..اليوم الوطني للصحافة مناسبة وطنية على غرار باقي المناسبات الوطنية والدنية، مفعم بالرمزية. يعيدنا الى مشهد إعلام المقاومة إبان الثورة التحريرية، الذي رغم بساطة الوسائل وانعدام الإمكانات وجسامة التحديات، إلا أنه أدى دوره الريادي في الحفاظ على الشخصية الجزائرية والهوية الوطنية. التي حاول المستعر الفرنسي طمسها بكل السبل، كما أبرز الصورة الحقيقية للمستعمر الاستيطاني، وأسمع صوت الجزائر في المحافل الدولية.
وهذا يقودنا الى الحديث عن الاعلام الوطني في المرحلة الراهنة الذي يواجه تحديات مغايرة. تقتضي منه مهام ومسؤوليات جديدة، مع الاستمرارية على ذات النهج والقيم النوفمبرية، و البناء على المكتسبات و الارتقاء بالاعلام الوطني من خلال المهنية والاحترافية. و الاستجابة لمختلف المتطلبات و التحديات، لذلك ارتأينا تناول هذا الموضوع من خلال هذا الملف الذي أبرزنا فيه دلالات و أبعاد هذا اليوم الوطني، كما استطلعنا فيه رأي الخبراء و المهنيين من قطاع الصحافة المكتوبة و السمعي البصري ومناقشة واقع الإعلام الوطني و متطلبات الارتقاء به على مختلف المستويات.
مهنيو القطاع يدلون بآرائهم حول واقع الممارسة المهنية وآفاق الارتقاء بالإعلام الوطني
من أجل معرفة واقع الاعلام والبيئة التي يشتغل فيه مهنيو القطاع. استطلعنا اراء مجموعة من الصحفيين من الصحافة المكتوبة والسمعي البصري حول واقع الممارسة الإعلامية وسبل الارتقاء بها:
الاعلام إبان الثورة تمكن من مجابهة الدعاية الفرنسية وإسماع صوت الجزائر رغم قلة امكانياته
عن أبعاد و دلالات اليوم الوطني للصحافة. اعتبر عبد الغاني بالقيروس (رئيس تحرير قناة الحياة). ” ان الاعلام إبان الثورة التحريرية. استطاع ان يحقق نجاحا مشهودا في مرافقة النضال بالبندقية. ففضح الجرائم الفرنسية في حق المدنيين. والانتهاكات البربرية في حق أصحاب الارض. كما نجح في إيصال صوت المجاهد في الجبال. وأبرز إنجازاته وملاحمه، وتمكن باقتدار من مجابهة الدعاية الاستعمارية. بكل قوتها الإعلامية والدعائية. وفضح كذبها وزيفها أمام الشعب وأمام العالم. وكان الايمان بالواجب والقضية الدافع الأكبر لتحقيق هذا النجاح”.
كما أكد مالك رداد (رئيس تحرير جريدة الفجر). ان ” الاحتفال باليوم الوطني للصحافة . هي محطة من محطات تاريخ الجزائر الحافل بالبطولات والنضالات. أين استطاع أسلافنا في هذا القطاع الحساس. بالرغم من قوة المستعمر إيصال الرسالة وإسماع صوت الجزائر. في المحافل الدولية بإمكانيات محدودة”. مؤكدا في حديثه أن ” ما كان يجهله المستعمر أن هؤلاء يملكون إرادة وعزيمة لا تقهر . فواجهوا إعلام أحد أعظم القوى العسكرية للحلف الأطلسي . واستطاعوا إسماع صوت الجزائر. في ظروف صعبة للغاية وإيصاله إلى منبر الأمم المتحدة ومختلف ربوع العالم”.
هذا وفسر الصحفي مسعود دشيشة (التلفزيون الجزائري) . أبعاد الاعلام الثوري و السر في تغلبه على الدعاية الاستعمارية. ” بكون ان الاعلام الثوري كان حاضرا بالإرادة و الصدق و المصداقية رغم قلة الإمكانيات، أين كان العمل مستمرا دون كلل. فكانت الإذاعة آنذاك أفضل وسيلة لإيصال و نقل المعلومة. و الاخبار بالخطاب الشفوي الى كل الجزائريين حتى الاميين آنذاك. أين كانت الرسالة تنقل بسهولة، و بالتالي هذا هو السر في تغلب الصحافة الجزائرية على المستعمر رغم الفارق الكبير في الإمكانيات “.
الاعلام الوطني يواجه اليوم تحديات من نوع آخر تتطلب الارتقاء بالمهنية والممارسة الإعلامية
كل هذا يقودنا للحديث عن تحديات الاعلام الوطني. اليوم و كيفية الارتقاء به و بالممارسة الصحفية لمواجهة التحديات بفعالية. و في هذا الجانب اعتبر الصحفي مالك رداد ” ان الإعلام الوطني يواجه في الظرف الحالي تحديات مغايرة لما كانت عليه في السابق وهو بحاجة إلى المزيد من الإمكانيات والوسائل والجهود. لاكتساب أدوات التحكم في المناهج والمعارف للتصدي لحروب الجيل الرابع الهادفة إلى النيل من الجزائر. وهنا وجب الإشارة إلى أن الحدود الجزائرية تشهد محاولات اختراق من جميع الجهات وقوى الشر تتربص بأمن واستقرار البلاد مما يستدعي تظافر جهود الجميع وفي المقدمة الإعلام الوطني الذي هو مطالب أكثر من أي وقت مضى بالمساهمة في التوعية والتحسيس لإحباط كل محاولات النيل من الجزائر.”
و قال الصحفي مسعود دشيشة في ذات السياق . ان “من أبرز تحديات الصحافة اليوم هو الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي. التي تعتبر منافس غير شريف يفتقد للمصداقية و الصدق”. مضيفا انه و” للارتقاء بالممارسة الصحفية في الوقت الراهن . واجب توفر تكوين جاد للصحفي مرتبط بالتكنولوجيا الحديثة .مع وضع الصحفي في ظروف اجتماعية مريحة. و تمكين جميع المؤسسات الإعلامية من الاخبار المهمة و كذا الرسمية، مع ضرورة مراقبة. بعض مسؤولي المؤسسات الإعلامية الذين لا تربطهم علاقة بمهنة الصحافة و الاعلام “.
كما حدد الصحفي عبد الغاني بالقيروس .مسألة الارتقاء بالممارسة الصحفية لمواجهة التحديات في عبارة ” لا بديل عن الحرية المسؤولة. والتكوين الرصين، والقوانين الناجزة، لصناعة إعلامية احترافية تنافسية”، و ” بعدها يأتي توفير الوسائل المادية والكادر البشري التقني المؤهل، وأيضا الحماية المادية والاجتماعية الكافية لمنتسبي المهنة، ويمكن بعدها الحديث عن منافسة الاعلام الأجنبي بل ولما لا يمكن أيضا التفوق عليه وتجاوزه”
وعن التحديات قال يوسف رزيق (صحفي بالتلفزيون الجزائري) . “ان أبرز تحديات الوقت الحالي هي التأكد من المعلومة. بحكم اننا نعاصر العولمة ووسائط التواصل الاجتماعي، لذلك هنالك كم هائل من المعلومات المغلوطة، لهذا وجب أخذ المعلومة من مصدرها والتأكد منها، بالإضافة الى تحدي آنية المعلومة التي تصل الى المتتبعين والمتعطشين للأخبار بكبسة زر. لذلك وجب على وسائل الاعلام نقل المعلومة المؤكدة بسرعة والتي تجمع بين الآنية والمصدر الموثوق.”
العدوان على غزة أظهر الحاجة الملحة لأعلام عصري لإظهار الحقيقة والدفاع عنها
الحديث عن الوضع في المناطق العربية و الإسلامية. وبالتحديد ما يجري في فلسطين التي تواجه جرائم حرب و إبادة ضد الإنسانية في غزة ولبنان. اين نطرح السؤال حول دور الاعلام في مثل هذه الحالات و موقف الإعلاميين مما يحدث، و في هذا الجانب قال الصحفي عبد الغاني بالقييروس. ان الحرب الاجرامية على غزة أظهرت الحاجة الملحة لإعلام عصري تنافسي لإظهار الحقيقة والدفاع عنها. وبالخصوص الاعلام الجديد الالكتروني منه والاجتماعي. حيث تمكن شباب بوسائل بسيطة في غزة فضح الجرائم الصهيونية. وتحطيم صورة “الجيش الأكثر أخلاقية” التي يحاول الصهاينة بإعلامهم الضخم تصويره في العالم الغربي، وهو النجاح الذي يمكن ان يتكرر في أي مكان في العالم بتوفر الإرادة والحرية والقوانين المنظمة والشفافة.
وعن موقف محدثينا مما يحدث في غزة ولبنان. قال الصحفي مالك رداد “موقفي مما يحدث من جرائم إبادة يقترفها الكيان المحتل لا يمكن أن يختلف عن موقف الدولة الجزائرية. وما تقوم به دبلوماسيتنا في جميع المحافل الدولية وهو موقف مشرف ويستحق التحية والإشاد.، فالجزائري ينشأ أصلا على حب فلسطين واستعداده التضحية من أجل أرضه ومقدساته،
أثبتت الجزائر عودتها القوية في المحافل الدبلوماسية وحضورها في مجلس الأمن أرعب الكيان وحلفاؤه… كما أنها لا تفوت الفرصة للمطالبة بضرورة معاقبة الكيان المحتل ومحاكمته على جرائم الإبادة. التي يقترفها في حق المدنيين والعزل في انتهاك صارخ للقوانين الدولية ولحقوق الإنسان وعدم احترام الأعراف الدبلوماسية.”
كما قال الصحفي مسعود دشيشة أن ” موقفنا موقف معروف . وهو موقف كل شريف و كل إنسان له علاقة بالإنسانية . فما يحدث في غزة و لبنان و بعض الدول الإسلامية حاليا، هو ضد الإنسانية ” مؤكدا في ذات السياق الصحفي يوسف رزيق أن “موقفنا بالنسبة لما يجري في المنطقة العربية وبالتحديد غزة ولبنان. من موقف الجزائر، وما لفت انتباهي في مجلس الامن من خلال النشاط السياسي للجزائر. هو إعادة النظام الدولي ومنظومة الأمم المتحدة التي لا يجب أبدا ان تبقى بهذه الطريقة. فشخصيا أنا مع موقف الجزائر من خلال إصلاح المنظومة الخاصة بالأمم المتحدة.”
أصحاب المهنة رافعوا من أجل توحيد الجهود والتكوين من أجل تحقيق المكاسب
وبخصوص الانشغالات التي تطرح في اطار الممارسة الإعلامية للصحفيين. و الإعلاميين الجزائريي.. اعتبر الصحفي مالك رداد. أن الصحفي مطالب داخليا بتنوير الرأي العام وإيصال الرسالة الإعلامية والمعلومة الصحيحة. مع احترام أخلاقيات المهنة. كما انه مطالب أن يؤدي دوره الريادي من أجل المساهمة في استقرار البلاد.
ومواجهة المخططات العدائية التي تحاول ضرب وحدة الوطن. وهذه المهمة تحتاج إلى توفير ظروف ومناخ عمل مواتي. يساعده على أداء واجبه على أكمل وجه. لأنه لا يمكن للصحفي. أن يؤدي دورا رياديا في مختلف مجالات الحياة. وهو يعاني من أبسط الحاجيات ويتخبط في ظروف اجتماعية ومهنية صعبة. لا ترقى إلى المستوى المطلوب.
لان أداء الرسالة الإعلامية يتطلب حتما تسهيلات مهنية واجتماعية لإنجازها على أكمل وجه. لكن للأسف يواجه أصحاب المهنة عراقيل عديدة ومتنوعة. بدء بصعوبة الوصول إلى مصدر المعلومة وصولا إلى مشاكل اجتماعية عديدة. وعليه فالحديث عن انشغالات الصحفي . هو مطلب مشروع وعلى أصحاب المهنة توحيد الجهود بغرض تحقيق هذه المكاسب. بدء بتفعيل مواد قانون الإعلام الجديد الذي يتضمن مزايا ومكاسب. لفائدة الصحفي ويضمن حرية التعبير والتعددية الإعلامية.
الصحفي مسعود دشيشة. عبر عن هذه النقطة بالقول: “الأساس هو ضرورة تحسين الوضع المالي والاجتماعي للصحفيين. خاصة للشباب الجدد. وللمؤسسات الإعلامية الجديدة كذلك. مع توفير الإمكانيات والتكوين اللازم. ” وفي ذات المنحى اعتبر الصحفي يوسف رزيق. ان الانشغالات التي تطرح كثيرة. وأبرزها التحلي بالميثاق الشرفي للمهنة، بالإضافة الى التكوين الجيد للصحفيين لما له من أهمية. مع الابتعاد على الطريقة الكلاسيكية في تحرير المادة الصحفية ومواكبة صحافة الموبايل”.
يمينة سادات / فريال بونكلة

























مناقشة حول هذا المقال