اليوم الوطني للصحافة المصادف لـ22 من شهر أكتوبر من كل سنة، هذا اليوم لا يمثل مجرد احتفال تُثمن فيه جهود الصحفيين بل هو فرصة لتقييم واقع الاعلام وطرح ومناقشة التحديات التي تواجهه ، من أجل مواكبة مختلف التطورات والاستجابة للتحديات والارتقاء بالقطاع، واليوم هو محطة لمناقشة تواصل جيل جديد ينظر من زاوية الذكاء الاصطناعي وسلفه من الجيل الذي أسس لمبادئ ممارسة هذه المهنة.
في هذا السياق أجرينا حوارا مع الدكتور بركان بودربالة الأستاذ الجامعي و مدير المركز الجزائري لعلوم الإعلام والاتصال (CASIC)، وصاحب أطروحة دكتوراه حديثة بعنوان «توجهات الإعلام الجزائري نحو الذكاء الاصطناعي»:
تقدمت في السنة الجامعية 2023/2024 بأطروحة دكتوراه بعنوان “توجهات الإعلام الجزائري نحو الذكاء الاصطناعي”، حدثنا عن أهمية الموضوع والأسباب التي دفعتك لاختياره؟
أهمية هذا الموضوع تنبع من التحول العميق الذي يعيشه العالم اليوم في ظل الثورة الرقمية، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ترفٍ تكنولوجي، بل أصبح ركيزة أساسية في إعادة تشكيل بنية الصناعة الإعلامية. حين اخترت هذا الموضوع، كنت مدفوعًا بقناعة علمية ومؤسساتية بأن الإعلام الجزائري يواجه مرحلة مفصلية تتطلب تأهيلاً معرفيًا واستراتيجياً لمواكبة التطور السريع في أدوات الإنتاج الإعلامي. فالمسألة لم تعد مرتبطة باستخدام التطبيقات الذكية فحسب، بل تتعلق بفهم فلسفة الذكاء الاصطناعي وأثرها في صناعة القرار الإعلامي وفي علاقة الصحفي بالمعلومة والجمهور. كما جاء اختياري لهذا المحور من منطلق عملي أيضًا؛ باعتباري مديرًا لـ المركز الجزائري لعلوم الإعلام والاتصال (CASIC)، الذي يضع ضمن أولوياته استراتيجية وطنية لتأهيل الإعلاميين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
نعمل في المركز على إقامة جسور بين الجامعة والميدان المهني، من خلال ورشات وملتقيات تجمع الأكاديميين بالصحفيين وصناع القرار، لأننا نؤمن أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الإعلام الجزائري لا يمكن أن يتحقق إلا برؤية جماعية متكاملة.
كيف وجدتم توجهات الإعلام الجزائري نحو الذكاء الاصطناعي، وأهم النتائج التي توصلتم إليها؟
الدراسة أظهرت أن هناك وعياً حقيقياً يتشكل تدريجياً داخل المؤسسات الإعلامية الجزائرية حول أهمية الذكاء الاصطناعي، لكن التطبيقات العملية لا تزال محدودة وتحتاج إلى دعم مؤسسي وتكوين متخصص.
لاحظت من خلال العمل الميداني ومقابلاتي مع صحفيين ومسؤولين أن الجيل الجديد من الصحفيين أكثر استعداداً لتبني الأدوات الذكية، سواء في جمع الأخبار، أو التحقق منها، أو تحليل تفاعل الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية. على سبيل المثال، بعض الجرائد الإلكترونية الجزائرية بدأت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل مؤشرات القراءة، وتحديد المواضيع الأكثر تداولاً، وحتى في تحسين عناوين الأخبار بما يتلاءم مع خوارزميات محركات البحث. كما شرعت قنوات تلفزيونية في استخدام البرمجيات الآلية في المونتاج وترتيب المواد الإخبارية لتقليل الوقت والجهد. لكن في المقابل، ما يزال هناك ضعف في التكوين وغياب في التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والبحثية. وهنا بالذات يأتي دور مركز CASIC، الذي يعمل حالياً على مرافقة وسائل الإعلام في مرحلة التحول الذكي، عبر محاور تشمل التحقق الآلي من الأخبار المضللة، وتنظيم البيانات الصحفية الضخمة، وتطوير روبوتات تحريرية (NewsBots) قادرة على التعامل مع السياق المحلي واللغة العربية.
كيف ترون واقع الإعلام الإلكتروني في الجزائر وعوامل تطوره؟
الإعلام الإلكتروني الجزائري يعيش اليوم مرحلة نضج مؤسسي بعد سنوات من الغموض التشريعي. فمنذ صدور المرسوم التنفيذي المنظم للصحافة الإلكترونية، ثم القرار التاريخي بتمكينها من الاستفادة من الإشهار العمومي عبر وكالة ANEP، اكتسبت هذه الوسائل شرعية قانونية واعترافاً سياسياً جعلها في مرتبة الصحافة الورقية.
اليوم نرى منصات جزائرية رقمية تنافس على المستوى العربي من حيث سرعة التغطية وتنوع المحتوى، وهو ما يعكس تطورًا في البنية التحتية والكوادر البشرية. لكن التحدي الأكبر يبقى في جودة المحتوى ومهنية المعالجة الرقمية للمعلومة، خاصة في ظل انتشار الأخبار الزائفة.
مركز CASIC وضع ضمن استراتيجيته مشروع ”الإعلام الإلكتروني المسؤول”، الذي يهدف إلى تكوين الصحفيين في مجالات التحقق الرقمي وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تشجيع الابتكار في أشكال السرد الرقمي (data journalism، podcast، storytelling)، الصحافة الإلكترونية اليوم تمثل خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني في الفضاء الرقمي.
كيف ترون واقع التحول الرقمي وطنياً، خاصة في الإعلام، وما هي عناصر الارتقاء به؟
التحول الرقمي في الجزائر أصبح اليوم خيار دولة وليس مجرد شعار. نلمس ذلك من خلال إنشاء وزارة للرقمنة والإحصائيات وإطلاق مشاريع رقمنة الخدمات العمومية. لكن على المستوى الإعلامي، لا يزال هذا التحول في طور التأسيس. نحتاج إلى رؤية شاملة تربط بين التكنولوجي، والقانوني، والتربوي.
عناصر الارتقاء تتمثل في التكوين المستمر؛ إذ لا يمكن أن نتصور صحفياً رقمياً بدون إلمام بأساسيات البرمجة وتحليل البيانات. العنصر الثاني هو التشريع والتنظيم، لأن إدماج الذكاء الاصطناعي في الإعلام يثير قضايا جديدة مثل الملكية الفكرية والخصوصية. أما العنصر الثالث فهو البنية التحتية الرقمية التي يجب أن تتيح للإعلام الجزائري الوصول إلى البيانات الوطنية المفتوحة لتطوير صحافة استقصائية رقمية قوية.
في هذا الإطار، يعمل مركز CASIC على إعداد خارطة وطنية للتحول الذكي في الإعلام تشمل توصيات عملية لوزارتي الاتصال والتعليم العالي، بهدف توجيه التكوين الأكاديمي نحو المهن الجديدة مثل مهندس المحتوى الإعلامي، محرر البيانات، ومدقق الذكاء الاصطناعي.
حاورته سهى مراس

























مناقشة حول هذا المقال