في خطوة نوعية تهدف إلى تحسين جودة التكوين المهني وتعزيز مواءمته مع تطلعات الشباب ومتطلبات سوق العمل، أعلنت وزارة التكوين والتعليم المهنيين اليوم عن اطلاقها لاستطلاع وطني إلكتروني، موجه خصيصًا إلى فئة المتكونين والمتكونات عبر كامل التراب الوطني.
وحسب بيان نشرته الوزارة، الاستطلاع، الذي وُصف بأنه الأكبر من نوعه في قطاع التكوين المهني، جاء ليستمع مباشرة لصوت المتكونين، ويُشركهم في صياغة مستقبل منظومة التكوين.
حيث شارك في هذا المسح 2691 متكونًا ومتكونة، موزعين على 58 ولاية، شكلوا عينة تمثيلية مدروسة بدقة علمية.
واعتمدت الوزارة في إعداد هذا الاستطلاع على منهجية علمية دقيقة، تمثلت في استبيان إلكتروني شامل تضمن 150 سؤالاً يغطي مختلف الجوانب المرتبطة بالتكوين، من جودة التأطير إلى المناهج، مرورًا بالظروف البيداغوجية واللوجستية، وصولاً إلى مدى تماشي التخصصات مع حاجيات سوق الشغل.
وحسب ذات البيان، أكدت الوزارة أن الهدف من هذا المسح لا يقتصر على قياس مستوى الرضا، بل يتعداه إلى بناء تصور واقعي حول تطلعات المتكونين، ما من شأنه أن يسمح بتصميم عروض تكوين أكثر ملاءمة، وأكثر فعالية.
وأشارت إلى أن نتائج هذا الاستطلاع ستكون حجر الأساس في رسم السياسات الجديدة للقطاع، كما أعلنت الوزارة أنه سيتم نشر تقرير تفصيلي في القريب العاجل، يتضمن تحليلاً معمقًا للبيانات وتوصيات عملية لتحسين الأداء التكويني.
مؤشرات إيجابية بارزة في قطاع التكوين
لقد أظهرت البيانات الإحصائية الأولية للاستطلاع، أن نسبة مشاركة الإناث فاقت الذكور، حيث بلغت 56.7% مقابل 43.3% للذكور، ما يعكس إقبالاً متزايدًا للنساء على التكوين المهني كخيار استراتيجي لبناء المستقبل.
كما أظهرت النتائج أن 84.9% من المتكوّنين وصفوا بيئة التكوين بالمحفّزة والآمنة، مؤكدين أنهم لم يتعرضوا لأي شكل من أشكال العنف أو المضايقات داخل المؤسسات، ما يدل على أجواء يسودها الاحترام والطمأنينة، ويُعد هذا المؤشر من أبرز نقاط القوة التي تضمن راحة واستقرار المتكوّن.
كشف الاستطلاع أن 71% من المتكوّنين راضون أو راضون جدًا عن تجربتهم داخل مراكز التكوين، فيما قال 58% إنهم ينصحون بالتكوين المهني دون تردد. هذا المستوى من الرضا يعكس تحسنا في نوعية البرامج التكوينية، وكفاءة الإطارات البيداغوجية، وكذلك تطور وسائل العمل والتجهيزات داخل المراكز.
في ذات السياق أشار 81.5% من المتكوّنين إلى وجود علاقات ممتازة مع المكوّنين، وهو مؤشر يعزز من فعالية العملية التكوينية وجودة التواصل داخل المؤسسة.
من أبرز مؤشرات النجاح التي سجلها الاستطلاع، نجد أن أكثر من نصف المتكوّنين (55.9%) ينوون مباشرة الاندماج المهني فور تخرجهم، وهو ما يدل على إدراك الشباب لأهمية التكوين التطبيقي، ومردوده العملي في إيجاد فرصة عمل دون انتظار طويل.
وهو المعطى الذي يتماشى مع التوجهات الحكومية الرامية لربط التكوين بسوق العمل، من خلال إقامة شراكات مع المؤسسات الاقتصادية، وتشجيع التخصصات ذات الطلب العالي في السوق.
أشار الاستطلاع إلى أن 47.2% من المتكوّنين يطمحون إلى نيل شهادة التقني السامي، مما يعكس إرادة واضحة لدى فئة واسعة من المتكوّنين لمواصلة مشوارهم المهني والعلمي، وعدم الاكتفاء بمستوى تقني فقط.
في ظل التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها الجزائر، يسجّل قطاع التكوين والتعليم المهنيين نقاطًا جديدة تعزّز مكانته كركيزة استراتيجية للتشغيل ومحاربة البطالة، خاصة لدى فئة الشباب، نتائج الاستطلاع جاءت لتؤكد هذا التوجه، من خلال مؤشرات إيجابية شاملة، أبرزها ارتفاع نسبة الرضا، توفر بيئة تكوينية محفزة، وتزايد التوجه نحو الإدماج المهني.
هذا المسح يمثل، في جوهره، تحولا في طريقة إدارة القطاع، من منطق الفوقية إلى منطق الإنصات والمشاركة، حيث أصبح صوت المتكونين أداة مركزية في توجيه القرار العمومي، ورسم معالم منظومة تكوينية تتماشى مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة.
تكشف نتائج هذا الاستطلاع عن نظرة جديدة لدى الشباب الجزائري تجاه التكوين المهني، الذي أصبح خيارًا استراتيجيًا يلبّي طموحاتهم في التوظيف والتخصص، ويضمن لهم محيطا مهنيا آمنا ومحترما، وهو ما يشكل أرضية خصبة لمواصلة الإصلاحات وتطوير المناهج وربط التكوين أكثر فأكثر بواقع سوق العمل ومتطلباته المتغيرة.
تكشف هذه المؤشرات عن تحولات ملموسة في نظرة الشباب الجزائري إلى التكوين المهني، حيث لم يعد مجرد بديل، بل خيار استراتيجي يحظى بالرضا والثقة، وهو ما يعزز من أهمية مواصلة تحسين المناهج والبرامج، وتعزيز الشراكات مع سوق الشغل لضمان إدماج فعّال ومستدام.
من جهة أخرى، يأتي هذا الاستطلاع في ظرفية خاصة يمكن أن تساهم في توجيه التلاميذ الراسبين في شهادة البكالوريا، لا سيما أولئك المترددين بين إعادة اجتياز الامتحان أو التوجه نحو التكوين المهني، كما يستهدف الأشخاص الذين يرون في الرسوب نهاية الطريق، في حين أن التكوين المهني يفتح أمامهم آفاقًا واعدة للاندماج في سوق العمل، من خلال مسارات بديلة وواقعية خارج الإطار الجامعي التقليدي.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال