محمد الصديق بن يحيى، يجسد الرجل السياسي والدبلوماسي، ومهندس اتفاقيات إيفيان، الذي لقبته جريدة “باري ماتش” بثعلب الصحراء لما أظهره من قدرة على الجدل والإقناع، فقد كان من أبرز الشخصيات الوطنية الذين صنعوا مجد الجزائر وسمعتها الدولية، ونجحوا في الدفاع عن القضايا العادلة، مدوّنا اسمه بحروف من ذهب من خلال تفانيه والتزامه بخدمة السلام في العالم
مساهماته ابان الاستعمار الغاشم وثورة التحرير المظفرة
وُلد الفقيد في الثلاثين جانفي 1932 بمدينة جيجل، ونذر حياته خدمةً للجزائر المكافحة والمستقلة،
بكل تفانٍ وتواضع منذ ريعان شبابه، بينما كان لا يزال عضواً ومنشّطاً في الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين
خلال ثورة التحرير الوطنية المجيدة.
وبرز بن يحي المتخرج من كلية القانون سنة 1954، على الساحة السياسية
حيث تم تكليفه بمهام هامة في الخارج على غرار مؤتمر باندونغ، اندونيسيا،
سنة 1955 الذي شارك فيه ممثلو جبهة التحرير الوطني.
وكان بن يحيى في الـ 23 من عمره، عندما تواجد ضمن الوفد الجزائري إلى جانب حسين آيت أحمد وامحمد يازيد وعبد القادر شندارلي.
وبعد إنشاء الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، أصدرت السلطات الاستعمارية مذكرة توقيف ضد بن يحي والأخضر الإبراهيمي، اللذين كانا في جاكرتا آنذاك، ولحمايتهما، قرر قادة جبهة التحرير الوطني تعيينهما في المكتب المحلي لجبهة التحرير الوطني في إندونيسيا.
وفرض الراحل نفسه بسرعة بفضل هيبته وكفاءاته وتقلده عدة رتب بجيش التحرير الوطني، وأصبح أميناً عاماً لرئاسة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وعضواً في الوفد الجزائري في مفاوضات إيفيان 1962.
وسبق للفقيد رضا مالك، أن أشاد بالمسار الثوري والدبلوماسي للمجاهد بن يحي، وأكّد أنّ إنجازات رفيقه في النضال “ساهمت في تطوير تاريخ الجزائر المعاصرة”.
وأبرز رضا مالك دور بن يحي في مفاوضات إيفيان، مشيراً إلى “مهاراته التكتيكية” و”ذكائه الدبلوماسي”، كما شارك هذا الرجل الوطني، الصادق والكفء والسياسي المخضرم والدبلوماسي والحقوقي الفذ، مثلما وصفه الذين عرفوه في جميع مراحل البناء اداء أدوارا حاسمة طوال حياته.
وفي شهادة لرفيقه المرحوم، زهير إحدادن، “إن محمد الصديق بن يحيى كان مثقفا وذكيا له تكوين سياسي وقانوني، كان يعرف الفكر الفرنسي وخفايا السياسة الفرنسية، شديد الإخلاص لوطنه، كانت له قدرة للاستماع للجميع والقيام بحوصلة ليستخرج الرأي السديد الذي يرضي الجميع”.
اسهاماته بعد الاستقلال
وتولى الراحل، عدة مناصب عين سفيرا بموسكو، لندن، ووزيرا للإعلام في 22 أكتوبر 1966،
كان أول منظم لمهرجان إفريقيا عام 1969، كما أسندت له عدة حقائب وزارية
على غرار ووزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي من 1970 حتى 1977، ثم وزيرا للمالية في 1977،
ووزيرا للخارجية عام 1979إلى غاية وفاته.
وكان محمد الصديق بن يحي الذي عين على رأس الدبلوماسية الجزائرية عام 1979،
في خدمة السلم في العالم.
وبعد مرور 41 عاماً على استشهاده، لا يزال التاريخ يحتفظ حتى اليوم،
بدوره في حل أزمة الرهائن الأمريكيين الـ 52 الذين ظلوا محتجزين لمدة 444 يوماً
بمقر سفارة الولايات المتحدة في طهران،
من خلال دفعه الطرفين للتوقيع على اتفاق الجزائر في 19 جانفي 1981.
وواصل بن يحي مهمته من أجل السلام، حيث ساهم بعد أشهر قليلة من قضية الرهائن الأمريكيين،
من أجل حل الصراع العراقي -الايراني ووضع حدٍ للحرب الطويلة المدمرة بين البلدين.
وبعد نجاته من الموت في حادث تحطّم طائرة عام 1979 في مالي،
لقي حتفه رفقة 13 اطارا آخرا بالوزارة، يوم الثالث ماي 1982، في حادث تحطم آخر لطائرة كانت تقله إلى إيران،
حيث كان في مهمة وساطة في النزاع الحدودي بين طهران وبغداد.
ويظل محمد الصديق بن يحي شهيد الواجب والدبلوماسية الجزائرية والعالمية،
شخصية نموذجية كرس حياته خدمة لبلده كمناضل ومجاهد ومفاوض محنك وأيضاً من أجل السلم في العالم.
فريال بونكلة

























مناقشة حول هذا المقال