حوار
الجزء الثاني والأخير
“جئت بخطة متطورة لإنعاش ألعاب القوى في الجزائر لكن الأبواب صدت في وجهي وسأعود إلى كاليفورنيا“
“شقيقي نور الدين كان الرقم واحد عالميا في اختصاصه من 1990 إلى 1996”
“رياضيونا لم يحضروا جيدا للمحفل الأولمبي ولست متفائلا بتتويج أحد منهم”
“في 2004 تلقيت عرضا للعمل كمدرب للمسافات نصف الطويلة بجامعة Riverside City College بكاليفورنيا”
بعد الجزء الأول الذي نشر في عدد الخميس، ها هو المدرب عبد الرحمن مرسلي، شقيق البطل الأولمبي الجزائري نور الدين، يتحدث عن أمور أخرى نترككم تطالعونها في هذا الجزء الثاني والأخير من الحوار…
قلت أنك تنازلت عن منحتك لشقيقك، فكيف كانت بداية مشوارك في كاليفورنيا؟
بعد أن اعتزلت المنافسات، كانت بداية مسيرتي التدريبية، مع شقيقي نور الدين والذي كان في نقطة البداية نحو النجومية، الأمر الذي جعلني أركز على تدريبه، خاصة وأني لمست فيه إرادة كبيرة للعمل ولاحظت أن لديه الرغبة والامكانيات ليصبح نجما في عالم ألعاب القوى، فقررت أن أعبد له طريق التتويجات، وأرافقه خاصة وأن أي رياضي يحتاج لمتابعة المدرب الذي يعكف على مراقبته ويضع خطة محكمة لتمكينه من الوصول للهدف المنشود، وكانت أول زيارة لي لأميركا في سنة 1989، وبعد أن حصل شقيقي نور الدين على منحة لمتابعة دراسته في Riverside City College بكاليفورنيا، كنت أسافر لزيارته والاطلاع على تقدم تحضيراته والوقوف على مدى تطبيقه للتعليمات، وعندما سطع نجم أخي أولمبيا وعالميا في المسافات المتوسطة، بدأت عروض التدريب تتساقط علي، خاصة وأن الدول المتطورة تهتم بالخبرة وتسعى للاستفادة من نجاحات الآخرين، وتعمل على الاستثمار في القدرات البشرية.
وفي سنة 2004 تلقيت عرضا للعمل كمدرب للمسافات نصف الطويلة بالجامعة ذاتها، وبالإضافة إلى التدريب، أُوكلت لي مهمة البحث عن المواهب الأمريكية في العدو لتكوينها وتحضيرها للمشاركة في المنافسات العالمية، ومازلت ليومنا أشغل منصب مدرب في هذه الجامعة التي وفرت لنا كل الامكانيات لتحقيق النجومية، وتم اعتماد خطتي في التدريب وأطلق عليها “خطة مرسلي”.
“خطة مرسلي”؟؟؟… هل يمكن أن تشرح لنا الأمر؟
نعم، اعتمدت الجامعة الأمريكية خطتي في التدريب، وأطلقت عليها تسمية “خطة مرسلي”، وهي الآن تدرس في الجامعة كمنهج تدريبي في ألعاب القوى تخصص المسافات نصف الطويلة، لو تراجعين تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في المنافسات العالمية والأولمبية تجدين أنها تحتكر دائما حصة الأسد من الميداليات الذهبية وفي مختلف الألوان ضمن أغلب المنافسات الدولية والاستحقاقات الرياضية الكبرى، إن لم نقل في جميعها، وتتبوأ المراكز الأولى في جدول النتائج النهائي، وهذا الأمر لم يأت من فراغ، هناك تلمس جدية في اتباع استراتيجيات وخطط علمية مدروسة في المجال الرياضي، وإذا كانت لديك أفكارا وطرقا للعمل ومنهجية مدروسة فإنهم يفتحون لك جميع الأبواب ويوفرون لك كل الإمكانيات والدعم المادي والمعنوي لتطبيق خطتك، ويوفرون لك شروط النجاح، وهذا ما حدث معي.
كنت انتظر البطولات العالمية لألعاب القوى والألعاب الأولمبية لأرى العدائين الذين أشرف على تدريبهم يحققون مراتب مشرفة، لا يمكن أن أنسى الفرحة التي تغمرني عندما يحققون الفوز، وهنا أتذكر السعادة التي أحسست بها عندما تمكن أخي من التتويج في الأولمبياد، وأهدى الوطن الذهب في منافسات عالمية كبرى، وتمكن من إسعاد الجزائريين وأدخل الفرحة في قلوب الملايين، هو إحساس رائع لا يمكن وصفه.
وماذا عن شقيقك نورالدين، هل ممكن أن تمنحنا الوصفة التي مكنته من كتابة اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ ألعاب القوى؟
حتى بالنسبة لشقيقي بعد أن سطع نجمه في عالم السباقات، تنافست عليه أكبر الشركات العالمية ولم يعد يعتمد فقط على منحة الجامعة، بعد أن أمضى عقد رعاية مع شركتي “نايك” و”أديداس”، وهذا ما جعله يعمل في ظروف جيدة جدا، حيث كانت توفر له كل الإمكانيات المادية للتدريب، سواء في الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى وكان يسافر إلى مرتفعات سويسرا والمكسيك ودول أخرى تتميز بعلو مرتفعاتها، ويقوم بتحضيرات مكثفة، وعندما خسر في أولمبياد برشلونة 1992 حيث حل في المركز السابع بعد تعرضه لإصابة، قرر أن يعوض ذلك وجرى تحضيرا لأولمبياد أطلنطا مسافة 30.000 كلم في 4 سنوات، في ارتفاعات تصل إلى 3300 متر، سر نجاح أخي هو المثابرة والاجتهاد، والالتزام بتطبيق برنامج التدريب بكل مراحله، وتمكن من جني ثمار العمل المكثف، وهنا أؤكد لكم بأنه “من جد وجد ومن زرع حصد”، تحصل أخي على بطل العالم 4 مرات بطل، بطل أولمبي مرة، كما تمكن من تحطيم 7 أرقام قياسية عالمية، وهذه الحصيلة الإيجابية لم يتمكن أن يحرزها أي رياضي جزائري سابق في تخصصه، ومن سنة 1990 إلى سنة 1996 كان الرقم 01 عالميا في هذا التخصص.

ماذا عن المشروع الرياضي الذي جلبته رفقة شقيقك إلى الجزائر؟
نعم، حاولنا أنا وأخي أن نطبق التجربة الرياضية الأمريكية الناجحة في الجزائر، وفي سنة 2013 جئنا بمشروع رياضي من كاليفورنيا، التي خاضت في جامعتها ومراكزها الرياضية، تجربة في مجال التدريب الخاص بألعاب القوى، نقلنا مشروع كبير يهدف إلى منح دفع قوي للرياضة الجزائرية في كل اختصاصاتها تعتمد على استراتيجية مبنية على المديين البعيد والقصير بدون حرق المراحل، حيث أن النجاح في رياضة ألعاب القوى يتطلب وقتا طويلا، لاسيما وأن الرياضة عرفت ركودا كبيرا في الوطن، صراحة، كنا بصدد إعداد مخطط جديد لا يمس ألعاب القوى، بل جميع التخصصات الرياضية. بالنسبة لي كان يهمني كثيرا نجاح فرع ألعاب القوى، بعدما صدمت بالحال التي وجدتها عليه عند عودتي من الولايات المتحدة. لا أدري الآن هل بوسع الاتحادية الجديدة تحقيق النجاح في مهمتها في ظل تشتت الأطراف التي كانت وراء تطور هذا الفرع على المستويين الوطني والدولي، طبعا أي مشروع تريد الاتحادية تجسيده على أرض الواقع، يتطلب مساعدة مادية ومعنوية قوية من السلطات العمومية المكلفة بالرياضة، وهذا الجانب، للأسف الشديد، مفقود إلى حد الآن، وهو ما يجعلني غير متفائل بنهوض فروع ألعاب القوى في المستقبل القريب.
يتضمن المشروع تطوير الهياكل الرياضية أيضا فالبنى التحتية مهمة جدا في تطوير القطاع الرياضي، حيث احتوى المشروع على تأسيس أربعة (04) مراكز للتحضير في الوسط، الشرق، الغرب والجنوب، حيث لا نقسي أية جهة من الوطن، وتكون ملائمة للمعايير الدولية وتحتوي وسائل تحضير متطورة، حيث تعتمد المرحلة الثانية من المشروع على جلب الخبرات الأجنبية للاستفادة من البرامج العلمية الرياضية، فلا يمكننا أن نجلب خبراء رياضيين عالميين ونضعهم في المراكز التي نملكها ففي الدول المتطورة مراكز التحضير تكون بنفس خدمات فندق 5 نجوم، وهذا غير متوفر في بلادنا للأسف الشديد.

ماذا قررت في هذا الشأن هل ستواصل الدفاع عن مشروعك؟
لا، مستحيل، عندما تحمل رسالة ومخطط عمل طموح لخدمة وطنك ثم تجد العراقيل في وجهك، ولا تجد حتى من يشجعك ويأخذ بيدك، فستتحطم معنويا، وتفقد الشحنة الإيجابية التي كنت تحملها بداخلك، من المنتظر أن أعود من حيث أتيت، سأسافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية قريبا، حيث ينتظرني منصبي كمدرب في ألعاب القوى وهي التجربة التي أريد العودة إليها من جديد، أين يتم توفير كل الإمكانيات من منشآت وعتاد رياضي في شتى الاختصاصات، لاسيما في مجال ألعاب القوى، حيث يعمل المدرب في أحسن الظروف، سأعكف على تحضير وتدريب مجموعة من الرياضيين من مختلف الجنسيات، وهم عادة طلبة يدرسون في الجامعة، وأنا مستعد لاستقبال رياضيين جزائريين في ألعاب القوى، من أجل مساعدتهم بقدر المستطاع.
في الأخير، كيف تقيم حظوظ البعثة الجزائرية في أولمبياد طوكيو؟
أعلم أنكم ستتفاجؤون بجوابي، لكني الحقيقة تقال، ليس لدينا حظوظ في التتويج في أولمبياد طوكيو، بالنظر إلى مستوى التحضيرات التي أجريت، والتي لا تستجيب لمتطلبات الحدث الأولمبي، فحدث أولمبي يشارك فيه رياضيو النخبة من نجوم العالم، يستدعي التحضير بكثافة وعلى المستوى العالي، لكن ما لاحظته أننا لم نقم بما يجب، لذا لا يمكننا أن نطالب الرياضيين بالتتويج.
أتمنى من قلبي أن يتم إعادة النظر في البرامج التحضيرية لرياضيي النخبة في الجزائر، الدليل أن كل الرياضيين الجزائريين الذين توجوا في فترة التسعينات تلقوا الدراسة والتدريب في الجامعة الأمريكية، لذا علينا أن نراجع المخطط الرياضي في الجزائر ويجب أن نعمل على المدى البعيد، من خلال اكتشاف المواهب وسقلها عن طريق توفير الإمكانيات اللازمة.
أجرت الحوار: كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال