عرض وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، سيد علي زروقي، أمام نواب المجلس الشعبي الوطني، وبحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي، مشروع القانون الجديد للتصديق الإلكتروني، الذي اعتبره خطوة حاسمة نحو بناء منظومة رقمية متكاملة، قادرة على دعم التحول الرقمي وتعزيز السيادة الإلكترونية للجزائر.
وأكد زروقي أن التقييم الشامل لمخطط التطبيق الإلكتروني الحالي كشف عن عوائق تنظيمية وتقنية ومالية عرقلت تحقيق الأهداف المرجوة، الأمر الذي جعل من الضروري الانتقال إلى إطار قانوني أكثر حداثة وفعالية.
إصلاح شامل لمخطط التطبيق الإلكتروني وتوحيد السلطات
وأوضح وزير البريد أن المخطط السابق المعمول به منذ سنة 2015 أظهر محدوديته، خاصة في ظل تعدد السلطات المكلفة بالتطبيق الإلكتروني وتبعيتها لمؤسسات مختلفة، ما تسبب في غياب الانسجام، وصعوبات في ترشيد الموارد المالية والبشرية، فضلاً عن غموض في تحديد مجالات اختصاص كل سلطة.
وأضاف أن الإجراءات الثقيلة والرسوم المطبقة حال دون إدماج مؤسسات الدولة ومرافقها في النظام الإلكتروني، الأمر الذي عطّل مسار رقمنة الخدمات العمومية.
ووفقاً للوزير، فإن مشروع قانون يحدد القواعد العامة المتعلقة بخدمات الثقة للمعاملات الإلكترونية وبالتعريف الإلكتروني يقوم على استبدال المخطط السابق بإطار تنظيمي تدريجي ومحكم، يحافظ على المكتسبات المحققة في مجال البنية التحتية الرقمية، ويضمن في الوقت ذاته توحيد الجهود، وترشيد النفقات، وتوجيه الاستثمار نحو أولويات التحول الرقمي.
وكشف زروقي أن أبرز ما يحمله النص هو استحداث السلطة الوطنية للتصديق الإلكتروني، وهي هيئة عمومية ذات طابع خاص، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وتتكفل بتقديم خدمات الثقة في المجال الحكومي بصفة دائمة، وفي المجال الاقتصادي بصفة مؤقتة ريثما تتحقق منافسة فعلية بين مقدمي الخدمات، وستوفر هذه الخدمات مجاناً في القطاع الحكومي مع إمكانية فرض رسوم مخففة في بعض الحالات وفق اعتبارات اقتصادية.
توسيع خدمات الثقة وتأمين المعاملات الإلكترونية
وأشار الوزير إلى أن مشروع القانون يوسع نطاق خدمات الثقة الرقمية ليشمل حماية التوقيع والختم الإلكترونيين، وخدمة ختم الوقت الإلكتروني، وحفظ واسترجاع التوقيعات، وخدمة الإرسال الإلكتروني الموثق، بالإضافة إلى شهادات توثيق مواقع الإنترنت.
ويرمي هذا التوسيع –حسب زروقي– إلى تعزيز الأمن القانوني للوثائق الإلكترونية ومنحها نفس القيمة الثبوتية للوثائق الورقية.
كما يتضمن النص قواعد جديدة لتنظيم العقود الإلكترونية، سواء المبرمة بين أشخاص طبيعيين أو معنويين، أو بين أنظمة إلكترونية، مع تحديد كيفية تبادل الإسناد والاستلام الإلكتروني وضمان حجيتها القانونية.
ويقترح المشروع كذلك إدراج مبدأ التعريف الإلكتروني كآلية آمنة لإثبات هوية الأفراد والهيئات، ما يسمح بالوصول إلى خدمات رقمية واسعة بدرجة عالية من الموثوقية.
وفي إطار الحوكمة الرقمية، ينص مشروع القانون على تعزيز الرقابة على مقدمي خدمات الثقة، وتحديد إجراءات اعتمادهم وفق معايير أمنية وتقنية صارمة، إلى جانب مراجعة العقوبات المطبقة في حالات عدم الامتثال، بما يشمل الجزاءات المالية والإدارية والجزائية.
وأكد الوزير أن الأحكام الانتقالية للنص الجديد تضمن استمرارية أنشطة التصديق الإلكتروني من قبل السلطات الحالية إلى حين تنصيب الهيئة الجديدة، على أن يُلغى القانون 15-04 ويُستبدل بمنظومة قانونية أكثر فعالية وملاءمة لمتطلبات العصر الرقمي.
تدخلات النواب… دعوة لتسريع الرقمنة وتعزيز استقلالية المنظومة
وخلال المناقشة البرلمانية، اعتبر النائب عفيف أبليله من حركة مجتمع السلم أن مشروع القانون يمثل خطوة محورية لمعالجة التأخر الحاصل في مجال الرقمنة، داعياً إلى إرادة سياسية قوية لتطبيق مواده فور المصادقة عليه، خصوصاً ما يتعلق بالدفع الإلكتروني وتأمين المعاملات الرقمية.
وتساءل أبليلة عن إمكانية تطوير “إنترنت وطنية” تعزز حماية البيانات الحساسة، مؤكداً ضرورة توفير بيئة تقنية آمنة ومؤهلة، وتحسين ظروف الموارد البشرية لمنع هجرة الكفاءات، مشددا على أهمية احترام الآجال التي حدّدها رئيس الجمهورية لاستكمال مسار الرقمنة قبل نهاية السنة.
ومن جهته، واعتبر النائب عزوز ناصري من جبهة التحرير الوطني أن النص الحالي يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة الدولة على تحقيق ثقة رقمية حقيقية، مؤكداً أن التحدي الأكبر يكمن في تنفيذ النصوص وضمان استقلالية الجهات المكلّفة بالتطبيق.
كما دعا إلى توحيد المفاهيم القانونية بين التوقيع والتصديق الإلكترونيين، واقترح تخصيص قانون مستقل للتعريف الإلكتروني وتعزيز حماية البيانات.
دراسة معمّقة للجنة ونتائج دقيقة
وأفادت لجنة النقل والمواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية، أنها عقدت سبعة اجتماعات برئاسة قادة نجادي، من بينها جلسة استماع للوزير سيد علي زروقي بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، كما وسّعت اللجنة دائرة مشاوراتها لتشمل خبراء ومختصين في الرقمنة، من بينهم مسؤولون بالسلطة الحكومية للتصديق الإلكتروني وشركات الاتصالات، وأساتذة جامعيون وباحثون.
وأجمع الخبراء -حسب اللجنة- على أن المشروع يشكل نقلة نوعية في الإطار التشريعي للرقمنة، إذ يوفر منظومة قانونية متكاملة تجعل الهوية الإلكترونية والتوقيع والختم الرقمي عمليات موثوقة تعادل الوثائق الورقية، بما يعزز الشفافية والحوكمة والإدارة الإلكترونية.
وخلصت اللجنة بعد مداولاتها إلى إدراج تعديلات جوهرية تركز على تحسين الصياغة القانونية، وتوحيد المصطلحات، وتدقيق اللغة، بما يضمن نصاً محكماً ومتوافقاً مع المعايير التقنية والتشريعية الحديثة.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال