يؤكد الدكتور أحمد بن يغزر أستاذ تاريخ الحديث بجامعة الجيلالي بونعامة بخميس مليانة، أن غالبا ما يكون اهتمام الشباب متجها نحو المستقبل، فالجزء الأهم من زمنهم الافتراضي المتوقع أن يعيشوه هناك، ولا يمثل لهم الماضي إلا مقاطع من ذكرياتهم الشخصية أو العائلية.
وفيما يتعلق بالذاكرة الجماعية التي تربطهم بوطنهم فإنها لا تزيد عما علق في ذاكرتهم من أيام الدراسة في حصص التاريخ بشكل خاص من وقائع وشخصيات ورمزيات ربما جلبت انتباههم.
فمسألة الذاكرة الجماعية أو التاريخ يقول الدكتور بن يغزر،”هي من متعلقات مرحلة عمرية أخرى لم يبلغوها بعد، وقد دفعت الحياة الحديثة بما ارتبط بها من سرعة وتداخل وتنوع في الاهتمامات والأولويات إلى تعميق هذا الشعور لدى فئات عريضة من الناس وليس الشباب فقط”.
ويضيف محدثنا ” أن بعد الشباب عن التاريخ هو مسؤولية جماعية تشترك فيها أطراف متعددة، أولها المدرسة التي جعلت التلميذ يتعامل مع مادة التاريخ من خلال الشكل الذي تقدم به من حشو وضخ غير منهجي ولا علمي للمعارف كما لو أنها مجرد مادة للحفظ تساعده على تجميع المطلوب من النقاط لكي ينجح في الانتقال من مستوى لآخر”.
ومن جهة أخرى يؤكد بن يغزر أن الكثير من القيم التي يستهدف التاريخ غرسها كقيم حب الوطن، والتضحية، والمصلحة العامة، لا يجد لها هذا التلميذ أثرا بالغا في واقعه، بل إن عكسها هو المنتشر أو هكذا يبدو للكثير، وكلما اتسعت حدود الإدراك لديه مع الزمن كلما رأى وسمع وقرأ وعايش ما يجعل كل ما تلقاه في هذا الاتجاه محل سؤال وشك.
ولتوطيد العلاقة بين الشباب والذاكرة يقول “الأمر يتطلب أن تكون الاستقامة العامة التي تفرضها المنظومات المختلفة للدولة خصوصا على مستوى الشخصيات العامة التي تتصدر القيادة والتوجيه والتمثيل هي النموذج الحي الذي يجسد قيم التاريخ كما يتلقاها الشاب على مقاعد الدراسة، وبهذه الطريقة فقط يصبح لها مصداقية وتأثير وفعالية”.
وعلى الرغم مما يظهر للعيان عن ابتعاد الشباب عن كل ماله صلة بالماضي إلا أن الشباب حسب الدكتور بن يغزر يختزن في وعيه الباطن نزوعا نحو استمداد جزء من طاقته من ماضيه وتاريخ أجداده، و”لقد كان لافتا خلال الحراك الشعبي الذي عاشته الجزائر بداية من 22 فيفري 2019 والذي كان الشباب في القلب منه كيف كان حضور التاريخ بارزا من خلال رفع صور شخصيات تاريخية جزائرية بارزة تمثل في أعين ووعي هؤلاء الشباب رمز النقاء والتضحية، وهي في اعتقادي رسالة بالغة الوضوح والدلالة”.
ويختم محدثنا قائلا “يمكن اعتبار التاريخ روح تسري في الأمم، وهذه الروح هي التي تمنح للشعوب القدرة والثقة والعزم أن تصنع لنفسها بالاشتراك بين كل أجيالها مساحة محترمة تحت الشمس، فالشعوب الواعية تعمل بكل ما هو ممكن لتورث الاعتزاز بالتاريخ المشترك لأبنائها، وحتى التي لا تمتلك ما يكفي من أجل ذلك فإنها لا تتردد في صياغة ذاكرة توظف فيها رغباتها وأحلامها وحتى أساطيرها وخيالاتها”.
الخبير في المناهج اسماعيل دباح:”علينا تطوير وسائل تدريس التاريخ، والاهتمام بتكوين الأستاذ حتى نخلق جيلا يعتز بتاريخه”
يؤكد الخبير في المناهج إسماعيل دباح، أن الكثير من الدول تعطي عناية فائقة لتاريخها، تخصص ميزانية معتبرة للمحافظة على إرثها الحضاري وتبليغه للشباب، أما في الجزائر يقول محدثنا “لقد بنيت بين الشباب وبين التاريخ الكثير من الحواجز، أكثرها حواجز وهمية، وقد أورثت المنظومة السياسية والمنظومة التربوية التشكيك في التاريخ، وعدم الاعتناء به واعتباره مادة ثانوية، ولم يعتنى كذلك بالمعلم والأستاذ الذي يشرف على هذه المادة، لذا كان عطاء المعلم وأداء الأستاذ أداء تقليديا، ما جعل الشباب والأطفال ينفرون من مادة التاريخ، وهنا المسؤولية تتوزع بين عدة أطراف، فالجانب السياسي له جزء كبير من هذه المسؤولية، لأن هناك من استغل الذاكرة للدخول في مزايدات ومناكفات سياسية”.
وحين نتحدث عن المنظومة التربوية يقول دباح “لا نقصد وزارة معينة لأن التربية من مهام المجتمع، والإعلام والمسجد وباقي مؤسسات المجتمع المدني، وحين نرجع للمنظومة التربية، نرى أن مادة التاريخ تعتبر مادة ثانوية يخصص لها الزمن الضائع من الساعات، كالساعة الأخيرة بعد ما ينهك التلميذ، ونلاحظ المعاملات ليست تنافسية مثل المواد الأخرى، فضلا عن إهمال الجانب التكويني للأستاذ، فمازالت المادة إلى الآن تقدم بشكل تقليدي، مع شباب الأجهزة الذكية، لذا يجب تكوين الأستاذ تكوينا خاصا”.
أما من حيث المناهج فمازالت تعتمد على إعطاء تاريخ الأمم حيزا كبيرا مقارنة بتاريخ الوطن، وهذا ما جعل التلميذ ينفر من المادة، فمن المفروض يضيف محدثنا أن يحتل تاريخ الأمة الجزائرية، الحيز الأكبر من المادة، وأن يتم اختيار محطات تحبب التاريخ للتلميذ، وفي هذا الصدد يقول دباح “لاحظنا كيف أن فيلم معركة الجزائر جعل الطفل يعتز بتاريخه، لذا يجب اختيار المحطات التي تحتوي على نشوة الانتصار والتفوق، والاعتزاز، وليس بالضرورة الالتزام بالسرد الزمني، كما علينا تقليل الحشو والسرد والتفاصيل المملة، وبذلك نحبب للتلميذ التاريخ عن طريق التخفيف، حتى يستوعب العبر والدروس، ونغريه بالتحصيل على نقاط متميزة، وبهذا نستطيع أن نغرس فيه بذرة حب الذاكرة والاعتزاز بها”.
ومن جانب آخر يؤكد الخبير في المناهج، أنه علينا تطوير الوسائل لتدريس التاريخ باعتباره مادة ذات سيادة، تصنع المواطن الصالح الذي يعتز بالانتماء، ووجدان متميزا، فالوسائل العصرية، كالأفلام القصيرة، وتحويل محطات متميزة في تاريخ الأمة إلى مسرحيات، ومن الوسائل كذلك يقترح محدثنا التطبيقات الإلكترونية والبرامج، يجب توظيف المحطات التاريخية من خلالها.
الى جانب الدور الأساسي الذي تؤديه المدرسة في تعميق العلاقة بين التلميذ والذاكرة، يكتسي الإعلام حسب محدثنا دورا أساسيا، وهو سلاح ذو حدين، فإما أن يكون وسيلة لربط الشباب بتاريخهم، أو يعمل على زيادة الفجوة إذا أسأنا استخدامه، كما أن المسجد يؤدي دورا هاما في ترسيخ ذاكرة الأمة، والمزاوجة بين التاريخ الإسلامي وتاريخ الأمة الجزائرية، والتحدث عن الأبطال القدوات، وفي هذا الصدد يقول دباح” لما لا يكون تاريخ أبطال الجزائر وإبراز الجوانب المشرقة والمشرفة محورا لخطب المسجد، فعلى سبيل المثال الكثير منا يجهل أن القائد المقراني، مات شهيدا وهو يصلي وشهادته كانت مثل شهادة عمر بن الخطاب، فهذا الربط من شأنه أن يخلق فيه اعتزازا بالنماذج الراقية، وعلى المجتمع المدني أن يساهم كذلك في هذا المجال من خلال تنظيم المعارض ومسابقات في تاريخ الأمة، لأن الطفل يحتاج إلى نوع الإغراء”.
رئس جمعية العمل التطوعي أحمد ملحة “ التواصل مع الشباب لمعرفة انشغالاتهم، ومرافقتهم في مختلف المجالات “
يؤكد المهندس أحمد ملحة رئيس الجمعية الوطنية للعمل التطوعي، أن الشباب اليوم يستقبل يومه الوطني في عالم مليء بالتغيرات، وهنا يمكننا أن نطرح التساؤل التالي، يقول ملحة “ماذا ينتظر الشباب من الدولة الجزائرية، فالشباب اليوم يعرف تحدي أكبر وهو الشغل الذي يطرح انشغالا كبيرا ومشكلا متشعبا”.
وفي هذا الإطار أشار رئيس جمعية العمل التطوعي عن لأهمية إنشاء المؤسسات المصغرة كحل من الحلول لتخطي عقبة البطالة التي تهدد فئة واسعة من شباب الجزائر، وهنا يقترح محدثنا قائلا “أطلقنا أول حاضنة للمقاولاتية الخضراء في 5جوان الماضي بهدف إنشاء اقتصاد أخضر نراعي فيه البيئة والتنمية المستدامة، من أجل الارتقاء بالعمل الجمعوي إلى العمل المؤسساتي و هذا سيساهم بشكل كبير في خلق الثروة وامتصاص البطالة”.
فمرافقة الشباب في مجال المقاولاتية، صار أمرا ضروريا حسب المهندس ملحة، للنهوض بهذه الطاقة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومن جهة أخرى يضيف محدثنا قائلا” هناك تحدي آخر لا يقل شأنا عن تحدي الشغل، وهو توفير الفضاءات الترفيهية والمساحات المخصصة لممارسة الرياضة بكافة أنواعها، فهذا الجانب له أهمية بالغة للمحافظة على الثروة الشبانية”.
وأشار في ذات السياق، إلى ضرورة خلق جسور للتواصل مع الشباب للتقرب منهم ومعرفة انشغالاتهم، بهدف ضمان مرافقتهم وتوجيههم في مختلف مجالات الحياة.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال