في خطوة أثارت موجة واسعة من التنديد والانتقادات، أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانونا جديدا يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين، لما يتضمنه من بنود غير مسبوقة تعزز الطابع العقابي والتمييزي في التعامل مع الفلسطينيين.
وينص القانون على تطبيق عقوبة الإعدام شنقا بحق الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين، في حين يستثني بشكل صريح المواطنين الإسرائيليين من تطبيق العقوبة في حالات مماثلة، ما أثار اتهامات واسعة له بتكريس التمييز القانوني.
كما يمنح التشريع حصانة كاملة لمنفذي الإعدام، ويمنع الطعن أو الاستئناف، مع فرض تنفيذ الحكم خلال مدة لا تتجاوز 90 يوما، إضافة إلى فرض العزل التام على المحكومين ومنع الزيارات عنهم.
وقد جاء هذا القانون في سياق سياسي يتجه نحو مزيد من التشدد، خاصة بعد التطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2023.
كما يوسّع القانون نطاق تطبيقه ليشمل الفلسطينيين في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بما في ذلك الضفة الغربية، مع منح صلاحيات واسعة للمحاكم العسكرية لإصدار أحكام الإعدام دون اشتراط إجماع القضاة أو طلب النيابة العامة، ومن دون إمكانية للعفو أو التخفيف من قبل القادة العسكريين.
هذا ويشكل الرفض المتصاعد لمشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين محطة جديدة في مسار التوتر بين سلطات الاحتلال والمنظومة الدولية، خاصة في ظل ما يثيره من تساؤلات قانونية وأخلاقية تتعلق بمدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي هذا السياق، تطرح جريدة عالم الأهداف هذا الملف عبر جملة من التساؤلات مع الباحث في العلاقات الدولية الدكتور حسام حمزة، الذي قدم قراءة معمقة في أبعاد هذا القرار وتداعياته على الساحة الدولية.
ما هي التداعيات السياسية لإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين على الساحة الدولية؟
يرى الدكتور حسام حمزة أن هذا القانون يمثل تصدعا إضافيا في المنظومة القانونية التي طالما وفّرت للكيان غطاء في المحافل الدولية، ذلك أن تطبيق قانون الكيان على سكان الضفة الغربية فيه خرق للقانون الدولي، إذ لا يملك الكنيست –باعتباره مؤسسة رسمية من مؤسسات الكيان المحتل – صلاحية التشريع للسكان الواقعين تحت الاحتلال، وهذا بموجب المادة الـ43 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 الخاصة بـ”قوانين وأعراف الحرب البرية” التي تنص على أنّ “سلطة القوة المحتلة تقتصر على الحفاظ على النظام العام والأمن العام، وعليها احترام القوانين السارية في البلاد المحتلة ما لم يكن ذلك متعذرا مطلقا”.
وفقا لهذا، يصبح قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين إذا طبق سببا آخر لاتهام الكيان بارتكاب جرائم حرب فضلا عن عزله دوليا أكثر فأكثر لاسيما على المستوى الشعبي.
ما هو موقف القوى الكبرى والمنظمات الدولية من هذا النوع من القرارات؟
هذا و يوضح ذات المتحدث، أنه ” كما تعودنا عليه حين يتعلق الأمر بالكيان وجرائمه، فإن موقف القوى الغربية يبقى حبيس الإدانة دون أدنى ردع”.
حيث أكد الخبير أن كل من “بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا أصدرت بيانا مشتركا أعربت فيه عن قلق بالغ، معتبرة أن عقوبة الإعدام فعلا “لا إنسانيا ومهينا” وبأن القانون يتسم بطابع “تمييزي حقيقي” تجاه الفلسطينيين. غير أن هذه المواقف لم تخرج عن صيغة “القلق البالغ” دون أن تتجاوزها نحو الإجراء الفعلي، وهو نمط متكرر يكشف عن معادلة ثابتة في السياسة الأوروبية حين يتعلق الأمر بالكيان: الإدانة اللفظية مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية.
وينطبق هذا أيضا على الموقف العربي والإسلامي، إذ سجلت إدانة وزراء خارجية 8 دول عربية وإسلامية للقانون معتبرينه “تصعيدا خطيرا يقوّض الاستقرار”، كما أدان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط القانون ووصفه بأنه يتناقض مع أبسط مبادئ القانون الدولي الإنساني ويمثل صورة فاضحة للفصل العنصري. وعدا هذا، لم يسجل أن ردّ فعل عملي على هذا القانون الذي يريد شرعنة “إبادة” الأسرى الفلسطينيين باسم القانون.
بالنسبة للمنظمات الحقوقية والأممية، نجد أن منظمات كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وصفت القرار بأنه “إعدام خارج إطار العدالة”، فيما حذّرت الأمم المتحدة من أن تطبيقه سيُصنَّف كجريمة حرب.
ما يجمع كل هذه المواقف هو توقفها عند حد الإدانة دون أن تخطو خطوة واحدة نحو المساءلة، فلا توجد حتى الآن آلية دولية ملزمة تترتب على هذه الإدانات، وهو ما يجعلها في حدودها القصوى أوراق ضغط ديبلوماسية لا أدوات ردع”.
كيف يمكن للمجتمع الدولي الضغط على سلطات الاحتلال لوقف هذا القانون؟
وبهذا الخصوص أكد الدكتور حمزة أنه” نظريا، هناك أدوات ضغط، لكن فاعلية كل منها محدودة”، حيث يطرح المسار البرلماني الدولي كأول الأدوات، وهنا نذكر على سبيل المثال دعوة رئيس البرلمان العربي إلى تجميد عضوية “الكنيست” في المحافل البرلمانية الدولية وعلى رأسها الاتحاد البرلماني الدولي.
هذا المسار ممكن من الناحية النظرية لكنه يستلزم حدا أدنى من التوافق لم يتشكّل بعد على مستوى البرلمان الدولي.
ثانيها، إدانة التشريع أمام مجلس حقوق الإنسان الأممي وهو ما تحركت نحوه الكويت.
وإن كان مجلس حقوق الانسان قادرا على إطلاق تحقيقات مستقلة في هذا السياق إلا أنه هو أيضا مقيّد بتوازنات سياسية تعيق قراراته التنفيذية.
أما الأداة الثالثة فهي المحاكم الدولية والتي التمس بعض المسؤولين الفلسطينيين تحركها العاجل لوقف هذا التشريع. مع العلم أن محكمة الجنايات الدولية مستمرة في ملف مذكرات الاعتقال الصادرة بحق المدعو نتنياهو، ويأتي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ليضيف طبقة إضافية من الأدلة على منهجية الانتهاكات الصهيونية ضد الفلسطينيين.
أخيرا، تبقى العقوبات الاقتصادية هي المسار الأكثر فاعلية لردع الكيان، لكن الأصعب تحقيقا لأنه يصطدم مباشرة بالموقف الأمريكي المتحالف مع هذا الكيان.
ما هو دور الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في التعامل مع هذه الانتهاكات؟
هذا و أكد خبير الشأن الدولي أن الأمم المتحدة تمتلك أدوات نظرية متعددة نذكر منها: قرارات الجمعية العامة، تحقيقات المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومذكرات المحكمة الجنائية الدولية. لكن المشكلة البنيوية معروفة وهي أن مجلس الأمن محكوم بحق النقض الأمريكي، ما يجعل أي قرار أممي إلزامي مستحيلا طالما بقي هذا الغطاء قائما.
أما بقية المنظمات الإقليمية فواقعها أسوأ بكثير، فكلها بلا استثناء مجرد أصوات بلا أذرع تنفيذية.
يكشف النقاش حول قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين عن مفارقة عميقة في النظام الدولي، حيث تتقاطع الإدانة الواسعة مع محدودية الفعل، وبينما تتزايد التحذيرات من تداعيات هذا التشريع على القانون الدولي وحقوق الإنسان، يبقى التحدي الأكبر في تحويل المواقف السياسية والحقوقية إلى إجراءات عملية قادرة على إحداث تأثير حقيقي، في ظل توازنات دولية معقدة تقيّد فعالية آليات الردع والمساءلة.
أجرت الحوار بلقيس بوزيان

























مناقشة حول هذا المقال