كانت سهرة من سهرات شهر رمضان المعظم من عام 1921، بساحة الشهداء أو كان يعرف بميدان الحصان بقلب العاصمة، كانت الجموع غفيرة والأكشاك تعرض كل أنواع المأكولات والحلويات، كان هناك شاب صغير اسمه “عبد الرحمن عوف” في التاسعة عشرة من عمره، يتأمل في جمال البحر، ويتأمل كوكبة من الأطفال يستعملون كرة من القماش والورق في مباراة وسط الساحة، عندها مرّ مجموعة من الجنود الفرنسيين، فنظر الرقيب للأطفال باستعلاء وقال لهم باحتقار: هذه هي حديقة أمراء العرب!!، فشعر عوف بالإهانة، وبدأ يفكر في تأسيس ناد لكرة القدم.
“المولودية “نسبة للمولد النبوي الشريف
وفي اليوم الموالي التقى أصدقائه، وطرح عليهم فكرته المتمثلة في تأسيس أول ناد جزائري مسلم ينافس الأندية الفرنسية، فلقي مقترحه ترحابا واسعا من طرفهم، وفي 7 أوت 1921، اجتمع عوف رفقة أصدقائه الذين ينحدرون من حي القصبة العتيق و”باب الوادي” أمام مقهى ياحي، ليختاروا اسم وألوان النادي الجديد، وقاموا باقتراح العديد من الأسماء على غرار: (البرق الجزائري، الهلال الجزائري، النجم الرياضي، الشبيبة الرياضية…) ووجدوا صعوبة في اختيار الاسم المناسب وفي لحظة لم يتوقعها أحد صعد صوت من داخل المقهى من شخص مجهول مناديا: “مولوديـة !” (نسبة للمولد النبوي الموافق لذلك اليوم)، وهي التسمية التي لقيت تجاوب هؤلاء الشبان ليتم الاتفاق على تسمية الفريق “المولودية الشعبية الجزائرية”، واختيار ألوان العلم الوطني كألوان رسمية للفريق وهي الأخضر والذي يرمز للأمل، إضافة لكونه اللون الرمزي للإسلام، أما اللون الأحمر فهو يمثل حب الوطن والتضحية من أجله.
الإدارة الاستعمارية ترفض منح رخصة تأسيس النادي
بدأ عوف في استخراج الوثائق اللازمة لتأسيس النادي رسميا: الجمعية الرياضية، تحضير الإمكانيات اللازمة (المادية والمالية)، اختيار ملعب للفريق ومقره الخاص، ولكن الإدارة الاستعمارية، رفضت منح الموافقة الرسمية على تأسيس النادي، بحجة عدم بلوغه السن القانونية، لكنه ظل يكافح إلى غاية افتكاكه الموافقة بتأسيس “مولودية الجزائر” بشعار النجمة والهلال.
انطلاق المنافسات بشباب لا يملكون الخبرة
وبتشكيلة مكونة من شبان لم يسبق لها لعب كرة القدم ولا تمتلك أي خبرة مقارنة بنوادٍ أخرى، انطلقت المولودية في أولى منافسات بطولة الدرجة الفرنسية الخامسة موسم 1921 – 1922 1921/1922، وبالرغم من هذه النقائص، تمكن العميد من التواجد في مركز متقدم رغم النقص الفادح للإمكانيات، وتمكن في الموسم الموالي من الصعود إلى الدرجة الرابعة، وسط تعتيم إعلامي من الصحافة الفرنسية، فيما واصلت الإدارة الكولونيالية تضييقها بفرضها إشراك لاعبين أوروبيين في التشكيلة الأساسية للمولودية على منوال الفرق المسلمة، كما قامت بتجنيد أفضل لاعبي المولودية إجباريا اعتبارا من عام 1925، ما جعل المسيرين يعلقون مشاركة المولودية في البطولة لموسمين.
العميد يقفز إلى الدرجة الأولى سنة 1936
تمكن العميد من الصعود إلى قسم الدرجة الثالثة سنة 1931، ثم قفز إلى الدرجة الأولى عام 1936 على حساب الفريق الكولونيالي “أولمبيك مارينغو” (2 – 1) في العفرون، وأنهت أول موسم لها ضمن القسم الأول في الصف الرابع، لتتأهل إلى ثاني أدوار كأس شمال إفريقيا.
وبعد مواسم صعبة، توجت المولودية بالبطولة في موسم 1944 – 1945، علمًا أنها تجاوزت “جمعية سانت أوجان” (6 – 0) في آخر لقاء، لكن الرابطة الفرنسية اتخذت قرارًا غريبًا بمنح اللقب مناصفة بين الناديين، ولم ينل ذلك من عزيمة أبناء المولودية الذين فازوا بكأسين للجزائر عامي 1949 و1951 على حساب المنافس ذاته “جمعية سانت أوجان” بملعب 20 أوت 55 بالجزائر العاصمة (5 – 3)، و(3 – 2) في ملعب سانت أوجان (عمر حمادي حاليا)
قرار الانسحاب عقب أحداث 11 مارس 1956
المولودية لم تكن لها أهداف رياضية فقط بل كانت قلبا وقالبا مع تحرير الوطن من الاستعمار الغاشم، وقدمت خيرة أبناءها فداءً للجزائر، في صورة الشهيد البطل “علي عمار” (لابوانت)، وارتبط النادي بالثورة الجزائرية، ويؤكد المؤرخون أن انعقاد اجتماع مجموعة الـ 22 في الجزائر العاصمة يوم 23 جوان 1954 كان في بيت أحد مؤسسي العميد براهم دريش بضاحية المدنية، علما أن الشقيق الأكبر لإبراهيم دريش، إلياس كان أحد أعضاء المجموعة، وإثر أحداث 11 مارس 1956، انسحبت مولودية الجزائر من كافة المنافسات الكروية، ففي ذلك التاريخ، كانت هناك مباراة مهمة للعميد في ملعب سانت أوجان (بولوغين حاليا) ضد الجار الغريم الكولونيالي جمعية سانت أوجان، وكان الملعب مكتظًا عن آخره، وبعدما كان العميد متأخرًا بهدف، تمكن العميد من التعديل في آخر لحظات اللقاء، وهو ما لم يتقبله الفرنسيون، في حين فجر الهدف، الفرحة لدى أنصار المولودية، الأمر الذي لم يتحمله الفرنسيون فقاموا بالإعتداء على الجزائريين، مما أسفر عن اصابات بليغة في صفوف المشجعين، وتحطيم أكثر من 30 سيارة، وجرى اعتقال عدد كبير من أنصار المولودية و الزج بهم في السجن وتعذبيهم.
وفي 13 مارس 1956 قرر مسيرو المولودية الإنسحاب، وهو قرار دعمته الفرق المسلمة الأخرى، على غرار: اتحاد البليدة، اتحاد العاصمة، نصر حسين داي، رائد القبة، اتحاد الحراش، أولمبيك سانت أوجان ، وداد بلكور وغيرها.
مرحلة ما بعد الاستقلال…سبعينيات القرن الماضي الفترة الذهبية للعميد
عرفت سبعينات القرن الماضي سيطرة مولودية الجزائر على كرة القدم الوطنية والإفريقية، بفضل أرمادة من اللاعبين الموهوبين، يتقدمهم آيت موهوب، زمور، زنير، باشطا، بتروني، باشي وغيرهم، وتعد سنوات عقد 1970-1980 الفترة الذهبية للعميد، لثرائها بالألقاب والتتويجات، استهلت المرحلة بكأس الجزائر عام 1971، بقيادة المدرب علي بن فضة، على حساب الجار اتحاد الجزائر (2-0)، الاختصاصي في منافسة الكأس باعتبار خوضه لثالث نهائي تباعا تلك السنة.
فتح هذا التتويج شهية العميد، الذي شارك للمرة الأولى في الكأس المغاربية للأندية الفائزة بالكؤوس، التي احتضنها الملعب البلدي بالعناصر (20-أوت-1955 حاليا) بالجزائر العاصمة.
كما افتكت المولودية أول لقب بطولة وطنية في رصيدها، ليكون فاتحة لديناميكية حصد الألقاب، حيث فاز أصحاب الزي الأحمر والأخضر بكأس الجزائر 1973 ضد “الغريم” التقليدي اتحاد الجزائر (4-2 بعد الوقت الإضافي)
وشهدت سنة 1976 ذروة أمجاد مولودية الجزائر، حينما نجح أشبال المدرب التاريخي عبد الحميد زوبا في نيل ثلاثية تاريخية، إثر اكتساح الجميع، فبعد خسارة الفريق في نهائي الكأس المغاربية، تدارك رفاق المحوري عبد الوهاب زنير، ليتوجوا بالبطولة والكأس وكأس أبطال إفريقيا، بفضل تشكيلة ثرية يقودها هجوم “ناري” متشكل من بتروني، باشي، بوسري وبن شيخ.
العميد يتلقى دعوة من ريال مدريد ليكون أول من يلعب في “سانتياغو بيرنابيو”
تابع العميد كتابة الأمجاد، ففي العام الموالي أصبح أول فريق جزائري يضع أقدامه فوق أرضية ميدان ملعب “سانتياغو بيرنابيو” الشهير، إثر دعوة من ريال مدريد، للمشاركة في دورة ودية احتفالا بمرور 75 سنة على تأسيس النادي الإسباني العملاق، وانهزم رفاق علي بن شيخ بتاريخ 21 مارس 1977، أمام فريق الريال القوي والمتكون آنذاك من ديل بوسكي، برايتنر، كاماتشو وغيرهم بتيجة (1-2)، لكنها خسارة بشرف، بعد تقديمهم لأداء فني راقي للغاية جلب احترام واعتراف بقية الفرق الحاضرة.
وسيطرت المولودية على المستوى المحلي بنيلها لقبي بطولتي (1978 و1979)، مختتمة عقدا كاملا من الانتصارات شكل إرثا ثقيلا للأجيال المتعاقبة على حمل قميص “العميد” ونموذجا ناجحا في مجال الإنجازات الرياضية.
مرحلة الركود … العميد يمر بسنوات عجاف
جاءت فترة الثمانينات، ليمر العميد بسنوات عجاف طويلة من 1980 إلى1990، أثرت كثيرا على نتائج الفريق، واستياء لدى الأنصار، فعدا كأس الجزائر سنة 1983 على حساب جمعية وهران (4-3 بعد الوقت الإضافي)، ووصافة البطولة في موسم 1988- 1989، عجز بويش، صبار، قطوش ومعيش في تكرار ما حققه أسلافهم، علمًا أنّ موسم 1984-1985 شهد سقوط الفريق إلى القسم الثاني، لكنه عاد سريعا إلى حظيرة النخبة، وكاد يعود من حيث أتى في جويلية 1988، لولا الفوز الصعب المحقق على وفاق سطيف (1-0) بملعب “عمر حمادي” ببولوغين في آخر جولة، والذي منحه ورقة البقاء في بطولة الكبار.
وانتظر عشاق “العميد” قرابة عشرين سنة لمشاهدة فريقهم يعود الى القمة من جديد، عندما توج بلقبه السادس في البطولة الوطنية وكان ذلك في 1999 بالفوز في النهائي على شبيبة القبائل (1-0)، بملعب الشهيد “أحمد زبانة” بوهران.
العودة إلى الساحة القارية بقيادة المرحوم كرمالي
سيطر زملاء عامر بن علي على مجريات البطولة، مما سمح لهم بالعودة الى الساحة القارية، بقيادة المدرب المحنك المرحوم عبد الحميد كرمالي، إلا أن مشاركتهم فيها سرعان ما توقفت أمام جان دارك السينغالي (1-1 ذهابا، 1-5 ايابا) وذلك في الدور الأول من المنافسة.
وتكرر السيناريو لتعود المولودية إلى سلسلة الهزائم، لتنزل الى القسم الثاني مجددا خلال الموسم 2001-2002، غير أنها عادت سريعا إلى القسم الأعلى بقيادة الراحل نور الدين سعدي.
العودة لتحقيق الألقاب
على الرغم من حالة عدم الاستقرار على الصعيدين الإداري والفني، إلا أن الأخضر والأحمر تمكن من تحقيق الألقاب في النصف الثاني من العشرية الأولى لسنوات 2000، بافتكاكه كأس الجزائر مرتين متتاليتين (2006 و2007)، فضلا عن لقب وطني سابع وأخير في 2010، وعرف الفريق عودة مجمع سوناطراك في 2013، إلا أن المولودية لم تحرز معه سوى على كأس الجزائر في 2014 و2016، رغم الإمكانات الضخمة التي وفرها المساهم الرئيسي.
تحت شعار (ماكاش فيميجان..كاين أوكسجين) …الشناوة يقررون عدم الاحتفال بالمئوية
بقيت نتائج العميد بعيدة عن طموحات “الشناوة” الذين باتوا يطالبون بإحداث “ثورة” حقيقية في النادي، تسمح للتشكيلة بتسجيل انطلاقة جديدة على أسس متينة، كما قرر الأنصار عدم الاحتفال بـ”المئوية”، نظرا للوضع الصحي الصعب على خلفية تفشي فيروس كورونا، مفضلين جمع التبرعات لاقتناء قارورات الأكسجين لفائدة المصابين بالفيروس، وذلك تحت شعار (ماكاش فيميجان..كاين أوكسجين)
أغنية شعبية أصيلة تبهج مئوية العميد هذا السبت
تزامنًا مع الاحتفالات بالذكرى المئوية لتأسيس النادي العريق مولودية الجزائر في السابع أوت من عام 1921، تبثّ قنوات الإذاعة الوطنية، اعتبارا من اليوم ، الأغنية الشعبية الأصيلة “المولودية”، في إنتاج جديد يبثه “موقع الإذاعة الجزائرية”، تخلّد الأغنية التي كتب كلماتها توفيق بن عبد السلام، محطات حاسمة في مسار المولودية الشعبية العاصمية،
الأغنية فكرة وإخراج طاهر بلخيري، تركيب وميكساج زهير بن مرادي، تلحين وأداء مطرب الأغنية الشعبية مصطفى بلحسن خريج المدرسة العنقاوية، حرصت على تدوين مآثر كبار الجزائر في صورة الشهيد محمد بوراس مؤسس الكشافة الإسلامية الجزائرية، وعلي عمار “لابوانت” أحد كبار أبطال معركة الجزائر، إضافة إلى الفنان محمد العنقى “محمد إيدير آيت وعراب” عميد الأغنية الشعبية الجزائرية (1907 – 1978).
تقرير/ كريمة بندو

























مناقشة حول هذا المقال