تحل ذكرى رحيل الرئيس الراحل هواري بومدين، الذي وافته المنية بتاريخ 27 ديسمبر 1978، فتعود معها إلى الواجهة تجربة سياسية فريدة في تاريخ الجزائر المستقلة، ارتكزت على بناء دولة قوية ذات سيادة، قوامها العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي والقرار الوطني الحر.
قاد هواري بومدين الجزائر في مرحلة دقيقة من تاريخها، حيث جعل من الدولة الفاعل الأساسي في التنمية، ومنح الأولوية لبناء اقتصاد وطني مستقل، من خلال تبني خيار التصنيع الثقيل وتأميم الثروات الطبيعية، وفي مقدمتها المحروقات سنة 1972، وهو القرار الذي شكل منعطفا تاريخيا في مسار السيادة الاقتصادية للبلاد.
وبعد مرور عقود على رحيله، لا تزال تجربة هواري بومدين تطرح كنموذج في النقاشات الوطنية حول السيادة الاقتصادية ودور الدولة في التنمية، باعتبارها تجربة صنعت التوازن بين الطموح السياسي والبعد الاجتماعي.
“بومدين“ رجل المؤسسات والسيادة الاقتصادية
في حديث لـ”عالم الأهداف” أكد أستاذ القانون الدستوري بجامعة الجزائر، موسى بودهان، أن الرئيس الراحل استطاع، في ظرف وجيز، وضع آليات حقيقية لإقلاع اقتصادي ومؤسساتي شامل، رغم الظروف الصعبة التي واجهتها الدولة الجزائرية الفتية، وتمثّل ذلك أساسًا في إطلاق ثلاث ثورات كبرى: الثورة الصناعية، والثورة الزراعية، وثورة التأميمات، التي شكّلت العمود الفقري للسيادة الوطنية.
وفي المجال الصناعي، أشار المتحدث إلى اعتماد الراحل بومدين على خيار التصنيع الثقيل، من خلال إنشاء مصانع ضخمة عبر مختلف ولايات الوطن، على غرار مصانع الجرارات والعتاد الفلاحي، والدراجات النارية والهوائية، ومركبات النقل، إضافة إلى مصانع النسيج والألبسة، والصناعات الإلكترونية والكهرومنزلية، ومصانع إنتاج أجهزة التلفزيون بولاية سيدي بلعباس، وهي مشاريع -يقول بودهان- “وضعت الجزائر آنذاك على سكة التصنيع الحقيقي“.
أما في المجال الفلاحي، فقد قاد الراحل بومدين الثورة الزراعية عبر تأميم الأراضي غير المستغلة، وتعويض أصحابها لاحقًا، مع توفير وسائل الإنتاج للفلاحين، بما مكّن من إعادة بعث القطاع الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي.
وفي السياق ذاته، شدد أستاذ القانون الدستوري على أن تأميم المحروقات سنة 1971 شكّل محطة مفصلية في تاريخ الجزائر، إلى جانب تأميم البنوك والمناجم، وهو ما أفشل -حسبه- محاولات فرنسا الاستمرار في نهب ثروات البلاد، كما شهد عهده تأسيس مؤسسات وطنية عملاقة، مثل سوناطراك وسوناريم وسونلغاز، التي لا تزال إلى اليوم ركائز أساسية للاقتصاد الوطني.
وعلى الصعيد المؤسساتي، ذكّر بودهان بأن عهد بومدين عرف وضع اللبنات الأولى للجماعات المحلية، وتنظيم أول انتخابات بلدية وولائية، ثم إقرار دستور 1976 الذي كرس الطابع الاجتماعي للدولة، وأعاد المسار الانتخابي بانتخاب أول مجلس شعبي وطني سنة 1977.
هواري بومدين حاضر في الذاكرة الوطنية بمواقفه وإنجازاته الخالدة
أكد مبارك خالفة، رئيس المنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين ليومية عالم الأهداف، أن ذكرى رحيل الرئيس الراحل هواري بومدين تبقى مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يغب عن وجدان الجزائريين.
تابع قائلا ” كم من جديد مات ساعة خلق وكم من قديم مات ينبض بالحياة”، معتبرا أن الرئيس الراحل هواري بومدين لا يزال حاضرا وكأنه بيننا، من خلال مواقفه وتصريحاته وقوة شخصيته، وما أنجزه خلال مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر.
وأضاف أن الجزائر عرفت في عهد بومدين مكانة مرموقة وشموخا سياسيا ودبلوماسيا، انعكس على هيبة المواطن الجزائري في الخارج، وعلى قيمة جواز السفر الجزائري، وذلك بفضل المواقف الثابتة التي خلدها الرئيس الراحل في الدفاع عن سيادة القرار الوطني.
وأشار رئيس المنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين إلى أن من أبرز محطات تلك المرحلة تعزيز السيادة الوطنية، والدور المحوري الذي لعبته الجزائر في حركة عدم الانحياز، إلى جانب مواقف هواري بومدين في الأمم المتحدة، حيث دافع بقوة عن قضايا دول العالم الثالث، وطالب بإرساء توازن عادل في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية.
وختم مبارك خالفة تصريحه بالتأكيد على أن ذكرى رحيل هواري بومدين ليست مجرد استحضار لماض مضى، بل هي وقفة تأمل في مسار رجل دولة صنع مجدا وطنيا، ورسخ مبادئ لا تزال تلهم الأجيال المتعاقبة.
الرؤية الاستراتيجية للرئيس الراحل هواري بومدين: أسس اقتصاد سيادي وبناء دولة منتِجة
وكانت فترة حكم الراحل مرحلة مفصلية في تاريخ اقتصاد الجزائر، والتي تخللها العديد من القرارات الحاسمة التي سمحت ببروز ثروات الجزائر، حيث يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمان عية أن تقييم التجربة الاقتصادية للرئيس الراحل هواري بومدين يقتضي أولًا وضعها في سياقها التاريخي، مؤكدًا أن أي استراتيجية اقتصادية لا يمكن فصلها عن محيطها السياسي والدولي والاجتماعي والثقافي، غير أن المقاربة الاقتصادية تبقى مدخلًا أساسيًا لفهم تلك المرحلة.
ويشدد عية، في حديثه لـ“عالم الأهداف”، على نقطة جوهرية مفادها أن السياسات التي طُبّقت في سبعينيات القرن الماضي لا يمكن إسقاطها حرفيًا على الواقع الحالي، بإيجابياتها أو سلبياتها، لأن العالم تغيّر جذريًا، فبينما كانت المعرفة والمؤهلات البشرية هي المحرك الأساسي للتنمية سابقًا، أصبحت التكنولوجيا اليوم تقود ما يقارب 80 بالمئة من أي تطور اقتصادي أو مجتمعي، وهو ما يجعل اختلاف السياق عاملًا حاسمًا في التقييم.
ورغم ذلك، يؤكد المتحدث أن الاستراتيجية الاقتصادية التي انتهجها بومدين كانت، في جوهرها، استراتيجية ذكية وطموحة، رغم ما شابها من نقائص، على غرار التوظيف المفرط في المؤسسات العمومية، وبيع بعض المنتجات بأقل من سعر التكلفة، مضيفا أن تلك الخيارات، وإن بدت غير مقبولة وفق معايير الاقتصاد الكلاسيكي، إلا أنها كانت تحمل رؤية واضحة تهدف إلى نقل الجزائر من دولة من دول العالم الثالث إلى دولة صناعية صاعدة.
ويذهب الخبير إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنه لو استمر العمل بتلك الاستراتيجية وتكييفها تدريجيًا، لكان بإمكان الجزائر اليوم أن تكون في مصاف دول صناعية كبرى مثل كوريا الجنوبية، أو حتى أفضل منها، بالنظر إلى امتلاكها ثروات طبيعية ضخمة، في حين أن كوريا اعتمدت أساسًا على رأس المال البشري والتكنولوجيا.
وفي هذا السياق، يصف عية تأميم المحروقات، والتوجه نحو الصناعة الثقيلة، وبناء الصناعات التحويلية بأنها خيارات استراتيجية ممتازة، وُضعت آنذاك على أسس علمية من قبل خبراء اقتصاديين، وكانت قابلة للتطوير والاستمرارية، غير أن الإشكال -وفق ما حدثنا به- لم يكن في الفكرة، بل في كيفية التسيير اللاحق.
ويضيف أن المؤسسات العمومية بدأت، مع مطلع الثمانينيات، تدخل مرحلة من “التعقل الاقتصادي”، حيث شرعت في ضبط التوظيف والبيع بأكثر من سعر التكلفة، غير أن تغير السياسات الاقتصادية، خاصة في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، تزامن مع ارتفاع كبير في أسعار النفط، ما أدى إلى تعطيل هذا المسار، وترك مؤسسات لم يكتمل بناؤها، مثقلة بعمالة زائدة وتعمل بالخسارة.
أما بخصوص السيادة الاقتصادية، فيعتبر الخبير أن تأميم قطاع المحروقات مكّن الجزائر من بناء شركة سوناطراك كفاعل عالمي، ساهمت في تكوين كفاءات وطنية تعمل اليوم داخل الجزائر وخارجها، وأقامت شراكات دولية، وأثبتت قدرة البلاد على تزويد أوروبا والولايات المتحدة بالطاقة، وهو أكبر شهادة على نجاح خيار السيادة.
ويختم عبد الرحمان عية حديثه بالتشكيك في مفهوم “التنمية المستدامة” بصيغته المتداولة، معتبرًا أنه شعار أكثر منه مفهومًا اقتصاديًا عمليًا، مؤكدًا أن التجربة البومدينية، رغم نقائصها، كانت مشروع دولة حقيقيًا برؤية واضحة، لكن لم يُكتب له الاكتمال.
أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، أن المشروع الاقتصادي الذي قاده الرئيس الراحل هواري بومدين يُعدّ من أكثر التجارب طموحًا وجرأة في تاريخ الجزائر المستقلة، باعتباره رؤية استراتيجية متكاملة، ولم يكن مجرد سياسات ظرفية مرتبطة بسياق زمني معيّن، فقد استهدف هذا المشروع -حسب هادف- بناء اقتصاد وطني مستقل ومتحرر من التبعية، قائم على السيادة على الموارد الطبيعية، التصنيع، وتنمية الرأسمال البشري.
وأوضح هادف أن رؤية بومدين انطلقت من قناعة راسخة مفادها أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي فعلي، وأن امتلاك القرار الاقتصادي يمر حتمًا عبر التحكم في القطاعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الفلاحة، المحروقات، والصناعة، ومن هذا المنطلق، اعتمدت الدولة دور الفاعل المركزي والمخطِّط الاستراتيجي للتنمية، بهدف تحويل الجزائر من اقتصاد موروث عن الحقبة الاستعمارية إلى اقتصاد منتج.
وفي تقييمه لهذه الرؤية، اعتبر هادف أنها مشروع سيادي بامتياز، تجسّد في عدة ملامح أساسية، أبرزها السيادة على الموارد الطبيعية كمدخل للتحرر الاقتصادي، والتصنيع كقاطرة للنمو وخلق الثروة بدل الاعتماد على الأنشطة الريعية، إلى جانب إعادة الاعتبار للفلاحة لضمان الأمن الغذائي، والاستثمار في الإنسان الجزائري باعتباره حجر الزاوية في أي مشروع تنموي مستدام.
وعلى مستوى الإنجازات، أبرز هادف قرار تأميم المحروقات سنة 1971 كمنعطف تاريخي أعاد للجزائر سيادتها على ثروتها الطاقوية، ووفّر موارد مالية ضخمة مكّنت من تمويل مشاريع التنمية، كما تم خلال تلك المرحلة إطلاق قاعدة صناعية وطنية شملت الصناعات الثقيلة، مثل الحديد والصلب، الميكانيك، البتروكيمياء، والكهرباء، ما سمح برفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الخام إلى نحو 15%، فضلًا عن بناء مؤسسات وطنية كبرى شكّلت لاحقًا العمود الفقري للاقتصاد الجزائري.
وفيما يخص سياسات التأميم والتصنيع الثقيل، أوضح هادف أنها نجحت في تكريس السيادة الاقتصادية وبناء قدرات صناعية وتقنية وطنية، غير أنها واجهت تحديات مرتبطة بالاستدامة، نتيجة الاعتماد الكبير على الدولة كمستثمر وحيد، وضعف الانفتاح على المنافسة والابتكار، إضافة إلى محدودية الربط بين الصناعة والسوق.
وأشار هادف إلى أن أثر خيارات بومدين لا يزال حاضرًا في بنية الاقتصاد الجزائري الحالية، من خلال مركزية قطاع المحروقات، وجود قاعدة صناعية عمومية، والاعتماد على الكفاءات الوطنية.
وختم هادف تصريحه بالتأكيد على أن رؤية بومدين ما تزال صالحة للاستلهام اليوم، لكن بصيغة محدثة تقوم على الحفاظ على السيادة الاقتصادية، تعزيز التصنيع، وتمكين الكفاءات الوطنية، مع الانتقال من دولة مُشغِّلة إلى دولة مُنظِّمة، وإدماج الابتكار والرقمنة.
يؤكد تقرير تجربة الرئيس الراحل هواري بومدين أن مشروعه الاقتصادي لم يكن خيارًا ظرفيًا، بل رؤية سيادية بعيدة المدى هدفت إلى ترسيخ استقلال القرار الاقتصادي وبناء دولة منتِجة.
ناصري بثينة بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال