في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي الجزائري، وتزايد الضغوط الناتجة عن الحملات الإعلامية الموجهة من الخارج، تبرز الحاجة إلى قراءة تحليلية معمّقة من قبل المختصين والخبراء لفهم التحديات القائمة واستشراف آفاق تطوير الإعلام الوطني. وفي هذا السياق، أجرينا حوارًا مع البروفيسور محمد هدير، الباحث في الشأن الإعلامي، حيث قدم تشخيصا دقيقا للواقع الإعلامي الجزائري، وطرح رؤيته لبناء إعلام احترافي وفعال.
-
بصفتكم متابعا لتطورات المشهد الإعلامي كيف ترون التحديات الراهنة التي تواجه الجزائر في ظل ما يوصف بـ “الهجمات الإعلامية الممنهجة”؟
- التحديات التي تواجه الجزائر هذه كانت عنوان لمحاضرة سبق وأن ألقيتها في جامعة الحاج لخضر بباتنة، التحديات التي يواجهها الاعلام الجزائري باعتبار أن الإعلام الجزائري هو إعلام مقاوم، يعني ولد من رحم الأزمة الجزائرية أثناء الاستعمار الفرنسي، ظهر الإعلام الجزائري عن طريق الاستعمار الفرنسي، ثم ظهر وتطور الى ان وصلت الى صحافة أحباب الأهالي التي كانت عبارة عن إعلام استعماري ثم صحافة الأهالي التي تبنتها جمعية العلماء المسلمين ثم الحركة الوطنية الى ظهور اول جريدة وطنية التي تسمى بالمقاومة 22 أكتوبر 1955 ثم تحولت الى جريدة المجاهد التي تبقى شامخة الى اليوم، لذلك الاعلام الجزائري مقاوما ثوريا يقاوم أكبر إمبراطورية ولكن في شكل كان متخلقا جدا، لدرجة أن جريدة المجاهد كانت تصف الفرنسيين او الامة الفرنسية بالشعب الفرنسي ولكن كانت تصف الاستعمار بأنه استعمار غاشم، أي انها كانت تفرق بين الشعب الفرنسي وبين السلطة الاستعمارية.
- الاعلام الجزائري عرف في خضم 28 سنة بعد الاستقلال أكبر تجربة تعددية سنة 1990 عن طريق قانون الاعلام 1990 الذي يعتبر ثورة في مسيرة الاعلام الجزائري، اين انبثقت منه أكثر من 150 عنوانا إعلاميا بين اليوميات والاسبوعيات والدوريات، وبقي السمعي البصري حكرا للدولة بالرغم من ان قانون1990 يحث على إنشاء ذبذبات صوتية وصحافة البث الإذاعي الى انه بقي غامضا الى غاية 2011 اين رفعت السلطة يدها على السمعي البصري باعتباره قطاعا حيويا يواكب التجربة التي عرفتها الجزائر في جميع الميادين، ورشات البناء، الطرق، المياه … كل التحولات التي عرفتها الجزائر كان يجب ان يرافقه سمعي بصري متطور حتى يظهر المكانة التي وصلت إليها الجزائر، وعلى إثر ذلك ظهرت قنوات إعلامية بجمهور جزائري ولكنها مستوطنة في دول أجنبية على رأسها بريطانيا، الامارات، الأردن، لأنه لايوجد قمر صناعي، لذلك ذهبت الى تلك المناطق وهذه الدول من أجل البث من هناك، لكن يعتبر في حد ذاته تجربة فريدة من نوعها بحيث لاحظنا أغلب الجرائد تحول الى قناة تلفزيونية مثلا النهار الى النهارTV الشروق الى الشروق TV
هذه هي التحديات الكبرى التي تواجه الاعلام الوطني
- التحديات التي يواجهها الاعلام الجزائري التشريع لأن القوانين او التشريعات الإعلامية في الجزائر هي التي تحد ربما في بعض الأحيان من حريته وهذا نظرا لطبيعة الجزائر، نحن نعيش في دولة في وسط من الدول والكثير من الأزمات، لذلك الاعلام لابد ان يقنن ولابد من ان يكون هنا تشريع ولا بد من ان تكون مدونة السلوك حتى لايصطدم بالمؤسسة الأمنية او بالسياسة الخارجية للدولة وبالتحقيقات القضائية، هذا معمول به في التشريع الجزائري وفي التشريعات الدولية، كذلك ما يواجه من تحديات هو نقص الاشهار، ليكن في العلم ان سوق الاشهار في الجزائر مقارنة بالدول الأجنبية او الجوار، ناقص جدا والأغلبية تسيطر عليه المؤسسة الوطنية للنشر والاشهار من أجل التوزيع بين الإعلام الخاص والعمومي ولذلك نلاحظ ان كلما اقتربت المؤسسة الإعلامية من الاشهار كلما قلت الحرية لأنه من الطبيعي والمنطقي من يقدم لك الاشهار لابد من ان تحترمه وان لا تتجاوز الخطوط الحمراء معه حتى في الإعلان الخاص او الاشهار الخاص، كذلك من اهم التحديات هو ظهور الصحافة الرقمية الاعلام الرقمي وما جاء مع وسائل التواصل الاجتماعي وضعت الاعلام الجزائري على المحك، إما ان يواكب التطور، اما ان يندثر واصبح يلازم هذه التطورات الالكترونية وبالتالي أصبحت المصداقية على المحك، إما ان يتطور اما ان يصبح في خبر كان، وهذا شان كل الصحافة التقليدية او الصحافة القادمة في العالم نشهد تراجع في المبيعات وتراجع في المقروئية نظرا لظهور صحافة الموبايل ووسائل التواصل الاجتماعي، اصبح الخبر ينتقل كالنار في الهشيم، كذلك النقطة الرابعة ان الاعلام الجزائري أصبح في مواجهة الشركات الكبرى الإعلامية التي تصنع محتوى موجه للجزائر من أجل إنتاج أخبار مغلوطة أخبار مفبركة، صناعة محتوى على المقاس يهدف منه إعلان حرب نفسية على الجزائر، وذلك يتجلى في التشكيك بالتاريخ، التشكيك في القيادة، التشكيك في الانتماء الهوية الاخلاق، كلها هذا حملات مسعورة من طرف شركات عملاقة في صناعة الإعلام وصناعة المحتوى، والاعلام الجزائري أصبح في مواجهة يومية، إما التكذيب اما الهجوم أحيانا وأحيانا يصحح الغلطات وهذه هي التحديات الكبرى التي تواجه الاعلام، لأن الاعلام يحمل القيم التي تحملها الدولة الجزائرية، الدفاع عن المستضعفين، نصرة القضايا العادلة، المصداقية، الابتعاد عن الكذب، وهذه القيم أصبحت نادرة في الاعلام الدولي والأجنبي ماعدا الاعلام الجزائري الذي لايزال متمسكا بها.
شبكة علاقات عامة لشركات كبرى تدار بأموال ضخمة وتحاول اختراق الاعلام الجزائري بهذه الأساليب
-
كيف ترون دور الاعلام الوطني في مجابهة هذه الحملات الإعلامية؟
- الاعلام الجزائري أصبح في المواجهة، أصبح وجها لوجه مع شركات عملاقة كبيرة، هذه الشركات تديرها شبكة علاقات عامة لشركات كبرى تدار بأموال ضخمة وتحاول اختراق الاعلام الجزائري عن طريق شراء الذمم، شراء أصوات وأقلام بعض الكتاب بعض الصحفيين، وأحيانا هذه الشركات استطاعت صناعة وجوه إعلامية مفبركة ومزيفة ليس لها مستوى علمي ليس لها خلفية تاريخية او خلفية جامعية وأصبحت مصدر للخبر عن طريق التسريبات، وهذا مانراه اليوم حيث أصبح الكثير من المسؤولين والكثير من الأساتذة والمحللين يعتمدون على هؤلاء المدونين واليوتيبارمن أجل استقصاء أخبار وإعادة اجترارها، وهذا كذلك مشكل كبير يعانيه الاعلام الجزائري، اصبح الاعلام الجزائري في حالة ليست هجومية، وإنما محاولة تصحيح، فبدلا من ان يكون إعلام هجومي أصبح إعلام يصحح الأخطاء، يرد على الاشاعات، ونحن نعيش في زمن الاشاعات خاصة، نفتقد الى الاتصال السياسي المبني على اتصال مؤسسات والناطق الرسمي باسم المؤسسات الذي يزيل الغموض في الكثير من الأحيان، كذلك المال، لأن الاشهار غير كافي لإدارة المؤسسات الإعلامية، وبالتالي على الدولة ان ترافق هذا الاعلام بإنشاء صندوق كما تكلم عليه في القانون وتنشيط وتفعيل سلطات الضبط والمجلس الأعلى لأخلاقيات المهنة حتى يكون هناك تطور في الكم والكيف والأخلاق.
الاعلام الجزائري له محددات من المرجعيات الأساسية التي انطلق منها الاعلام لذلك فهو إعلام سيادي يرفض الهيمنة
-
ماهي محددات بناء إعلام وطني مسؤول واحترافي؟
- الاعلام الجزائري كما قلت في البداية له محددات هذه المحددات تنطلق دائما من المرجعيات الأساسية التي انطلق منها الاعلام، الجزائري هو إعلام مقاوم إعلام يرفض الامبريالية، يرفض الهيمنة والسيطرة إعلام سيادي، يعني السيادة بكل شراسة وفراسة وبالتالي برمجة الاخلاق هذه الاخلاق تتمثل في الابتعاد عن الدعاية، الابتعاد عن الكذب، التحلي بالصدق والمصداقية، قول الحقيقة نصرة المستضعفين، عدم تزييف الواقع، يعني الابتعاد عن التضليل كما تعمل البروباغندا الأجنبية الغربية، فالإعلام الجزائري لديه أخلاق هذه الاخلاق موروثة من الثورة ومن التجربة التي قادت الجزائرية (تجربة العشرية السوداء في مكافحة الإرهاب) تجربة رائدة التي عرفتها الجزائر، لحد الان تقف الى جانب القضية الفلسطينية في حين كل الاعلام الدولي يغض البصر عما يحدث في غزة، لكن الاعلام الجزائري من اولوياته الدفاع عن الصحراء الغربية، الدفاع عن القضية الفلسطينية، الدفاع عن كل القضايا العادلة في العالم، سواءا كان إعلاما عموميا أو خاصا.
الرئيس تبون يعمل على إنشاء إعلام وطني قوي ولديه نظرة واسعة يحترم الصحفيين يقدرهم وقريب منهم
-
رئيس الجمهورية عبر مرارا عن تقديره للصحافة الوطنية، بل وأكد ان لا مستقبل للبلاد دون إعلام قوي. كيف تقرأون هذه الرسالة من زاوية تطوير القطاع الإعلامي وتعزيزه؟
- نعم ، لكن انا أقول لك ان رئيس الجمهورية يعرف الاعلام باعتبار ان لديه خلفية إعلامية، رئيس الجمهورية اشتغل وزيرا للاتصال ويعرف كل القطاع كيف يتمشى، ولديه احتكاك قوي به، الرئيس لديه نظرة واسعة يحترم الصحفيين، يقدرهم وقريب منهم جدا لدرجة ان الكثير من الصحفيين لهم علاقة مباشرة مع رئيس الجمهورية، ويأمل ان يطور الاعلام، انا لمست هذه النية في الكثير من المشاريع الإعلامية التي حاول إطلاقها وحاول ان ينشأ إعلام وطني قوي، قناة الجزائر24، كان يراهن عليها كثيرا ان تصبح من أكبر الشبكات التي تنافس الشبكات العالمية، أعطى اهتماما كبيرا للصحافة باعتباره يأمل بتطوير الصحافة.
مواقع التواصل الاجتماعي خطيرة جدا خاصة في غياب هيئة وطنية لتصحيح الأخبار المغلوطة
-
مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت منصة مفتوحة على كل شيء وبأي طريقة، في تصوركم كيف التعامل مع تحديات البيئة الرقمية لاسيما بالنظر لتأثيراتها على الشباب؟
- مواقع التواصل الاجتماعي خطيرة جدا، حيث أصبح الشباب الجزائري يستهلكها بدون التمييز بين ما هو خاطئ وبينما ما هو نافع او ضار خاصة في غياب هيئة وطنية لتصحيح الأخبار المغلوطة التي يرجع إليها الصحفي او الانسان الباحث أو أي انسان مستهلك لوسائل الاعلام، الكثير من الدول التي أنشأت منصات وأنشأت محتوى خاص بها من أجل الحفاظ على المقومات الوطنية والحفاظ على الهوية الوطنية.
الظهور المذهل للذكاء الاصطناعي سيضع الاعلام الجزائري على المحك
-
في نظركم كيف يمكن للصحافة الوطنية مواكبة وتوظيف التكنولوجيا وتقنيات الذكاء الاصطناعي؟
- توظيف التكنولوجيا ينطلق ابتداءا من ظهور الحاسوب الذي أحدث ثورة في الصحافة العالمية، كذلك ظهور الهاتف الذكي الذي ينطلق من صحافة الموبايل والمسمى بالموجو يعني عرفت ثورة كبيرة منذ ظهور الايفون 5 الذي قلب الموازين في الصحافة حيث أصبح الصحفي لا يحمل كاميرا كبيرة او جهاز تسجيل او ذلك الصحفي الطاقم المعروف، اليوم عن طريق الأجهزة الذكية، أصبح يصور ويعلق ويرسل ويستقبل وهذه ثورة كبيرة، وسائل الاعلام في الجزائر تستعمل ذلك، الظهور المذهل للذكاء الاصطناعي الذي اصبح يكتب، يعطيك معلومات اقتصادية، سياسية، أمنية، ضف الى ذلك صناعة الصورة الأصوات، هذا سيضع الاعلام الجزائري على المحك في ضرب المصداقية، لذلك لابد ان يكون الصحفي والمتلقي كذلك على دراية كبيرة بما سيعمل به الذكاء الاصطناعي.
الاشهار غير كافي لإدارة المؤسسات الإعلامية وبالتالي على الدولة ان ترافق الاعلام بإنشاء صندوق
-
بالنظر إلى التحديات التي تواجهها الصحافة الوطنية اليوم، أصبح التكوين المتخصص والمتواصل ضرورة ملحة، مما يطرح إشكالية العلاقة بين المنظومة الإعلامية ومؤسسات التكوين، كيف يمكن تعزيز هذه العلاقة لضمان تطوير كفاءات الصحفيين ومواكبتهم للتحولات المهنية الراهنة؟
- التكوين ضروري والتشريع الجزائري ينص على ذلك صراحة، على ان تقتطع من الاشهار ومداخيل الجريدة مبالغ مخصصة الى تكوين الصحفيين، تكوين التقنيين تكوين كل من له علاقة بالصحافة، ولكن هذا قليل بالنسبة للصحافة الجزائرية، لاحظت في الجزائر ان رؤساء التحرير ومديري النشر يكتفون بجمع الاشهار، صحيح ان العائدات ليس لها دخل كبير، لكن لا يعطون أهمية للتكوين، التكوين هو أساس كل القنوات في العالم، الجرائد تجد فيها مديرية التكوين او البحث والتكوين وهذا يجعل الصحفي متكون من حيث الاخلاق أي مدونة السلوك ومن حيث المعارف ومن حيث الممارسة، وهذا يسمح بالتطوير الكامل للصحيفة والمؤسسات الإعلامية وكذلك المعلومات التي ينشرها، سواءا في الموقع او في الجريدة او في السمعي البصري.
-
ما تقييمكم للحالة العامة لحالة حرية ورسالة الاعلام على المستوى العالمي؟
- سؤال وجيه حرية الصحافة، على المستوى العالمي تراجعت كثيرا، تراجعت منذ 11 سبتمبر 2001 مع تأسيس القانون الباتريوتيك الأمريكي الذي يقوم بمحاربة الإرهاب، إما ان تكون معي أو أنت ضدي، الاعلام تراجع وأصبح الصحفيون يدخلون السجن، معرضين للقتل ونرى اليوم في غزة كم من صحفي توفي على المباشر بالرصاص الإسرائيلي وبدون تحرك أي ضمير، كذلك الصحافة الاستقصائية الكثير من الصحفيين لقوا حتفهم جراء تحقيقات حول الأموال المنهوبة، حول الدول، أصبحت تجد مأوى للأموال المنهوبة مثل سيشل مثل وثائق بنما مثل التهرب الضريبي وبالتالي مؤشر جد خطير على ان حرية الصحافة تتراجع يوما بعد يوم، وهذا له انعكاس على الدول الأخرى كالدول العربية كالجزائر، لأننا نعيش في بيئة خطيرة جدا، الحدود مشتعلة بين مالي النيجر بوركينا فاسو والمغرب هذا ما يجعل الصحافة تأخذ الحذر وان تتخندق مع الدولة في السياسة الخارجية حتى لا تصطدم بجدار الامن، لأنه في النهاية الحفاظ على مقومات الوطن ومقومات الديموقراطية ومقومات الوحدة الوطنية أحسن من الأصوات المتعالية بدون أي جدوى، لذلك الحرية مربوطة بهذه الأشياء وعلى الصحفيين ان يحترموا الخصوصية الخاصة بالجزائر خاصة في الوقت الحالي، ان يتقصوا الخبر كما هو وان يبتعدوا عن المزايدة وعن المبالغة وان يبتعدوا عن التحليلات العاطفية التي ربما لاتسمن ولا تغني من جوع، ولذلك ليس ما كل ما يعرف يقال، وليس كل خبر يستهل النشر، لأن على الصحفي ان يميز هل الخبر يضر ام ينفع، فإذا كانت فيه منفعة عمومية، خدمة عمومية يرقى الى النشر، أما إذا كان الخبر يزعج أو يقلق أو يقسم الوحدة الوطنية او يضر بالتماسك المجتمعي، يخدش الحياء العام، يمس الرموز الوطنية، يضرب مصالح الدولة الداخلية او الاجنبية لا ينشر، وإذا نشر أكيد سيتعرض صاحبه الى العقاب لأن الصحفي ليس صحفي فوق الجميع هو مواطن بسيط كبقية موظفي الدولة يخضع للرقابة و يخضع للقانون.
أجرت الحوار عسلون فاطمة الزهراء

























مناقشة حول هذا المقال