في أجواء ثقافية ثرية تجمع بين الكتاب والهوية الوطنية، احتضنت قاعة آسيا جبار، أمس، في معرض الجزائر الدولي للكتاب “سيلا 2025” ندوة علمية تناولت موضوعًا بالغ الأهمية حول “الرموز الوطنية في أدب الطفل”.
وشارك في هذه الفعالية نخبة من الأكاديميين، الكتّاب، والمختصين في التربية والثقافة، بهدف تسليط الضوء على الدور الحيوي للأدب الموجّه للطفل في ترسيخ قيم الانتماء والوعي بالتاريخ الوطني، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى محتوى تربوي هادف يستجيب لتحديات العصر.
الكتاب… جسر الهوية بين الطفل والوطن
وأجمع المتدخلون على أن أدب الطفل ليس مجرد ترف فكري، بل هو وسيلة لبناء مواطن الغد، إذ تُعدّ القصة، المسرحية، والكتاب المصوّر أدوات فعّالة لتشكيل وجدان الطفل وتعريفه برموزه الوطنية، من الشهداء والعلماء إلى المعالم التاريخية والثقافية.
وقد رُكّز في الندوة على أنّ غياب الكتاب من حياة الأسرة والمدرسة الجزائرية ساهم في تعزيز رغبة الاكتشاف عند الطفل بينه وبين تراثه وهويته، ما يستدعي مبادرات جادة لإعادة الاعتبار للقراءة.
مدينة القراءة… حلم جمعية يتحول إلى مشروع وطني
وتصريح خصت به جريدة “عالم الأهداف”، قدمت الدكتورة خيرة سلسبيل بخاري، رئيسة جمعية “اقرأ وارتقِ” بولاية سيدي بلعباس، تجربة ملهمة بعنوان “مدينة القراءة”، وهو مشروع يسعى إلى جعل فعل المطالعة أسلوب حياة لدى الأطفال، عبر فضاءات قرائية ومسابقات وأنشطة تربوية ميدانية.
وقالت بخاري إن المشروع، الذي انطلق في المدارس والمكتبات العمومية، حظي بإشادة واسعة بعد تتويجه في مسابقة وزارة التربية الوطنية ضمن مبادرة “Edu Challenge 2025″، مؤكدة أنه تحوّل من فكرة محلية إلى مبادرة ذات طابع وطني بعد عرضه على وزارتي التربية والثقافة لاعتماده وتعميمه في مختلف ولايات الوطن.
وأضافت أن فلسفة المشروع تقوم على تحفيز الطفل على التعلم الذاتي، وإكسابه مهارات البحث، الفهم، والتحليل، من خلال أنشطة قراءة موجهة تراعي خصوصيات مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي.
وأوضحت أنّ المدرسة الجزائرية بحاجة إلى وسائل جديدة تعيد للطفل شغفه بالكتاب، وتقدّم الرموز الوطنية في صورة ملهمة بعيدة عن التلقين الجاف.
من “القارئ المتميز” إلى صناعة القدوة
وحسب محدثتنا فإنه لم يكن مشروع “القارئ المتميز” وليد اللحظة، بل هو حصيلة سنوات من العمل التطوعي والميداني، حيث نظمت الجمعية بطولات سنوية للقراءة شارك فيها أطفال من مختلف ولايات الوطن، وحققت نجاحات وطنية ودولية.
وأشارت بخاري إلى أن البرنامج لم يبقَ نظريًا، بل تم تجسيده عبر فيديوهات ونماذج حقيقية لأطفال وصلوا إلى مستويات عالية من الفهم والتحليل، ما جعل المشروع يُعترف به في مسابقات عربية ودولية.
وتابعت: “إذا قرأ الطفل قراءة واعية، فإنه يبني شخصيته، يفهم رموزه الوطنية، ويصبح قادرًا على تمثيل الجزائر في المحافل الدولية، سواء كان طبيبًا، طيارًا، أو مهندسًا”.
كما قدمت الجمعية نموذج “حقيبة القارئ المتميز” إلى وزارة الثقافة والفنون، ضمن مبادرات “تحدي القراءة الصيفي”، بهدف إشراك الأطفال الجزائريين في مسابقات إقليمية ودولية، وإثبات أن “الجزائر تقرأ”، رغم كل الصعوبات، وفق ما أكدته لنا رئيسة الجمعية.
تكنولوجيا القراءة… بين الفرصة والتحدي
وفي سياق حديثها عن العصر الرقمي، كشفت بخاري عن إطلاق تطبيق إلكتروني بعنوان “اقرأ معنا”، يسمح للأطفال بتحميل الكتب والتفاعل معها بطريقة رقمية ممتعة، كما أعلنت عن مبادرة “الكتاب يتحدث بالذكاء الاصطناعي”، التي تعتمد على تحويل القصص إلى محتوى صوتي ومرئي تفاعلي.
ورغم الإشادة بالإمكانات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، حذّرت بخاري من الاعتماد عليه دون رقابة، مشددة على أن بعض التطبيقات قد تتضمن محتويات تمس بالدين أو الهوية الوطنية، وقالت بهذا الخصوص: “الرموز الوطنية خط أحمر، ولا يجوز تقديمها للأطفال خارج سياق تربوي يحترم قيم المجتمع”.
وأكدت في ختام تصريحها أن “الطفل الجزائري قادر على الإبداع إذا وجد من يوجهه ويرافقه”، داعية إلى تعزيز الخطاب الإيجابي والثقة في قدرات الجيل الجديد.
غياب سياسة وطنية لأدب الطفل… أزمة رؤية لا أزمة إمكانيات
ومن جهته، طرح الدكتور سعيد علي بوهون إشكالية غياب سياسة ثقافية واضحة تُعنى بأدب الطفل في الجزائر، معتبرًا أن الجهود الحالية فردية وموسمية ولا ترقى إلى مستوى المشروع الوطني الشامل.
وأوضح أن الإنتاج الموجه للأطفال غالبًا ما يفتقر إلى الهوية الوطنية، المرجعية الفكرية، والأهداف التربوية، متسائلًا عن غياب هيئة رسمية تتكفل بثقافة الطفل، رغم حجم التحديات التي تفرضها العولمة الرقمية.
ودعا بوهون إلى إنشاء مجلس وطني أو مرصد لثقافة الطفل يتولى وضع استراتيجية شاملة للإنتاج الأدبي والفني، تدريب الكتاب، دعم المواهب، وتثمين الرموز الوطنية بصورة تتوافق مع خصوصيات الطفل الجزائري.
بين الرموز الثورية والعلمية… نحو تنويع القدوة
وانتقد الدكتور بوهون اختزال الرموز الوطنية في الأبطال الثوريين والعسكريين فقط، مع إغفال رموز العلم، الفكر، والفن، مؤكداً أن هذا الاختزال يؤدي إلى تقديم صورة ناقصة للطفل عن وطنه، بينما يحتاج الطفل إلى نماذج متنوعة تلهم خياله وتمنحه الأمل.
وأشار إلى أن بعض الأعمال الموجهة للطفل تحوّلت إلى سرد تاريخي جاف، يفتقد للخيال والأسلوب المشوق، داعيًا الكتّاب إلى فهم نفسية الطفل ومراحل نموه، واستعمال القصة، المسرح، الرسوم المتحركة، واللعب التربوي في تقديم الرموز الوطنية.
كما أوضح أن الطفل في مرحلة 8–12 سنة يبحث عن بطل وقدوة، يتفاعل معه وجدانيًا، ويفرح بانتصاراته ويحزن لإخفاقاته، ما يجعل الرموز الوطنية أداة فعالة لغرس قيم الانتماء إذا قُدمت بأسلوب إنساني مؤثر.
طفل اليوم… بين الكتاب وديزني
انتقد المتحدث تمسك بعض المؤسسات الثقافية بالوسائط التقليدية فقط، في وقت يعيش فيه الطفل وسط عالم رقمي يعتمد على الألعاب الإلكترونية، منصات الفيديو، والشركات العالمية مثل “ديزني”، التي تنتج محتويات وفق دراسات نفسية واجتماعية دقيقة، وتروّج لقيم استهلاكية وفردانية أحيانًا تتعارض مع الهوية الوطنية.
وأكد أن الإنتاج المحلي ما يزال ضعيفًا من حيث التقنيات، الإخراج، والجاذبية البصرية، داعيًا إلى الاستثمار في صناعة محتوى جزائري منافس، يجمع بين جمالية الصورة وصدق الرسالة.
كما حذّر من ظاهرة “الكاتب التاجر”، الذي ينظر إلى كتب الأطفال باعتبارها مصدرًا للربح فقط، ما يؤدي إلى نصوص سطحية مليئة بالأخطاء، تُسهم في تضييع هوية الطفل وتشويه ذائقته الأدبية.
استثمار يبدأ من الطفل… وهوية تُبنى بالثقافة
وفي ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من الطفل، وأن بناء هوية وطنية متينة يتطلب مشروعًا ثقافيًا متكاملاً تدعمه الدولة، الأسرة، والمدرسة.
وأكدوا أن الطفل الجزائري قادر على القيادة والإبداع إذا تم تقديم الرموز الوطنية بأسلوب يتوافق مع وجدانه، بعيدًا عن التلقين والخطاب السلبي، مؤمنين بأن الجزائر بخير ما دامت تحتفي بالكتاب والعلم.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال