تُعدّ مظاهرات 11 ديسمبر 1960 واحدة من أهم المحطات التي غيّرت مسار الثورة التحريرية، ليس فقط لأنها أظهرت للعالم حجم الالتفاف الشعبي حول جبهة التحرير الوطني، بل لأنها شكّلت اللحظة التي أدرك فيها الاستعمار الفرنسي أن مسار التاريخ قد حُسم.
ومع إحياء ذكراها، يعود الباحثون والمجاهدون إلى تلك الأيام التي ارتفعت فيها الرايات في وجه قوة استعمارية كانت تهيمن على كل شيء، ليكشفوا تفاصيل ظل بعضها غائباً عن الذاكرة الجماعية.
فيما اقتربت جريدة “عالم الأهداف” من أربع شهادات متكاملة، لكل منها زاوية خاصة، لكنها تتقاطع عند حقيقة واحدة: أن الشعب الجزائري كان الفاعل الحاسم في حماية الثورة وإسقاط مشاريع الالتفاف عليها حتى فجر الاستقلال.
مظاهرات 11 ديسمبر… لحظة مفصلية نقلت الثورة إلى الشارع العالمي
واستهلّ الباحث في التاريخ وسيناريست فيلم “مصطفى بن بولعيد”، صادق بخوش، حديثه لعالم الأهداف باستحضار المقولة الشهيرة للشهيد العربي بن مهيدي: “ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب”، ويؤكد أن هذه العبارة الخالدة تلخّص جوهر الثورة الجزائرية التي كانت وليدة وعي شعبي عميق، لا مجرد عمل عسكري أو سياسي.
ويرى بخوش أن جذور الانتفاضة تعود إلى تراكم طويل لمحاولات طمس الهوية والثقافة واللغة، وهي سياسات ممنهجة هدفت إلى سلخ الجزائري عن أرضه وانتمائه، غير أن هذه الجهود الاستعمارية لم تفلح في إخماد الروح الوطنية، بل زادت من رسوخها، إلى أن صار الانفجار الشعبي أمراً حتمياً.
وعند استعراضه لأحداث 11 ديسمبر 1960، يشدد بخوش على أنها لم تكن مظاهرات عابرة، بل كانت “مرحلة فاصلة” قلبت موازين المواجهة مع فرنسا، فقد جاءت كردّ مباشر على مشروع ديغول الذي حاول تقديم حلول سياسية ظاهرها الاستقلال وباطنها تكريس الهيمنة الفرنسية، انطلقت الشرارة من عين تموشنت، لتتحول خلال أيام إلى موجة احتجاجات عارمة شملت العاصمة ومعظم ولايات الوطن.
ويرى الباحث أن قوة هذه المظاهرات تظهر في كونها وحّدت صوت الجزائريين، وأظهرت التلاحم بين الشعب وجبهة التحرير الوطني، ولم تعد القضية الجزائرية شأناً داخلياً، بل تحوّلت بفعل هذه الانتفاضة إلى حدث عالمي، نقل حقيقة الصراع إلى الرأي العام الدولي، وأحرج فرنسا في المحافل الدبلوماسية.
ويضيف بخوش أن زخم الشارع أتاح للحكومة المؤقتة فرصة لتقوية موقعها السياسي، ما دفع فرنسا نحو خيار التفاوض، مجددا التأكيد على أن مظاهرات 11 ديسمبر كانت “صوت الشعب الذي لا يُهزم”، وأنها شكلت الأساس الذي مهّد لمفاوضات إيفيان وصولاً إلى الاستقلال.
شجاعة سي محمد بوسماحة أحبطت مؤامرة خطيرة وحفظت مسار الثورة
وفي سياق ذو صلة، قدّم المجاهد بوعلام شريفي شهادة حية عن إحدى أبرز الشخصيات الثورية: الشهيد سي محمد بوسماحة، الذي مثّل —بحسب قوله— نموذجاً للشجاعة والانضباط في مرحلة حرجة من عمر الثورة.
ويؤكد شريفي أن سي محمد بوسماحة تمكّن من اقتحام العاصمة في وقت كانت فيه أشد المناطق تحصيناً من قبل قوات الاحتلال، وهو ما يعكس جرأته وقدرته على تجاوز المخاطر الأمنية الكبيرة، وبفضل ذكائه وشجاعته، نفذ مهام حساسة داخل معاقل العدو، محققاً اختراقات مهمّة أعطت الثورة دفعة قوية.
ويكشف المتحدث أن سي محمد بوسماحة، رفقة مجموعة من المناضلين، أحبط مؤامرة خطيرة كانت تستهدف القضاء على صوت الثورة في الداخل وإضعاف روافدها السياسية والعسكرية، ويشير إلى أن هذه المؤامرة كادت تُحدث فراغاً يسمح للعدو بالتحكم في المسار الثوري، لولا يقظة الفدائيين الذين تمكنوا من إجهاضها قبل تنفيذها.
ويمتد دور سي محمد بوسماحة —بحسب شريفي— إلى التنسيق السياسي والدبلوماسي، خاصة خلال فترة مفاوضات 1961، حيث ساهم في توحيد الجهود الداخلية والخارجية لحماية الثورة من الاختراق.
ويختم شريفي بأن بطولات سي محمد بوسماحة وأمثاله ستبقى شاهداً على أن الثورة كانت في كل بيت وفي كل ضمير، رغم القمع والأسلاك المكهربة والحصار الأمني.
فدائيو العاصمة واجهوا الاختراقات وحموا مسار الثورة حتى آخر لحظة
ومن جهة أخرى، يقدّم المجاهد صالح لعوير شهادة أخرى تُبرز الدور الحاسم للفدائيين في العاصمة خلال السنوات الأخيرة من الثورة، يوضح أن تلك المرحلة شهدت محاولات اختراق خطيرة، بعضها كان يستهدف جرّ الثورة نحو مسارات لا تضمن تحقيق أهدافها الوطنية.
ويضيف المتحدث أنه حضر عدداً من الاجتماعات السرية التي كانت تُعقد في ظروف أمنية شديدة التعقيد، حيث كان التنسيق بين المجموعات الفدائية في العاصمة يتم بدقة عالية، ورغم الرقابة الشديدة من قوات الاحتلال، نجحت هذه المجموعات في تنفيذ تسع عمليات نوعية خلال فترة قصيرة، بفضل إصرار المناضلين وقدرتهم على العمل في بيئة خطرة.
كما يشير لعوير إلى أن التنسيق بين الداخل والخارج كان عاملاً أساسياً في الحفاظ على تماسُك الثورة، خصوصاً خلال المفاوضات، فقد استمر الدعم السياسي والعسكري من مختلف الجهات، ما ساهم في تقوية موقع الثورة في مواجهة محاولات فرنسا المناورة وإعادة ترتيب أوراقها.
ويؤكد المتحدث أن بعض الروايات المتداولة اليوم حول تلك المرحلة تحتاج إلى تصحيح، لأن الكثير من المجاهدين عملوا في صمت وقدموا تضحيات كبيرة دون أن يذكرهم التاريخ بما يكفي، مؤكداً أن نجاح الثورة كان نتيجة تلاحم الشعب وصبره وإصراره، وأن هذه الحقائق يجب نقلها للأجيال القادمة لحماية الذاكرة الوطنية من التحريف.
مظاهرات الاستقلال… معجزة شعب أسقطت آخر مشاريع فرنسا
ومن جهته، يقدّم المجاهد بولمرقة محمد الأمين شهادة تكشف جانباً آخر من الأحداث: فقد كانت فرنسا —بحسب قوله— تخطط حتى الأيام الأخيرة لفرض مشروع “الجزائر الحرة تحت الحماية الفرنسية”، أي استقلال شكلي يُبقي البلاد خاضعة للنفوذ الاستعماري.
ويؤكد أن مخططات الاستعمار كانت تشمل مشاريع سياسية واقتصادية تهدف إلى تقسيم البلاد والتحكم في مستقبلها، بل إن بعض الأطراف الاستعمارية حاولت —كما يقول— خلق “فوضى فلاحية” لإرباك الشعب وإضعاف الثورة، غير أن هذه الخطط انهارت بفعل وعي الجزائريين، الذين كانوا يدركون أن أي تنازل يعني إجهاض الحلم الوطني.
ويرى بولمرقة أن المظاهرات الشعبية التي شهدتها البلاد في تلك الفترة كانت “نعمة إلهية”، لأنها أظهرت قوة الإرادة الشعبية وكشفت لفرنسا أن كل أساليبها قد فشلت، ويشدد على أن هذه المظاهرات خاصة في العاصمة كانت القشة التي قسمت ظهر المشاريع الاستعمارية، ودفعَت فرنسا إلى الاعتراف بأن لا مستقبل لها في الجزائر.
ويضيف أن الشعب دفع ثمناً باهظاً للوصول إلى تلك اللحظة، قائلاً: “كل يوم كنا نعيش حاجة زايدة”، ومع ذلك، ظل الجزائريون متمسكين بحلم الاستقلال، رغم القمع والحصار والمطاردات.
وفي ختام شهادته، يشدد بولمرقة على ضرورة تعليم الأجيال بلغة التاريخ الحقيقي، قائلاً إن أهم لغة اليوم ليست الألمانية أو الفرنسية أو الإيطالية، بل “لغة الوعي الوطني”، ويؤكد أن ما تحقق يوم الاستقلال لم يكن مجرد حدث سياسي، بل معجزة شعب وقف في وجه قوة استعمارية ظنت أنها باقية إلى الأبد.
ذاكرة ديسمبر… دروس لأجيال لا ينبغي أن تنسى
وتكشف الشهادات الأربع أن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 لم تكن مجرد تاريخ يُستعاد، بل كانت شرارة غيّرت ميزان القوى، وأسقطت آخر أوهام الاستعمار، وحمت المسار الثوري من الاختراق والتلاعب، لقد كانت تلك الأيام لحظةً تفتح فيها التاريخ على مصراعيه أمام شعب اختار أن يكتب مصيره بيده، وأن يسير بثبات نحو الاستقلال.

























مناقشة حول هذا المقال