في تنفيذ الاستراتيجية الاقتصادية للدولة، ورافعة حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال