أكد رئيس جمعية الجاحظية، عبد الحميد صحراوي، مساء اليوم السبت، في تأبينية الكاتب الموسوعي والمصلح الكبير محمد صالح ناصر، أنّ النخبة الوطنية تضطلع بدور محوري في تثمين وتوثيق أعمال رجالات الجزائر من المفكرين والمبدعين، باعتبارها ركيزة أساسية في حفظ الذاكرة الوطنية وصون التاريخ.وبالمناسبة، بيّن صحراوي أن هذه العملية تمثل واجباً حضارياً يضمن استمرارية الهوية الجزائرية، ويعزز حضورها في حاضر الأمة ومستقبلها.
وفي سياق المداخلات، اعتبر الدكتور بوحجام محمد ناصر، “صهر الراحل”، أنّ هذا المصلح الكبير يعد من الأعلام الذين جمعوا بين الرؤية الإسلامية العميقة والالتزام الوطني، حيث جعل من الأسرة نواة أساسية لبناء المجتمع، ومن الفكر الإصلاحي أداة لترسيخ القوة الإسلامية والوطنية.
وأشار إلى أنّ جهوده العلمية أثمرت مؤلفات رصينة، أبرزها كتابه في الثقافة الجزائرية الذي اعتمد فيه على مادة علمية واسعة جمعها من تونس وباريس وعدد من الولايات الجزائرية، فكان مرجعاً متميزاً في مجاله.
كما قدّم أول دراسة متخصصة ذات بعد فني، إلى جانب أطروحته القيمة حول الرؤية الإسلامية، وهي أعمال تشكّل اليوم أثراً خالداً في سجل الفكر الجزائري.”يضيف ذات المتحدث”.
من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرزاق قسوم، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سابقاً، أنّنا أمام شخصية موسوعية علمية وثقافية فريدة، لا يمكن الإحاطة بكل ما يُقال عنها. فهو جبل علمي في مستوى الفقيه المجدد، يتميز بمنهجية موسوعية جعلته متخصصاً في فقه الفقه، أي مقاصد الشريعة وتنزيلها على واقع الناس.
وأضاف قسوم أن الراحل كان أديباً وفيلسوف كلمة، داعياً إلى الله بالكلمة الموزونة، ومفكراً بتجربة إقليمية ذات بعد إسلامي أصيل. وفي ذات السياق، أبرز أن مساره الإبداعي جسّد التزاماً عميقاً تجاه أسرته وثقافته ووطنه وأمته، حيث كان شاهداً على كل حقبة زمنية عاشها، يمنحها وصفاً دقيقاً وتحليلاً عميقاً.
ولفت إلى أنّ الراحل جمع بين الأصالة التي صقلها في رحاب المسجد، والحداثة التي تجلت في إنتاجه الأدبي والفكري، فشخصيته قامت على الاعتدال: إباضيٌّ بلا تعصب، إسلاميٌّ بلا تشدد، ووطنيٌّ بلا انغلاق. ومن حيث البعد الإنساني، نوه قسوم بأنّه ترك بصمة في كل فئة اجتماعية: كتب أناشيد للأطفال، وقصائد للشباب، ونصوصاً للكبار والكهول والنساء وحتى الكشافة، ليمنح كل فئة ما يتناسب مع حاجاتها وتطلعاتها.
أما الدكتور وأستاذ التاريخ مولود عويمر، فقد شدد على أنّ محمد صالح ناصر يعد أحد الأعلام الذين ساهموا في حفظ التراث الفكري والصحفي الجزائري، حيث أعاد إبراز مكانة شخصيات رائدة مثل عمر راسم وعمر بن قدور، مبرزاً دورهما في النهضة والإصلاح من خلال الصحافة الوطنية والمشرقية.
وتابع موضحاً أنّه أنجز الفهارس العامة لمجلة الثقافة، وأسهم في إثراء الحركة الأدبية إلى جانب زملائه أمثال الدكتور صالح الخرفي، وهو ما ترك علماً نافعاً وأبحاثاً قيّمة ستظل مادة أساسية للباحثين والأجيال القادمة في دراسة الصحافة والفكر الأدبي الجزائري.
عقب ذلك، صرّح صالح بلعيد، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، بأن الراحل محمد صالح ناصر “مثّل مدرسة قائمة بذاتها في النقد والبحث، وأن أثره سيظل ممتداً في الأجيال القادمة”، مؤكداً أنّ “تكريم العلماء لا يكون فقط بعد رحيلهم، بل بالعمل على نشر فكرهم ومواصلة رسالتهم”.
اختُتمت الجلسة بتكريم الأساتذة المحاضرين الذين أسهموا بمداخلاتهم القيّمة في إنارة جوانب متعددة من سيرة الراحل، في التفاتة رمزية تعبّر عن العرفان لمكانة العلماء ودورهم في صون الذاكرة الوطنية.
شيماء منصور بوناب

























مناقشة حول هذا المقال