تحت شعار “أمجاد خالدة وانتصارات تتجدد”، احتضن متحف جامع الجزائر، اليوم الاثنين، ندوة تاريخية بمناسبة إحياء الذكرى الرابعة والستين لـ19 مارس 1962، المصادف ليوم النصر، وهو التاريخ الذي يخلد وقف إطلاق النار وتتويج كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار.
وشكّل اللقاء فرصة لاستحضار تضحيات الشهداء والمجاهدين، واستلهام الدروس من ملحمة التحرير لمواصلة مسيرة بناء الجزائر الحديثة، وذلك بحضور مجاهدين وأبناء الشهداء وإطارات الدولة وممثلي الأسلاك الأمنية وأساتذة جامعيين وطلبة.
وفي هذا السياق، أكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، أن يوم النصر الموافق لـ19 مارس 1962 يمثل محطة مفصلية في تاريخ الجزائر، باعتباره تتويجًا لنضال طويل خاضه الشعب الجزائري من أجل الحرية والاستقلال.
وأوضح أن استحضار هذه الذكرى يظل مناسبة لتعزيز قيم الوفاء لتضحيات الشهداء واستلهام الدروس من تاريخ الثورة التحريرية لبناء الجزائر الجديدة.
وشدد الوزير على أن النصر الذي تحقق في 19 مارس لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاعل متكامل بين مختلف أشكال النضال التي خاضها الجزائريون، وعلى رأسها الكفاح المسلح والدبلوماسية والعمل السياسي.
وأضاف تاشريفت أن جيل نوفمبر صنع ملحمة تاريخية خالدة جسدت إرادة شعب آمن بحقه في الحرية، وقدم قوافل من الشهداء في سبيل استعادة السيادة الوطنية، مبرزا أن الجزائر، وهي تستحضر اليوم أمجاد الماضي، تواصل مسارها التنموي بثبات من خلال تعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ قيم السيادة الوطنية.
وفي السياق ذاته، أكد الوزير أن وفاء الجزائريين لتضحيات أسلافهم يتجسد في مواصلة بناء الوطن وتعزيز التنمية الشاملة في مختلف المجالات، مشيرًا إلى أن الجزائر تشهد حركية تنموية متسارعة بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من خلال إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى تهدف إلى خدمة المواطن وحماية الثروات الوطنية وتعزيز مكانة الدولة.
كما نوه بالدور المحوري الذي يضطلع به الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني، في حماية أمن البلاد وصون سيادتها، مثمنًا كذلك جهود مختلف الأسلاك الأمنية التي تسهر على ضمان الاستقرار وحماية الوطن والمواطن.
ومن جهته، أكد وزير الدولة وعميد جامع الجزائر، محمد المأمون القاسمي الحسني، أن استحضار أمجاد الثورة التحريرية لا يقتصر على استذكار أحداث من الماضي، بل يمثل رصيدًا رمزيًا ومعنويًا يمنح الأمة الثقة والاستمرارية التاريخية.
وأوضح القاسمي الحسني أن الأمم العظيمة هي التي تحسن تحويل تاريخها المجيد إلى قوة معنوية تستلهم منها الأجيال معاني البناء والتقدم، مشيرًا إلى أن الهوية الوطنية الجزائرية تشكلت عبر تفاعل مكونات أساسية تمثلت البعد الوطني والروح الدينية والعنصر الأمازيغي، وهو ما صنع وحدة المجتمع الجزائري عبر مختلف مراحل المقاومة والتحرير.
وأضاف أن النصر الذي تحقق بفضل تضحيات الشهداء والمجاهدين لا ينبغي أن يُحصر في إطار التحرر السياسي فقط، بل يتجاوز ذلك ليشمل ميادين المعرفة والاقتصاد والأخلاق والسيادة الثقافية، مؤكدًا أن الوفاء الحقيقي لرسالة الشهداء يتحقق من خلال بناء دولة قوية وعادلة قوامها العلم والعمل وخدمة الصالح العام.
وأشار في السياق ذاته إلى أن مرحلة الثورة كانت مرحلة تحرير الأرض، أما المرحلة الراهنة فهي مرحلة تحرير العقول وبناء الحضارة، موضحًا أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل روح الثورة إلى طاقة حضارية تسهم في بناء المستقبل وتعزيز مسار التنمية.
كما شدد عميد جامع الجزائر على الدور الذي تضطلع به المؤسسات العلمية والدينية في ترسيخ الذاكرة الوطنية، معتبرًا أن هذه المؤسسات ليست فضاءات للعبادة أو التعليم فقط، بل منصات للحفاظ على الوعي التاريخي وربط الأجيال الجديدة بموروثها الحضاري.
وفي مداخلة أكاديمية ضمن أشغال الندوة، أكد أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر 2، علال بيتور، أن ذكرى التاسع عشر من مارس تمثل محطة تاريخية مفصلية أعادت للجزائر مكانتها الحضارية بعد عقود من الاحتلال الاستعماري، مشيرًا إلى أن هذا التاريخ لا يرمز فقط إلى استرجاع السيادة الوطنية، بل إلى استعادة دور الجزائر ضمن الفضاء الحضاري الإسلامي.
وأوضح بيتور أن الحضارة الإسلامية عرفت في مراحلها الأولى قوة ووحدة مكّنتها من نشر قيم العدالة والازدهار، غير أن الانقسامات السياسية التي عرفها العالم الإسلامي لاحقًا بين عدة خلافات أضعفت هذه الوحدة وأتاحت المجال للقوى الخارجية لاستغلال هذا التشتت.
وأضاف أن هذا التفكك ساهم في انتقال العالم الإسلامي من موقع القوة الحضارية إلى موقع الدفاع والمقاومة، حيث واجهت المنطقة عبر قرون متعددة حملات وهجمات أوروبية انتهت في العصر الحديث بظهور الاستعمار الذي استهدف عدداً من البلدان الإسلامية، من بينها الجزائر.
وأشار المتحدث إلى أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي تعرضت للاحتلال الأوروبي الحديث، لكنها كانت أيضًا من أوائل الدول التي استعادت استقلالها بفضل تضحيات ملايين الشهداء خلال ثورة التحرير المجيدة.
واعتبر الأستاذ الجامعي أن يوم النصر شكّل لحظة فارقة في التاريخ الوطني لأنه مكّن الجزائريين من استعادة زمام مصيرهم والعودة إلى مسار بناء حضاري جديد، مؤكدًا أن الجزائر تشكل جزءًا أصيلاً من الأمة الإسلامية وتسهم في خدمة قضاياها الحضارية والثقافية.
وفي الأخير، أبرز بيتور الرمزية الحضارية لجامع الجزائر باعتباره معلمًا دينيًا وثقافيًا يعكس امتداد الحضارة الإسلامية في البلاد، ويجسد ارتباط الجزائر بتاريخها الروحي والحضاري، كما يشكل فضاءً يعزز الوعي بالهوية ويحفّز الأجيال على مواصلة مسيرة البناء الحضاري.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال