وباء كوفيد 19 ليس مجرد داء لا تزال تجابهه البشرية جمعاء، بل أطلق عليه لفظ الجائحة لما حمله من خطورة على حياة البشر، وما تكبدته الدول من خسائر في الأرواح، والتي انعكست على مختلف القطاعات، باعتبار أن الإنسان هو الحلقة الأقوى فيها.
الجزائر كغيرها من الدول ما تزال تعيش تحت وطأة هذا الوباء، وما تزال تجابه الموجة الثانية حيث تزايدت عدد الإصابات، وعدد الوفيات كذلك مقارنة بالفترة السابقة، وبالتالي فالآثار النفسية التي خلفها الوباء صارت خطيرة خاصة على الاطفال، مما جعلنا نستعين بأهل الاختصاص، لمعرفة سبل ضمان التكفل الإيجابي بهذه الشريحة وكيفية استغلال العطلة المدرسية خاصة في ظروف الحجر المنزلي.
فرجاني: “متابعة أخبار الوباء باستمرار تضعف مناعتنا ومناعة أطفالنا، وعلينا أن نستغل ظروف الحجر لتعليم الطفل التعلم الناشط”
يؤكد الأخصائي النفسي محمد فرجاني أنه في الآونة الأخيرة صارت تداعيات كورونا موضوع حساس جدا، لمّا زاد عدد الإصابات والوفيات ومعه تزايد القلق والاكتئاب والعنف داخل الأسرة بشتى أنواعه، بسبب الضغوطات النفسية.
فزيادة عدد الإصابات حسب فرجاني، نتج عنها عدة نتائج سلبية منها التخويف من هذا الداء، من خلال مقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنشورات والتي صارت في متناول الأطفال، وهي فيديوهات تبث الرعب في نفوسهم.
فالابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية يضيف فرجاني، هو أحسن السبل للتخفيف من هذه التداعيات، والاتجاه للعب والترفيه، وفي هذا الصدد يؤكد فرجاني قائلا “علينا ألا نضعف مناعتنا ومناعة أطفالنا بمشاهدة أخبار الوباء ومتابعة عدد الإصابات باستمرار لأن هذا من شأنه خفض الطاقة الإيجابية وزرع التشاؤم والاكتئاب واليأس والعدوانية”.
وكذلك ممن أصيبوا بكوفيد 19 يقول محدثنا” لاحظنا أن الكثير منهم يدخلون في حالة اكتئاب من جراء الحجر المطبق وغلق مختلف الفضاءات والنوادي، لذا أقترح القيام بخرجات للمساحات الخضراء للتخفيف من هذه الضغوطات، واستثمار هذا الوقت في المطالعة وهي فرصة كذلك للطفل ليتعلق بالكتاب والقراءة، وعلينا تشجيعه على القيام ببعض الأشغال اليدوية كالرسم والتلوين والتعبير عن كل ما يختلج في نفسه وهذا ما يساهم في صقل مواهبه”.
ويدعو فرجاني الأولياء لاستثمار فترة الحجر المنزلي للتقرب من أولادهم والتواصل معهم والاستمتاع رفقتهم بعيدا عن وسائل التواصل الاجتماعي التي قضت على التماسك الأسري، وهي فرصة كذلك للمرأة للقيام ببعض الأشغال رفقة أبنائها والاعتناء بنفسها وبيتها، لأن الطاقة الإيجابية التي تملكها حتما ستنعكس على كل أفراد أسرتها.
ويختم فرجاني قوله “علينا نحن الأولياء تعليم أبنائنا التعلم الناشط، أي الجمع بين الترفيه والتعلم، لكيلا نبعدهم عن العلم والدراسة، فهذا الأسلوب يجعل الطفل يلعب وفي نفس الوقت يطور مهاراته المعرفية والتحصيلية وبهذا يحضر نفسه جيدا للدراسة، ولا نهمل جانب مهم كذلك وهو استثمار هذا الوقت لتعلم أحكام التجويد والقرآن الكريم، وهذا ليكون الطفل مستقبلا مواطنا صالحا بأخلاقه وعلمه لبناء مجتمعه”.
نايت مسعود: “الكثير من الأمهات يشتكين من سلوكات أبنائهن بسبب الحجر المنزلي وأقترح توفير خدمة الاستشارات عن بعد”
حسب الأخصائية في التربية نايت مسعود فاطمة أن تداعيات الكورونا، تضاعفت بسبب الحجر الصحي المصاحب للموجة الثانية من الوباء، فالأطفال وجدوا أنفسهم ملزمين بالمكوث في البيت، خاصة مع ضيق السكن وعمل الأولياء، حيث يترك الطفل بنفسه لنفسه بدون أنشطة أو تواصل، وهذا ما يؤثر بشكل كبير على نفسيته، وفي هذا الصدد تؤكد نايت مسعود” ومن الطبيعي أن يزيد الوباء من الشكايات النفسية التي يعاني منها الأطفال، وأستقبل في مكتبي أسبوعيا أمهات يشتكين من سلوكات أبنائهن بسبب تداعيات الحجر المنزلي كالعنف والعزلة وكثرة الشجار بين الأبناء، خاصة أمام انعدام التواصل بين أفراد الأسرة الممتدة وبين الأطفال وأصدقائهم”.
تضيف محدثتنا “حاليا ارتفعت حالات اكتئاب الاطفال وتقلبات المزاج واضطرابات في الأكل وتشتت النظر وفرط النشاط، خاصة إذا بقي الطفل طيلة النهار أمام شاشة التلفاز أو الأنترنت دون أي حركة أو نشاط في غياب توجيه الآباء”.
وفيما يخص طرق وأساليب تخفيف هذه الضغوطات على الأطفال، تقترح نايت مسعود، تخصيص وقت للاستماع لهم، أو ما يعرف حسبها، بمصادقة المشاعر وتشجيعهم على التعبير عن كل مشاعرهم التي يمرون بها كالحزن والملل والتعاطف معهم، ويستحسن توفير خدمة الاستشارات عن بعد لبعض الأولياء الذين يجدون صعوبة في التنقل لمختلف المراكز الخاصة بالاستشارات بسبب الجائحة، لأن هذه المرحلة حرجة “.
وتضيف محدثتنا “على الأولياء ترك مساحة حرية للطفل لممارسة مختلف الألعاب في المنزل وهنا على الأم أن تتخلى على المثالية في ترتيب البيت وتخصيص زوايا للعب والقيام بأنشطة معينة كما علينا السماح للطفل بالتواصل مع الأصدقاء هاتفيا أو عبر الأنترنت، وزيارة بعض الفضاءات مع احترام التباعد، لإن حاجة الطفل للحركة والنشاط ضرورية لنمو نفسي وجسدي سليم”.
وعن كيفية استثمار ما تبقى من العطلة الصيفية تؤكد محدثتنا أن المسؤولية تقع على عاتق الأولياء، فعليهم وضع جدول لتنظيم وقت فراغ أطفالهم بما ينفعهم، وتخصيص وقت للعب والمطالعة والتلفزة، ويكون هذا البرنامج بالاتفاق معهم، مع تشجيعهم على قراءة القصص وتلخيصها وعرضها في جلسة عائلية، والعمل ببعض الأنشطة والمهارات لأن الطفل يحتاج لتنشيط قدراته العقلية والحركية، مع فتح جلسات حوار للتعبير، كما يمكن إشراك أطفالنا في ورشات ودورات مجانية تقدم للأطفال حتى يتشاركوا مع أطفال آخرين ويتبادلون المعارف والخبرات”.
نجاح: “الحجر المنزلي كان فرصة لاكتشاف مواهب الأطفال، وعلينا تنظيم جلسات عائلية لإثراء لغة التواصل”
تؤكد الأخصائية الاجتماعية أمال نجاح للجمعية الوطنية للترقية والإدماج الإجتماعي،أن جائحة كورونا من نتائجها السلبية أنها جعلت الكثير من الأطفال يتجهون إلى الإدمان على الأنترنت، والبعض يعيش عزلة خاصة منهم المراهقين، إلا أنها كانت فرصة للأولياء لاكتشاف مواهب أبنائهم.
وفي ذات السياق تقول نجاح “علينا التوقف عن الممارسات السلبية في التعامل مع أطفالنا كالتحكم والتسلط ومقارنتهم بالأقران، وخلق علاقة إيجابية معهم خاصة وأن الحجر المنزلي ولد الشعور بعدم الراحة والضيق للطفل وجعله عرضة لعدة تقلبات مزاجية وانخفاض في الطاقة وهذا ما خلق صراع بين الطفل والوالدين”.

ولاستغلال فرصة العطلة المدرسية تقترح الأخصائية الاجتماعية “مشاركة الأولياء أولادهم في عدة نشاطات وتنظيم جلسات عائلية لإثراء لغة التواصل، والاهتمام بتنمية المواهب والهوايات وتوسيع خيال الطفل وتطوير استعمال الحواس لديه، من خلال عدة أشغال يدوية كتعليمه تنظيف البيت، والاعتناء بالنباتات”.
ومن جهتها أكدت لنا المرشدة الأسرية أمينة بن مشيه ” أن جائحة كورونا لم تخلق معاناة، بقدر ما أزاحت الستار وكشفت لنا عن مشاكل تعيشها الأسرة الجزائرية، حيث زادت المشاحنات بين الأولاد، وبين الأزواج كذلك، لذا فالحجر المنزلي تقول بن مشية “كشف عيوبنا وفجر نقاط ضعفنا”.
لذا فمعالجة أي مشكل تتعرض له الأسرة حسب محدثتنا” يقودنا للاهتمام بالمرأة باعتبارها مصدر قوة الأسرة وتوعيتها بدورها مع إعطائها عدة مهارات تعيد لها تقديرها لذاتها واتزانها لتكون مبدعة مع أطفالها، وعلينا استغلال فرصة الحجر المنزلي والعطلة الصيفية لمصاحبة أطفالنا وتنمية روح المسؤولية لديهم، وتنظيم جلسات عائلية لقراءة القرآن والمطالعة وإعطاء الطفل فرصة للقيام ببعض النشاطات كالرسم والتلوين باعتبارها وسيلة مثلى لإفراغ الطاقات والتعبير عن المشاعر والأفكار”.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال