الأستاذ سيد علي دعاس، ارتبط اسمه بمناهج التربية الإسلامية في البرنامج الدراسي، شغل منصب مفتش للتربية الوطنية ومفتش مركزي بالمفتشية العامة لوزارة التربية الوطنية، تقلد عدة مسؤوليات في مجال التربية والتكوين في مسار تربوي ثري وخبرة بأكثر من 30 سنة في مجال تأليف الكتب الرسمية، يومية “عالم الأهداف” استضافته بمقرها، وكان لنا معه هذا الحوار الثري…
“الشيخ الغزالي كان له الأثر الكبير في تحديد مساري”
الأستاذ دعاس كاتب وخبير تربوي، حدثنا عن هذا المسار في أبرز المحطات التي صبغت تجربتكم؟
أنا خريج المدرسة العليا للأساتذة، التحقت بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية سنة 1984، وكان لي الشرف أن كنت من التلاميذ الأوائل للشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه، الذي كان له الأثر الكبير في تحديد مساري الفكري، من خلال المحاضرات والدروس التي كان يقدمها.
في تلك الفترة كنا شبابا وكان يميزنا الحماس خاصة مع بداية الصحوة الإسلامية في الجزائر، وربما لو لم نتعلم على يد الشيخ الغزالي لكنا ضحية التهور والاندفاع، فتعلمنا على يده الإسلام الوسطي والاعتدال والتفكير بعمق وروية قبل أي تصرف، وأن كل تسرع لا يفيد الأمة الاسلامية فهذه المحطة أعتبرها مهمة جدا.
وفي سنتي الثانية جامعي، فتحت جامعة الأمير عبد القادر مسابقة الماجستير لفروع أخرى، وقد كان نصيب هذه الفروع الشيخ الغزالي ليدرسها على حساب أقسام الليسانس، حينها قمنا باحتجاج من أجل إعادة الشيخ الغزالي لتدريسنا، ولأن الجامعة لم تلبي رغبتنا، طلبنا تحويلنا إلى المعهد العالي لأصول الدين بالجامعة المركزية، وواصلت دراستي إلى غاية سنة 1988 وتخرجت بشهادة ليسانس في التعليم، تخصص شريعة وأصول الفقه.
بعد تخرجي وجدت صعوبة في إيجاد منصب عمل، ففي الغالب كانت مادة التربية الإسلامية تدرس من قبل أستاذ المادة العربية، ولم تكن لي رغبة في اختيار منصب إمام اعتقادا مني أن لهذا المنصب شروط خاصة، و”كاريزما” خاصة كذلك، كان لي طموح تربوي وتكوين أجيال وغرس أفكار.
تقلدت منصب أستاذ في التاريخ والجغرافيا في البداية، من 1988 إلى غاية 1990، بعدها التحقت بالخدمة العسكرية ووظفت بعد عودتي كأستاذ للغة العربية والتربية الاسلامية، وكان لي الشرف أن كان المفتش الذي رسمني أستاذا للتربية الاسلامية وهو الشيخ أبو عبد السلام.
في 2010 شاركت في مسابقة التفتيش ونجحت وتكونت في معهد تكوين إطارات التربية وتحسين مستواهم، وهناك عينت كمفتش وباشرت مهامي، وفي سنة 2013 عرضت عليّ وزارة الشؤون الدينية كمفتش مركزي ولكني تفاجأت حين قابلت وزير الشؤون الدينية آنذاك غلام الله، بعرضه عليّ منصب آخر وهو مدير التكوين بالوزارة والمسؤول عن المناهج ثم مؤطر بالمعهد الوطني لتكوين إطارات التربية وتحسين مستواهم، وفي تلك الفترة التي توليت هذا المنصب، تم بفضل الله استحداث ستة معاهد جديدة وخمسة مشاريع كانت قيد الإنجاز.
طلبت من وزارة التربية إلغاء انتدابي لوزارة الشؤون الدينية والعودة لمنصبي الأصلي في وزارة التربية الوطنية، بعدها بفترة وجيزة جاء مشروع الكتب المدرسية للجيل الثاني، وحينها تم استدعائي من طرف وزيرة التربية الوطنية آنذاك نورية بن غبريط لتوكل لي مهمة مفتش مركزي لمادة التربية الإسلامية، ومسؤولية إعداد المناهج، وكنت أول إطار له شهادة علوم إسلامية يتولى هذا المنصب.
تم إنهاء مهامي في جانفي 2020 على خلفية استغلال المنصب للظفر بصفقات الكتاب المدرسي، وكنت في ميدان التأليف قبل تولي منصب مفتش مركزي، رغم أنه في الجريدة الرسمية هناك مادة تنص على أن لا يمنع من الذي يشغل وظيفة سامية في الدولة من ممارسة نشاطا يدر عليه أرباحا مالية، إذا كان متعلقا بنشاط فكري أو أدبي أوفني، وكانت تجربتي كمفتش مركزي فرصة لمراجعة كل المناهج، والآن عدت إلى منصبي الأصلي كمفتش للتربية الوطنية، وهذا ما ساعدتني لإصدار أول كتاب لي خارج التأليف المدرسي “غذاء الروح في رمضان”.
بمناسبة الحديث عن المناهج، يطرح الموضوع جدلا واسعا، كخبير في الميدان ما رأيكم؟
ما يمكنني قوله أن الاهتمام بالمناهج كان مركزا على المرحلة الابتدائية والمتوسطة في حين أن المناهج في التعليم الثانوي ماتزال لم تتغير منذ سنة 2003، على عكس الدول المتقدمة التي لها مراجعة دورية، كبريطانيا مثلا كل خمس سنوات تعيد مراجعة مناهجها التربوية، وفي هذا السياق بادرت حين كنت أشغل منصب مفتش مركزي مع باقي المفتشين المركزيين لكل المواد، بفكرة التدرج بعد مراجعة مناهج 2003 وقدمنا مشروع مناهج التعليم الثانوي بعد فتح نقاش واسع مع الأساتذة لتقديم مختلف الملاحظات.
الأستاذ دعاس معروف بخبرته في المناهج التربوية ولكن الكثير يجهلون مساره الإعلامي، هل يمكنكم أن تطلعنا على ذلك؟
دخلت ميدان الإعلام منذ بداية الصحافة المستقلة سنة 1989، وقد أسست مجلة تربوية “البنيان المرصوص” التي نالت آنذاك الجائزة الأولى بولاية تيبازة، وشغلت منصب مدقق لغوي في عدة جرائد منها جريدة الشعب والمحقق من سنة 1997 إلى غاية 2002، وقد أسست عدة جرائد منها جريدة المصالح سنة 2004 والمنار وأسبوعية اقرأ، كما كانت لي تجربة في إنتاج وإعداد عدة حصص إذاعية منها برنامج “غذاء الروح في رمضان” وبرنامج “سلوكات ومواقف”، وكانت لي مساهمات في حصص تلفزيونية منها “فضاء الجمعة” وبرنامج “مفاتيح” على قناة القرآن الكريم وبرامج أخرى.
كانت لكم تجربة في تأليف الكتاب المدرسي هل يمكنكم أن تحدثونا عن ذلك؟
كانت لي أول تجربة في تأليف الكتاب المدرسي الرسمي ضمن لجنة التأليف لمادة التربية الإسلامية سنة 2005، أما فيما يخص تأليف الكتب شبه المدرسية فتعود إلى 2000، وفي 2016 أوكلت لي مهمة الإشراف على تأليف الكتاب المدرسي لمادة التربية الإسلامية للتعليم المتوسط، والذي نال القبول من الجهات الرسمية، وقد اتبعت استراتيجية توافق البرنامج الدراسي مع سن الطفل ومراعاة المرحلة العمرية.
أما فيما يخص المرحلة الابتدائية حاولت التركيز على الأخلاق والسلوك أكثر من العلوم والمعارف، هذه الأخيرة يحتاجها الطالب في الثانوي، وكذا إعطاء الطفل المبادئ العامة للدين فيما ننتقل في مرحلة التعليم المتوسط إلى التفصيل التدريجي، ولهذا في التعليم الابتدائي والمتوسطي يستطيع معلم اللغة العربية تدريس المادة، لكن في المرحلة الثانوية يجب على الأستاذ أن يكون متخصصا في العلوم الإسلامية.
باعتباركم من أبرز المختصين في التربية الإسلامية، كيف تقيمون تدريس هذه المادة في مناهجنا التربوية؟
في الابتدائي نجد دروس التربية الإسلامية بسيطة، وهي مبادئ أولية في العقيدة، ولو اطلعتم على البرنامج الدراسي الخاص بالمادة في هذا الطور لوجدتم أن 60 بالمائة من البرنامج يتعلق بالتربية الخلقية، لأن الهدف الأساسي هو التربية، لذا أستاذ اللغة العربية يستطيع تدريس المادة في هذه المرحلة وقد ركزت في إعداد المناهج على المبادئ العامة دون الخوض في التفاصيل، الإشكال يطرح في المتوسط لأننا نجد أحيانا أن أستاذ اللغة العربية يدرس التربية الاسلامية، وهنا أرى أن تدريس المادة في هذه المرحلة، بحاجة إلى متخصصين من خريجي المعاهد الاسلامية.
من المؤكد أن التربية تسبق التعليم، فكيف ترون واقع التربية في وسطنا الدراسي؟
هناك ذهنيات خاطئة على أن المدرسة من تقوم بالتربية، أنا لا أنكر دور هذه المؤسسة في التنشئة الاجتماعية، ولكن لا يمكن للمدرسة أن تعوض دور الأسرة، وهناك فعلا اختلال واضح في سلم القيم واتهام للمدرسة، ربما نحن نتفق مع الكثير فيما يخص كثافة البرنامج الدراسي الذي خلق ضغطا على الأطفال، الوزارة مقرة بهذه الاختلالات، وعليه، يجب فتح جلسات وطنية لمراجعة هذه البرامج وإعادة صياغتها.
“الجانب المادي طغى على الحياة الاجتماعية وصرنا لا نثمن جهود العلماء”
منذ أيام احتفلنا بيوم العلم، فكيف تقيمون مكانة العلم في المجتمع الجزائري؟
للأسف اليوم طغى الجانب المادي على الحياة الاجتماعية، وصار هدف الإنسان تحصيل قوت اليومي، وكثيرا ما يهمل الطالب الجانب العلمي ويبحث عن التخصص الذي يجد فيه منصب عمل ويجني منه المال، وبالتالي يمكننا القول أن الظروف الاجتماعية أثرت بشكل سلبي وحطت من مكانة العلم في المجتمع الجزائري، كما أنه لا يوجد تثمين للمبادرات ولمجهود العلماء.
“الشباب اليوم محتاج للتثقيف الديني وعلينا العودة للشرع لتقويم سلوكنا”
هناك قضية ملحة تثير انشغال النخب في المجتمع وهي التربية الاجتماعية حيث نلاحظ في شوارعنا ووسطنا الاجتماعي انحدارا في الأخلاق والتربية، إلى ما يرجع ذلك وكيف يمكن التكفل بهذه القضية؟
صحيح أن هناك اختلالا في سلم القيم، وانحدارا في الأخلاق وأنا أرجع أهم سبب إلى الابتعاد عن منهج الله، فالشباب اليوم محتاج للتثقيف الديني وعلينا العودة للشرع لتقويم سلوكنا، وعلى الأسرة كمؤسسة القيام بمهامها التربوية وعلى الجمعيات والمساجد والإعلام وكل الهيئات الرسمية تنسيق جهودها.
نعيش هذه الأيام أجواء شهر رمضان بروحانيته، في تصوركم كيف نستثمر هذا الشهر في تجديد التوبة والعودة إلى الله طول السنة؟
الصوم مدرسة روحية وجسدية ومن ميزته تكفير الذنوب، وتنفرد هذه العبادة بأنها خفية تخص العبد بخالقه، فعبادة الامتناع تستحضر رقابة الله، والكثير ممن تابوا في رمضان من المعصية لم يعودوا إليها، لذا فرمضان فرصة وأمل للتوبة، وتعلم الصبر والشعور بالغير.
كلمة أخيرة أستاذ توجهونها للشباب نختم بها الحوار؟
هناك مجموعة من الظروف أدخلت الشباب في عالم اليأس وفقدان الثقة وزجت بهم في عالم الانحراف، فنصيحتي لهم أن يتمسكوا بمنهج الله لأنه السبيل للخروج من دارة اليأس وحصانة لهم من الوقوع في الآفات الاجتماعية.
أجرت الحوار: زهور بن عياد
























مناقشة حول هذا المقال