في ظل التحولات السريعة التي يعيشها العالم، باتت إدارة الوقت أحد أبرز التحديات التي تواجه الشباب، ليس فقط في أوقات التغيير الموسمي، بل كمشكلة “هيكلية في الحياة اليومية”. فبين الدراسة، العمل، الالتزامات الاجتماعية، والتكنولوجيا التي تسرق الكثير من الوقت، يبرز سؤال أساسي: هل يعاني الشباب من “فوضى إيقاع” حقيقية في إدارة يومياتهم، أم أن الأمر مجرد تأثير مؤقت؟
التكنولوجيا… فرصة أم تحدي؟
أظهرت دراسة نشرت في مجلة ” Educational Technology Quarterly” أن الطلبة في الجزائر الذين يستخدمون الهواتف الذكية لأكثر من “4 ساعات يوميا” يتجهون غالبا إلى استخدام أجهزتهم في فترات متأخرة من الليل (بين 20:30 و00:00)، مقارنة بمن يستخدمها أقل من ذلك، الذين يُظهرون سلوك استخدام أكثر اعتدالا في فترة ما بعد الظهر.
هذه النتيجة لا يمكن قراءتها بمعزل عن آثارها العملية؛ فالاستخدام الليلي المكثف لا يعني فقط ضياع ساعات النوم، بل يكشف عن تحول الهاتف الذكي إلى منظم غير معلن لليوم، يفرض توقيته الخاص على حساب التزامات الدراسة أو العمل. وهو ما يفسر حالة الإرهاق الذهني وانخفاض التركيز التي يعاني منها عدد متزايد من الشباب، حتى في غياب أعباء مهنية أو دراسية ثقيلة.
وفي السياق نفسه، كشفت نتائج بحث من “Frontiers in Public Health” عن علاقة واضحة بين الوقت الإجمالي أمام الشاشة وارتفاع مستويات التوتر الأكاديمي لدى طلبة تتراوح أعمارهم بين 10 و19 سنة في شنغهاي الصينية، حيث شمل البحث “1771 مشاركا” وأكد أن الاستخدام الطويل للهواتف الذكية مرتبط بزيادة الضغوط الدراسية، وهو ما قد يعكس التأثير السلبي لعدم تنظيم الوقت على الصحة النفسية والتحصيل الدراسي. 2
هذا المعطى يعيد طرح السؤال حول مفهوم “الانشغال” لدى الشباب؛ فالتواجد المستمر على الهاتف يعطي إحساسًا زائفًا بالإنتاجية، بينما تكشف الأرقام أن هذا السلوك قد يكون أحد أسباب تراجع الأداء الدراسي بدل تحسينه، بسبب غياب التخطيط الزمني الواضح.
كما وجدت دراسة منشورة في “BMC Psychology” أن الاستخدام المفرط للهاتف المحمول لا يؤثر فقط على السلوك اليومي، بل يمكن أن يؤثر على “صفات شخصية مرتبطة بقدرة الفرد على تنظيم وقته” مثل المرونة الإدراكية وجودة النوم، مما يزيد من صعوبة التحكم في الوقت لدى الشباب.
من خلال هذا التقاطع بين الدراسات، يتضح أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا كوسيلة، بل في تحوّلها إلى عنصر مهيمن على الإيقاع اليومي دون وعي أو ضبط. فحين يصبح الهاتف هو المحدد الرئيسي لبداية اليوم ونهايته، يتحوّل الوقت من مورد يمكن تنظيمه إلى مساحة مفتوحة للفوضى والتأجيل.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الشباب اليوم لا يتمثل في تقليص استخدام التكنولوجيا بقدر ما يكمن في استعادة سلطة الفرد على وقته، عبر تحويل الوسائل الرقمية من مستهلك صامت للساعات إلى أدوات واعية للتنظيم والإنتاج، وهو رهان ثقافي وتربوي بقدر ما هو سلوكي فردي.
إدارة الوقت وتأثيرها على المدرسة والتحصيل
تشير دراسات تربوية متعددة إلى أن مهارات تنظيم الوقت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأداء الأكاديمي. دراسة أجراها الباحث أيمن بن صالح المشاري، نشرت في “مجلة البحث العلمي في التربية”، وجدت أن هناك علاقة موجبة بين مهارات إدارة الوقت والتحصيل الدراسي لدى طلاب الصف الثاني الثانوي في جدة بالمملكة العربية السعودية، مما يؤكد أن امتلاك مهارات تنظيم الوقت يمكن أن يعزز نسب النجاح والتحصيل بين الطلبة.
وفي دراسة أخرى منشورة في “مجلة الخلدونية” شملت 409 طالبا وطالبة من جامعات في الإمارات والكويت، تأكد وجود علاقة إيجابية بين مهارات إدارة الوقت ومستوى التحصيل الدراسي، مع وعي جيد بأهمية هذه المهارة ولكن مستوى تطبيقها جاء متوسطا، مما يعني أن الشباب يدرك أهمية تنظيم الوقت ولكنه لا يطبقها بكفاءة عالية غالبا.
بين الشعور والواقع: لماذا يضيع الوقت؟
من خلال أبحاث ومسوح رأي متعددة، تتكرر ظاهرة تشتت الانتباه وصعوبة التركيز وسط الشباب نتيجة الاستخدام المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤثر بشكل غير مباشر على القدرة على تنظيم اليوم بشكل منتظم. تقرير نشرته “The Times” استند إلى بيانات من مؤسسة Fluid Focus كشف أن الطلاب يقضون “بمعدل 5 ساعات و30 دقيقة يوميًا أمام الهاتف الذكي”، وقد تؤدي هذه العادة إلى ما يعادل “25 سنة من الحياة” في حسابات زمنية تقديرية إذا استمر النمط نفسه عبر سنوات الدراسة.
هذه الدراسة أيضا أشارت إلى أن “68% من الطلاب اعتبروا أن الاستخدام الطويل للهواتف يؤثر سلبا على دراستهم، و47% منهم أبلغوا عن اضطرابات في النوم”، بينما 40% أقروا بأنهم يتحققون من هواتفهم كل 5-10 دقائق أثناء الدراسة، مما يدل على أن الإيقاع اليومي للشباب قد يكون “مختلا على مستوى السلوك اليومي”، وليس مجرد مشكلة وقتية.
التأجيل والمماطلة… أعداء الإنتاجية
أحد الجوانب المهمة التي كشف عنها بحث جديد في مجلة “Behavioral Sciences” هو أن “تشتيت الانتباه الناجم عن الهواتف الذكية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمماطلة الدراسة والقلق الأكاديمي” وهو ما يسمى بـ “procrastination”. وتظهر النتائج أن الذين يعانون من هذه المماطلة يتعرضون لصعوبات أكثر في تنظيم الوقت، مما ينعكس على حالتهم النفسية وتحقيقهم للأهداف.
هل إدارة الوقت مهارة مكتسبة؟
ليست إدارة الوقت ببساطة عبارة عن تنظيم يوم أو كتابة جدول. بل هي “مهارة متداخلة مع جوانب نفسية وسلوكية”، تتطلب تدريبًا واعيًا وممارسة منتظمة. وقد وجدت دراسات تربوية أن التدريب على مهارات الإدارة والوعي الذاتي يمكن أن يحسّن من قدرة الطلاب على تنظيم وقتهم، وهو ما أكدته دراسة من سلطنة عمان حول فعالية برامج الإرشاد الجماعي في تعزيز إدارة الوقت لدى طلبة كلية العلوم التطبيقية.
في السياق المحلي والعالمي، لاحظ باحثون مثل د. نهلة صالح في دراسة منشورة في مجلة “دراسات تربوية ونفسية” أن “تنظيم وقت الفراغ لدى الشباب مرتبط بشكل وثيق بخبراتهم الحياتية والمهارات المكتسبة عبر المراحل الدراسية”، كما أن الاعتماد الزائد على التطبيقات الرقمية بدون توجيه يقلل من فرص الشباب في استثمار أوقات فراغهم بشكل مفيد.
يبقى التحدي الأكبر لدى الشباب اليوم ليس في طول اليوم بقدر ما يكمن في كيفية إدارة الوقت وإدراكه. فالهواتف الذكية، رغم فوائدها، أثبتت الدراسات أنها مرتبطة بتراجع القدرة على التركيز وتنظيم اليوم، ما يجعل الكثير من الشباب يعيشون فوضى إيقاعية مستمرة. وفي المقابل، تظهر الدراسات أن مهارات إدارة الوقت ترتبط إيجابيًا بالتحصيل الدراسي، لكن التطبيق العملي لهذه المهارات لا يزال دون المستوى المطلوب. ويزيد من تعقيد الوضع التشتّت الرقمي والمماطلة المستمرة، التي أثبتت الأبحاث أنها تؤثر على الصحة النفسية والسلوك اليومي، ما يجعل ضبط الإيقاع اليومي مهمة صعبة، ويطرح سؤالًا مهما حول ثقافة التعامل مع الوقت في حياة الشباب الحديثة.
نحو تنظيم يومي ذكي
الوقت هو المورد الوحيد الذي لا يمكن استعادته، وكل شخص يمتلك نفس الـ 24 ساعة يوميا. لكن ما يميز الشباب المنتِج عن غير المنتِج هو “القدرة على تنظيم هذا المورد الثمين” بوعي واستراتيجية واضحة، وليس فقط بالاعتماد على الإرادة أو التحفيز اللحظي.
المهمة العاجلة اليوم ليست مجرد مطالبة الشباب بالتخلي عن هواتفهم أو عدم التصفح، بل “إكسابهم مهارات تنظيم الوقت، تطوير الوعي الذاتي، وإعادة توجيه سلوك الاستخدام الرقمي”. إن أي محاولة لبناء مجتمع منتج تتطلب تغييرا في الثقافة اليومية، ليس فقط في المدرسة أو الجامعة، بل في البيت والمجتمع ككل.
فاطمة الزهراء عسلون

























مناقشة حول هذا المقال