خصص اجتماع الحكومة المنعقد يوم الخميس الفارط، برئاسة الوزير الأول سيفي غريب، لدراسة عدد من الملفات، في مقدمتها حصيلة تنفيذ القرارات المتخذة خلال آخر اجتماع لمجلس الوزراء، إلى جانب اعتماد مشروع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها للفترة 2026-2029، في إطار التوجيهات المتعلقة بحماية العائلات وتعزيز أمن الأحياء.
وقد قدم وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، السعيد سعيود، مشروع الاستراتيجية أمام الحكومة، التي قررت تخصيص اجتماع وزاري مشترك للمصادقة على مخططات العمل القطاعية الخاصة بتنفيذها، مع التركيز على حشد الوسائل الضرورية ووضع آليات للمتابعة وقياس الأداء، بما يسمح بتجسيد أهدافها على المديين القصير والمتوسط.
ويأتي اعتماد هذه الاستراتيجية في سياق مسار مؤسساتي بدأ منذ صدور الأمر رقم 20-03 المؤرخ في 30 أوت 2020 والمتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها.
ويحدد هذا النص مفهوم “عصابة الأحياء” باعتبارها مجموعة مكونة من شخصين أو أكثر، تنتمي إلى حي سكني واحد أو أكثر، وترتكب أفعالا بهدف خلق حالة من انعدام الأمن أو السيطرة على الحيز السكني، من خلال الاعتداء على الأشخاص أو تعريض حياتهم وحريتهم وأمنهم للخطر أو المساس بممتلكاتهم، مع حمل أو استعمال أسلحة بيضاء.
استراتيجية جديدة في إطار قانون قائم
ولا تنطلق الاستراتيجية الوطنية الجديدة من فراغ تشريعي، وإنما تأتي لتطوير وتفعيل الآليات التي أقرها الإطار القانوني الخاص بهذه الظاهرة، فقد نص الأمر 20-03 على هدف واضح يتمثل في الوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، بينما تقوم الاستراتيجية الجديدة على تحويل هذا الإطار القانوني إلى رؤية وبرامج عمل متعددة القطاعات.
وفي هذا السياق، ترأس وزير الداخلية في 15 جوان المضي اجتماعا للجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها خصص لدراسة ومناقشة مشروع الاستراتيجية للفترة 2026-2029.
وأوضحت وزارة الداخلية حينها أن المشروع يقوم على مقاربة شاملة تجمع بين الردع والوقاية، مع إدماج الأبعاد الأمنية والاجتماعية والتربوية، وتعزيز العمل الجواري والتحسيسي وآليات الإنذار المبكر.
كما سبق ذلك، في 20 أفريل الفارط، التنصيب الرسمي لأعضاء اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها لعهدة 2026-2029، بحضور ممثلي مختلف القطاعات الأمنية والوزارية. وحددت الوزارة ضمن مهام اللجنة إعداد وتنفيذ استراتيجية وطنية تستند إلى تشخيص الظاهرة وتستهدف فضاءات متعددة، من بينها الوسط المدرسي والأحياء ودور الشباب والمساجد والفضاء الرقمي.
لماذا الانتقال إلى استراتيجية وطنية؟
تبرز أهمية استحداث استراتيجية للفترة 2026-2029 في كون معالجة ظاهرة عصابات الأحياء لم تعد مطروحة، وفقا للتصور الرسمي، باعتبارها مسألة أمنية وقضائية فقط، وإنما باعتبارها ظاهرة لها أبعاد اجتماعية وتربوية وثقافية واقتصادية ورقمية.
وهذا التحول يظهر بوضوح في التصور الذي قدمته وزارة الداخلية خلال مراحل إعداد المشروع، حيث أكدت أن المقاربة الجديدة لا تقتصر على التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما تستهدف معالجة الأسباب العميقة للظاهرة وتعزيز الوقاية والعمل الجواري والتحسيسي والإنذار المبكر.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاستراتيجية باعتبارها محاولة للانتقال من منطق “رد الفعل إلى منطق الاستباق”، فبدلا من حصر التدخل في التعامل مع الأفعال الإجرامية بعد وقوعها، تضع الاستراتيجية الوقاية والكشف المبكر والتوعية والتنسيق بين المؤسسات ضمن أدوات التعامل مع الظاهرة.
وهذا التوجه يتطلب، بطبيعة الحال، أن تكون عملية الوقاية حاضرة في الأماكن التي يتشكل فيها وعي الشباب وعلاقاتهم الاجتماعية، وهو ما يفسر إدراج المدرسة ودور الشباب والمساجد والأحياء والفضاء الرقمي ضمن مجالات التدخل التي حددتها اللجنة الوطنية.
من الأمن إلى المقاربة متعددة القطاعات
أحد أبرز عناصر الاستراتيجية يتمثل في اتساع دائرة المتدخلين فيها، فمواجهة الظاهرة، وفق التصور المعلن، لا تقع على عاتق المصالح الأمنية وحدها، بل تتطلب تنسيق أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والمجتمع المدني والإعلام ومؤسسات الدولة والفاعلين المحليين.
وقد شدد وزير الداخلية، خلال تنصيب اللجنة الوطنية، على أن الوقاية تمثل خيارا استراتيجيا، ضمن مقاربة تجمع بين التحسيس والردع، داعيا إلى تعبئة مختلف الفاعلين. كما أشار إلى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاب وقائي يتناسب مع اهتمامات الشباب.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل توسع الفضاء الرقمي باعتباره مجالا للتواصل والتأثير على فئة الشباب، لذلك فإن إدراج الفضاء الرقمي ضمن المجالات التي تستهدفها الاستراتيجية يعكس توجها نحو توسيع العمل الوقائي إلى خارج الحيز الجغرافي للحي والمدرسة.
الشباب في قلب المعالجة
وتظهر فئة الشباب في صلب المقاربة الجديدة، ليس فقط باعتبارها فئة ينبغي حمايتها من الانخراط في السلوكيات العنيفة، وإنما أيضا باعتبارها طرفا يمكن أن يساهم في الوقاية منها.
وكانت اللجنة الوطنية قد أوكلت إليها، ضمن مهامها، التفكير في أدوات لاستقطاب الشباب وإدماجهم اجتماعيا واقتصاديا، إلى جانب توعيتهم بمخاطر الآفات الاجتماعية. كما تضمن تصور الوزارة أهمية تعزيز ثقافة المواطنة والوعي المجتمعي لدى الشباب.
ومن هنا، فإن نجاح الجانب الوقائي لا يرتبط فقط بالرسائل التحسيسية، وإنما بمدى قدرة البرامج القطاعية على توفير فضاءات ومبادرات بديلة للشباب، وتعزيز اندماجهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية.
الأحياء السكنية كمساحة أساسية للتدخل
اختيار الأحياء السكنية كإحدى المساحات الأساسية لتنفيذ الاستراتيجية يرتبط بطبيعة الظاهرة نفسها، إذ يعرف الأمر 20-03 “عصابة الأحياء” انطلاقا من ارتباطها بحيز سكني أو أكثر وقيامها بأفعال تهدف إلى خلق انعدام الأمن أو السيطرة على ذلك الحيز.
لذلك تبرز أهمية العمل الجواري والتغطية الأمنية المتوازنة، إلى جانب تحسين التنسيق بين مختلف المصالح المحلية، ورصد المؤشرات التي قد تدل على ظهور سلوكيات عنيفة أو محاولات فرض السيطرة داخل الأحياء.
كما أن إدراج سياسة البرامج السكنية ضمن التصور الوقائي يشير إلى أن معالجة الظاهرة لا تنفصل عن طبيعة البيئة الحضرية والاجتماعية التي يعيش فيها السكان، وعن كيفية تصميم الفضاءات وتوفير المرافق والخدمات والفضاءات الموجهة للشباب.
مخطط العمل.. الاختبار الحقيقي للاستراتيجية
إذا كان اعتماد الاستراتيجية يمثل خطوة مؤسساتية، فإن الاختبار الفعلي يبدأ مع مرحلة التنفيذ.
وهنا تبرز أهمية القرار الذي اتخذته الحكومة بتخصيص اجتماع وزاري مشترك للمصادقة على مخططات العمل القطاعية، مع وضع آليات للمتابعة وقياس الأداء.
وكان وزير الداخلية قد أكد في اجتماع 30 جوان الفارط أن مخطط العمل الخاص بتنفيذ الاستراتيجية لا ينبغي أن يكون مجرد وثيقة نظرية، وإنما “خارطة طريق عملية” تقوم على برامج قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم، وتشمل أبعادا أمنية واجتماعية وتربوية وثقافية واقتصادية ورقمية.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في هذه المقاربة: “ربط الاستراتيجية بمؤشرات أداء ونتائج قابلة للمتابعة”، فقياس عدد الحملات التحسيسية أو الأنشطة المنجزة لا يكفي وحده لتقييم أثر السياسة العمومية، بل تبرز الحاجة إلى متابعة ما إذا كانت هذه البرامج قد أحدثت تغييرا ملموسا في مستوى الوقاية، وفي شعور السكان بالأمن، وفي قدرة المؤسسات على اكتشاف الحالات الخطرة والتدخل بشأنها في الوقت المناسب.
يمكن قراءة استحداث الاستراتيجية الوطنية 2026-2029 باعتباره انتقالا من التعامل مع عصابات الأحياء كملف ذي طابع أمني صرف إلى محاولة بناء سياسة عمومية متكاملة تجمع بين الأمن والوقاية والإدماج والتوعية.
وتكشف مراحل إعدادها منذ تنصيب اللجنة الوطنية في أفريل، مرورا بدراسة المشروع في جوان، ثم العمل على مخطط التنفيذ، وصولا إلى اعتماد المشروع من طرف الحكومة في سبتمبر، عن مسار مؤسساتي متدرج يهدف إلى تحويل المبادئ العامة إلى برامج قطاعية قابلة للتنفيذ.
كما أن تحديد الفترة الزمنية للاستراتيجية بين 2026 و2029 يوفر إطارا يسمح، من حيث المبدأ، بمتابعة تنفيذ البرامج على مراحل وتقييم نتائجها بصورة دورية، بدلا من التعامل مع الظاهرة من خلال تدخلات منفصلة أو ظرفية.
غير أن فعالية هذا المسار ستبقى مرتبطة بمدى ترجمة المقاربة متعددة القطاعات إلى تنسيق فعلي على المستوى المحلي، وبقدرة مخططات العمل على تحديد المسؤوليات والموارد ومؤشرات القياس، ثم استخدام نتائج التقييم في تعديل البرامج عند الحاجة.
وبذلك، فإن القيمة العملية للاستراتيجية لن تتحدد فقط بمضمونها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الحي والمدرسة ودور الشباب والفضاء الرقمي والأسرة، وتحويل الوقاية من نشاط تحسيسي موسمي إلى عمل مؤسساتي مستمر، بالتوازي مع الدور الأمني والقضائي في مكافحة الأفعال الإجرامية.
وفي المحصلة، تضع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها 2026-2029 إطارا جديدا لتنسيق الجهود بين القطاعات، مستندة إلى قاعدة قانونية قائمة منذ 2020، ولجان وطنية ومحلية، ومخططات عمل قطاعية يفترض أن تحدد مسار التنفيذ، ويبقى التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة هو الانتقال من اعتماد الاستراتيجية إلى قياس أثرها ميدانيا، ومدى انعكاسها على أمن الأحياء وحماية الأشخاص والممتلكات وتعزيز الوقاية، ولا سيما لدى فئة الشباب.
بوزيان بلقيس























مناقشة حول هذا المقال