في إطار استطلاعنا حول ظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر أو ما يعرف في العامية بـ “الحرقة”، والتي راح ضحيتها مئات الشباب، وتسببت في بكاء العديد من الأمهات اللاتي فقدن فلذات أكبادهن، حاولنا استطلاع الرأي السياسي في الموضوع، فكان لنا حوار مع النائب البرلماني سليمان سعداوي، والذي تطرقنا فيه لمحاور أساسية تمثلت في أسباب الظاهرة وماهي الإجراءات التي اتخذها النواب للحد من الهجرة غير الشرعية ” الحرقة”، باعتبار أن قبة البرلمان تمثل صوت المواطن وكيف يمكن التصدي لها.
الطلاق والفقر و”الحقرة” من أهم عوامل “الحرقة”
و قال سعداوي أن “الحرقة” هي ظاهرة اجتماعية وظاهرة سياسية، تصنف كظاهرة اجتماعية لأنها تأتي نتيجة لأسباب اجتماعية كالفقر وأسرية مثل الخلافات العائلية كالطلاق، أو نتيجة تخلي الأب عن مسؤولياته، فهناك الكثير من الشباب يجد نفسه هو المعيل الوحيد لعائلته ( الأم والإخوة ) بعد أن يتنصل الوالد من مسؤوليته وهناك شباب له سوابق ومطلوب في الشرطة فيختار الهروب من هذا الوضع، هي ظاهرة اجتماعية حيث أن هناك من يريد تغيير نمط حياته من القرى والفقر إلى حياة البذخ حسبه هناك شباب من يريد اكتشاف العالم الآخر، ويحلم بما وراء البحار وهناك حراقة من الطبقة المثقفة منهم أطباء ومهندسين وهاته الفئة تظن أن في هذه البلاد لا يوجد بها مستقبل جيد لهم، حيث لا يمكنهم أن تعيش حياة كريمة ولن تتمكن من بناء أسرة، ويرون أن الهجرة هي الحل وهي باب الرزق الوحيد الذي يمكنهم من إعالة أسرتهم، وحتى الشباب الفقير يعتقد أن “الحرقة” هي مصدر الرزق الوحيد، وهناك طائفة صغيرة تشكل نسبة صفر فاصل بالمئة تهاجر من أجل “المجون”، هذه الفئة تذهب من أجل عالم الأنوار والموسيقى الصاخبة وما شابه ذلك، وهناك مجموعة تسافر من أجل المغامرة بحثا عن اللقب كأنها ترى في “الحرقة” شجاعة وبطولة، ولكن 99 بالمئة من الحالات يهربون من الفقر والمشاكل الأسرية والتضييق على الحريات وهذا السبب هو الذي جعلنا نقول في البداية بأن هناك عوامل سياسية.
فئة من الحراقين يعيشون في أوروبا بلا مأوى ومنهم من مات متشردا
الحراق يضع نصب عينيه دائما الحالات التي نجحت في الهجرة، لكنه يتناسى ويغض البصر عن الحالات التي غرقت في البحر والحالات التي نجت من الموت لكنها عانت ومازالت تعاني في الغربة فهناك مهاجرين غير شرعيين مازالوا بلا وثائق رغم أن لهم عشرات السنين في أوروبا، وهناك منهم من لم يجد عملا والكثير منهم أصبح متشردا في الطرقات ويبيت تحت الجسور، ومنهم من مات دون أن يرى والدته أو العكس مات والديه دون أن يراهما، ومنهم من مات في دور العجزة دون عائلة، هي حالات ندمت على الهجرة لكنها لم تستطع الرجوع خالية اليدين، تخجل من الوضع الذي آلت إليه بعد ان كانت تمن النفس بالثراء والغنى، هم شباب اختار الهرب والمغامرة على أن يعيش طيلة حياته في الفقر والمشاكل.
تطور تكنولوجيا الصورة فضح الأنظمة المتسترة على ظاهرة الحرقة
و بخصوص دور البرلمان في الحد من هذه الظاهرة قال سعداوي أن البرلمان لا حيلة له في هذا الأمر خاصة، والجميع يعلم أن البرلمان كان يدار بكفة دائرة سياسية معينة تخضع للسلطة والمتمثلة في أحزاب الموالاة، ولا يمكن للبرلمانيين آنذاك حتى تجريم الاستعمار، فلائحة تجريم الإستعمار لا تمر، ونحن ( الأعضاء شبه المتمردين)لم يكن في يدنا سوى الكلام وطرح المسائل للمناقشة، والسلطة كانت ترى أن ملف الهجرة غير الشرعية ( الحرقة) قد يسبب لها ضمور شعبي ويطيح من قيمتها ويسبب لها مشاكل مع منظمات حقوق الإنسان فكانت متكتمة عليه وتقوم بمعالجته أمنيا فقط، الحرقة لديها سنوات لم تنشأ في عهد بوتفليقة بل متواجدة منذ حوالي 30 سنة، فقط لم يكن عالم الفايسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي لتبرزهم، حيث أصبحوا اليوم هم من يعلنون عن أنفسهم ويسجلون أنفسهم عبر فيديوهات ويصورون تجربتهم في البحر، ويكشفون كل تفاصل مغامراتهم، وهنا لم يعد بإمكان السلطة أن تتستر عن هذه الظاهرة التي انتشرت بسرعة، وأيضا لا يمكننا أن نعتمد على المعالجة الأمنية فقط، فهناك فئات اجتماعية تعيش في فقر وهناك شباب يتيم وهناك شباب يعاني من اللامبالاة والتهميش ( الحقرة)، وهناك من لديهم أزمات نفسية واجتماعية، وأعيد التأكيد بأنه ليس من يهاجر فقط هم الشباب البطال أو الضائع والمنحرف الذي دخل عالم المخدرات والآفات الاجتماعية، بل إن هذه الظاهرة أصبحت تشمل أيضا الفئات المثقفة والمتخرجين من الجامعات والمهندسين والتجار والعمال، يعني هذه الظاهرة لم تعد تمس الشباب العاطل عن العمل أو المنحرف الضائع بل هناك بعض الحالات لعائلات بكاملها ( الأب والأم والأطفال)، وحسب هؤلاء فإن المستقبل الحقيقي لهم يجدونه فيما وراء البحار، وهم يقولون بأنهم إذا هاجروا فسيهانون فقط لأيام وعندما يجدون عمل فسيتقاضون أجرا مضاعفا بأكثر من 7 مرات ما يحصلون عليه في الوطن وبالتالي فإن الإغراءات المادية هي من تشجعهم على ركوب هذه المغامرة التي لا يضمنون نتائجها، فيظنون أن المستقبل يبنى بالمال وليس بالقيم والمبادئ، ولا يهمهم إن كان عملهم في الغربة حلالا أم حراما، المهم لديهم هو جني المال ليثبتوا لعائلاتهم وأصدقائهم أنهم اختاروا الطريق الصحيح، البرلمان كان رهينة في يد السلطة ولم يكن بإمكاننا سوى وضع سؤال شفوي أو كتابي وتقول للوزير بأن الشباب راهم يعانوا مما أدى بهم لاختيار سبيل الحرقة، وقد سبق لنا التحدث عن الجماعات التي تتجار بالبشر وأن هناك قوارب الموت والعصابات التي تجمع الأموال من الشباب وتبعث به في قوارب صغيرة ليس بها أدنى المتطلبات الضرورية ويبقون لأيام يصارعون الموت ومنهم من يكون له عمر طويل فينفذ ويصل إلى الناحية الأخرى ومنهم من يموت في عرض البحر ولا تبقى حتى جثته، وتبقى عائلته تبكي عليه لسنوات ولا تجد حتى قبرا تزوره فيه، ومنهم من يتم إيقافهم من قبل الأمن وهناك من يتم إنقاذهم بعد غرقهم في البحر، وأكرر التأكيد بأن الحكومات مقصرة في معالجة هذه الظاهرة، والتي تعود لأسبابها اجتماعية ونفسية ومادية مثلما سبق لنا الإشارة إليه، البرلمان لا يمكن الاعتماد عليه في عالم مثل هذا يتم فيه وضع القوائم البرلمانية بالواسطة “المعريفة”، وهؤلاء يجب عليهم دعم الحكومة في جميع القرارات وليس بوسعهم مناقشة أو رفض أي أمر، لذا للأسف لم تتم معالجة هاته الظاهرة.
الأزمة الصحية وانخفاض سعر البترول ضاعف تحديات الحكومة الجديدة
أما في الوقت الراهن فكل شيء تعقد، الإمكانيات المادية في انخفاض مستمر، بالإضافة للأزمة الصحية التي سببها انتشار وباء كورونا، مما ضاعف من تأزم الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الوطن، هذه الحكومة التي أعطيناها مدة عام لتحل المشاكل والأزمات التي تتخبط فيها البلاد الواضح أن الأمور تعقدت عليها وتضاعفت الأزمات، قلة الموارد المالية خاصة مع انخفاض سعر البترول، العديد من الشركات أوقفت العمال نظرا للأزمة الاقتصادية مما نتج عنه كثرة الإستياء وجعل الحكومة مطالبة بإيجاد حلول لهاته المشاكل الجديدة وتضاعفت عليها التحديات، ولا يمكننا في هذه الحالة سوى الدعاء وأن نقول ” الله يسترنا ويرفع هذا البلاء عنا”.
و الحل لظاهرة “الحرقة” يجب أن يصدر ممن بيده زمام الأمور لأن هذه الظاهرة ليست حكرا على الجزائر العاصمة فحسب بل هي منتشرة عبر التراب الوطني وحتى الشباب في الصحراء حتى في تيندوف ” راهم يحرقوا” فالجميع يتحدث عن الحرقة عن طريق البحر لكن أقول بأن الحرقة متواجدة حتى عن طريق البر.
و كلمتي الأخير التي أوجهها للشباب هي قوله تعالى: ” ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا “، ولن ينفعك أو يضرك شيء إلا بإذن الله، أولا عيش دنياك وتقرب لله لأنه هو مالك الملك وهو من بيده الرزق في السماء والأرض وهو من يرزق الطير في السماء وهو أرحم الراحمين.
أجرت الحوار: كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال