رابح العرباوي رجل سخر أكثر من ثلاثين سنة من عمرة لخدمة الأرامل والأيتام وارتبط اسمه بجمعية تعتبر من الجمعيات الرائدة في العمل الإنساني والمتخصصة في التكفل بهذه الفئة على المستوى الوطني، جمعية كافل اليتيم، فاستحق بذلك لقب “أبو الايتام”.
في حوار شيق جمعنا بهذه الشخصية المميزة، حاولنا التعرف على مسيرة العمل الخيري والتطوعي في الجزائر من خلاله والوقوف على سر التميز.
جمعية كافل اليتيم من أبرز الجمعيات في الجزائر وأقدمها تأسيسا، قدمت الكثير للأيتام والأرامل، وكسبت مكانة مميزة في هذا المجال، هل يمكنكم تبيين الإرهاصات الأولى للجمعية، والظروف تأسيسها؟
البداية تعود إلى سنة 1988 وبداية الانفتاح السياسي والفكري في الجزائر، حيث كنا مجموعة من التجار والإطارات والأساتذة من ولاية البليدة التقينا في بيتي، فكرنا في مشروع خيري لفائدة الأيتام، وبعدها عقدنا جمعية عامة في جامع الكوثر وبدأ نشاطنا قبل حصولنا على الاعتماد في جانفي 1989، وكنا كثيرا ما نلتقي في المسجد أو في المحل الخاص بي قبل حصولنا على المقر، وفي 2 مارس 1989 نظمنا حفل تأسيس الجمعية في مسجد بن بولعيد بحضور مشايخ وعلماء، وكانت المفاجأة أن حضر رئيس بلدية البليدة وأعلن عن منح الجمعية لمقر في مكان جد استراتيجي أمام جامع البدر في باب السبت، وهناك الفرحة كانت كبيرة، فحصولنا على المقر أعطانا دفعا كبيرا وبدأنا عملنا بتنظيم قوافل مساعدات، وأصبح يطلق على الجمعية “دار الايتام”.
وفي هذه الفترة اكتسبت الجمعية شهرة واسعة وصار المحسنون يقصدوننا، كما أن السلطات المحلية أعطتها احتراما مميزا، ذلك أن الجمعية لم تطالب بمساعدات مالية، بل اعتبرتها إضافة للمجتمع، لأننا رجال أعمال كنا نحن مؤسسي الجمعية ومساهمين فيها، وقوة الدفع كانت ما تعلمناه وقرأناه عن مكانة كافل اليتيم وقول الرسول الكريم “أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة”.
وقد أصبحت الجمعية بديلة عن الأسرة، فالأرملة عادة تصبح مكسورة الجناح بعد موت زوجها، والكثير من الأمهات ممن عانيين مع أولادهن وجدن في الجمعية الأمان والاستقرار لأطفالهن، وكن دائما يسألن هل تكملون المسيرة معنا أم تتركوننا في منتصف الطريق، وهذا ما حفزنا دائما للعطاء وإيجاد أحسن السبل للتكفل بهذه الفئة.
الجمعية تتواجد على المستوى الوطني، هل يمكنكم اطلاعنا على سبب هذا الانتشار الواسع، وكيف انتقلت من جمعية ولائية إلى جمعية وطنية ؟
منذ نشأة الجمعية كانت لنا إدارة وتنظيم كمؤسسة، ومع توسع نشاطاتنا كسبنا ثقة الناس والسلطات، فهذه الثقة جعلت الجمعية يذيع صيتها وتنتشر سمعتها حتى خارج ولاية البليدة، ولاحظنا ما يعانيه الأيتام في الولايات النائية وخاصة مع ازدياد الأيتام بسبب العشرية السوداء، وهنا جاءتنا فكرة توسيع مجال نشاطنا وفكرنا في أن نتحول من جمعية ولائية الى جمعية وطنية.
ففي سنة 2006 تم تأسيس الجمعية بصبغتها الوطنية وتوسيع المكتب الولائي، ولكن لم نتحصل على الاعتماد إلا سنة2011 واليوم وبفضل الله بلغنا 54 ولاية تم تنصيبها، و1200 مكتب بلدي.
لكم عدة مشاريع ، ورؤية في هذا المجال من خلال البرامج التي تقدمونها، هل يمكنكم الحديث عنها؟
عمل الجمعية لا يقتصر على المناسبات فحسب فاليتيم لا يحتاج قفة فقط، بل يحتاج تكفل تام، وهنا عملنا من خلال عدة برامج للتكفل بتكاليف العلاج والدراسة، كما عملنا منذ سنوات على تنظيم مخيمات للأيتام أحيانا يتجاوز عددها 300 طفل ويكون هذا الفضاء الترفيهي بمثابة علاج نفسي، كما تملك الجمعية مركز رعاية نفسية وصحية للأيتام في بني مراد أنشأناه باتفاقية مع وزارة التضامن، يشرف عليه أطباء ونفسانيون، يستقطب الكثير من الأيتام والأرامل لتقديم الرعاية النفسية ومرافقتهم، لأن اليتيم يشعر دائما أنه يعاني نقصا أو إعاقة لذا ركزنا على المرافقة النفسية .
كما بادرت الجمعية ومنذ تأسيسها الى الكثير من المشاريع منها خاصة بالأرملة المنتجة، من خلال خلق ورشات للحرف التقليدية تستفيد منها أرامل وقد نجحنا إلى بعيد في هذا المشروع، وهناك من الأرامل من تحسن وضعها الاجتماعي وأصبحت تساهم في دعم الجمعية كمحسنة، إضافة إلى المنح التي خصصت للطلبة ومبادرة الكفالة المالية التي تحول مباشرة إلى الحساب البريدي للأرملة كل شهر، والتي نسعى إلى تعميمها حفاظا على كرامتها، واليوم تتتكفل الجمعية ب200 ألف يتيم عبر التراب الوطني.
أفكار الجمعية مستوحاة من ديننا الحنيف لذا فالتكفل لا يقتصرعلى الجانب المادي والنفسي، فحتى الجانب الرياضي أعطيناه حقه، فالنوادي الرياضية موجودة على مستوى كل الولايات، ونظمنا كأس الجمهورية لليتيم في اختصاص كرة القدم يتنافس عليها من كل الولايات واليوم نشرف على الطبعة الخامسة في ولاية سطيف، بالإضافة إلى رياضات وإختصاصات أخرى.
لدينا مشروع البنك الغذائي المعمول به في أوروبا ليتم من خلاله تمويل الأسر الفقيرة بصفة مستمرة، ومشروع أكاديمية الريادة للتكوين والتدريب، ومشروع الكفالة المدرسية والصحية ومشاريع أخرى نسعى لتحقيقها مستقبلا.
نتحدث عن رابح العرباوي المعروف في ساحة العمل الخيري كرائد في هذا المجال يحظى بسمعة طيبة، هل لكم أن تطلعنا على خلاصة تجربة دامت أكثر من ثلاثين سنة في مجال العمل التطوعي والانساني؟
المسؤولية تكليف وليست تشريف، لأن المسؤولية أمام هذه الفئة من المجتمع صعبة جدا لأننا التزمنا برعاية الأيتام وأحيانا كثيرة لنوفي بما علينا، التضحية بمجهودنا ومالنا ووقتنا، فالزعامة لا أعترف بها في ميدان العمل الخيري لأننا في تجارة مع الله سبحانه وتعالى دائما نشعر بالنقص وأننا لم نقدم إلا القليل، ولكن ما نكسبه من هذا العمل هو الراحة النفسية والسعادة التي لا يشعر بها إلا من آمن بالعمل الخيري وسخر حياته له، لذا فالتوفيق من الله.
فجمعية كافل اليتيم اليوم وصلت إلى ما كنا نطمح إليه واليوم نفكر في المحافظة على هذه المكانة التي اكتسبتها في المجتمع الجزائري، فطريقة عملنا كانت مرتكزة على الصبر والحكمة والإخلاص والشفافية المطلقة في التسيير.
العمل الخيري في الجزائر لم يعرف طريق التنظيم الجمعوي إلا بعد دستور 1989، كيف تقيمون هذه المسيرة، وهل وصل العمل الخيري إلى المستوى الاحترافي المطلوب؟
لا يزال عمل أغلب الجمعيات مبني على العاطفة والعفوية أو قضية شخصية، ولكن النظرة الاحترافية التي تقود عمل الجمعية إلى تقديم العطاء الذي يسد حاجيات المحتاج لم تتبلور بعد، لأن عنصر التكوين غائب.
فالجمعيات منذ سنوات وهي تقدم المساعدات، وهنا نقول هل نفت الفقر والعوز على العائلات، ونفس الكلام ينطبق على السلطات، لذا أرى أن غياب إستراتيجية واضحة المعالم، أبقى المجتمع المدني على ماهو عليه، لذا عليه أن يرسم خط واضح وهو إخراج اليتيم والفقير من العوز والحاجة إلى الغني والعطاء.
لذا أظن أنه يجب أن تكون شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع المدني ليؤدي فعلا الدور المنوط به، وعلى الجمعيات أن تتكون وتخضع للتدريب لتحسين أدائها، لأن العمل الخيري مسؤولية كبيرة، وفي هذا السياق نحاول زرع ثقافة التطوع خاصة في مجال كفالة اليتيم لأن المسؤولية تتعاظم، وقد سطرنا مشروع أكاديمية الريادة لتكوين الإطارات في الجمعية وهو مفتوح للجمعيات الأخرى، وللنهوض بالعمل التطوعي وضمان ديمومته علينا الاعتماد على التوظيف .
المجتمع المدني وحسب الإجراءات التي اتخذتها السلطة في الفترة الأخيرة، جد مشجعة، كيف ترون نجاعة هذه القرارات للنهوض بالعمل الخيري والتطوعي؟
ما لاحظته للأسف هناك سباق محموم وتنافس بين الكثير من الجمعيات التي لم تقدم شيئا للمجتمع وعملها لا يوثقه الميدان، وهنا أظن أن الاعلام أحيانا يضخم عمل بعض الجمعيات على حساب أخرى، لذا فعلى السلطات أن تنصف عمل الجمعيات من خلال ما تقدمه من برامج ميدانية وليس من خلال ما تظهره وسائل الاعلام، وأن تكون هناك غربلة للمجتمع المدني من الجمعيات الانتهازية .
وفيما يخص المرصد الوطني للمجتمع المدني يجب أن يمثل حقا كل الأطياف الموجودة في المجتمع الجزائري .
كلمة أخيرة توجهونها للشباب؟
أقول للشباب أن العمل الخيري هو المخرج المشرف من هذه الدنيا فخير الناس أنفعهم للناس والإنسان السعيد هو من يلجا إليه الآخرون لقضاء حوائجهم، لأن العمل الخيري يشعر الفرد براحة لا مثيل لها وبركة في المال والأولاد وأدعوهم أن لا يستهينوا بهذا المجال، بل عليهم الانضمام الى الجمعيات والاعتماد على الصدق في العمل، فالمجتمع الغربي طور بلاده بالمجتمع المدني وعلينا أن نحذو حذوه في هذا المجال.
أجرت الحوار زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال