يُعدّ الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي أحد أبرز رجالات الفكر والسياسة في الجزائر المستقلة، وعلَماً من أعلام النخبة التي جمعت بين عمق الثقافة، ونبل المبدأ، وصدق الالتزام الوطني.
وُلد في أحضان بيتٍ عريقٍ في العلم والدين، فهو نجل الإمام محمد البشير الإبراهيمي، أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ومن هذا البيت استمدّ جذوة الإيمان بالعلم والحرية.
في صيف 1954م شدّ الإبراهيمي الرحال إلى باريس لمواصلة دراسته في الطب، غير أن نداء الوطن غلب صوت الطموح العلمي، إذ اندلعت في تلك السنة ثورة التحرير الجزائرية، فهجر مقاعد الجامعة، وانصهر في لهيب الثورة مقاتلًا بقلمه ووعيه.
كانت أولى مسؤولياته تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين سنة 1955م لتعبئة النخبة الشابة في خدمة الكفاح الوطني، ثم التحق بـ اتحادية فرنسا لجبهة التحرير الوطني لتأطير المهاجرين الجزائريين.
وبعد عامين من النضال السري، أُلقي عليه القبض وسُجن خمس سنوات (1957 – 1961م)، خرج بعدها أكثر صلابةً وإيمانًا بقضيته، فاستأنف دراسته حتى نال شهادة الدكتوراه في الطب عام 1962م.
عقب الاستقلال، انخرط في مسيرة بناء الدولة الجزائرية ، فعُيّن طبيبًا في المستشفى الجامعي بالعاصمة، ومع التحولات السياسية التي عرفتها البلاد سنة 1965م، التحق بالحكومة التي تشكّلت آنذاك، ليبدأ مسيرة وزارية دامت ثلاثةً وعشرين عامًا.
تولّى خلالها مناصبَ متعددة: وزيرًا للتربية الوطنية (1965 – 1970م)، حيث وضع اللبنات الأولى لمنظومة تعليم وطنيّة أصيلة، ثم وزيرًا للإعلام والثقافة (1970 – 1977م)، فـ وزيرًا مستشارًا لدى رئيس الجمهورية (1977 – 1982م)، وقد أسس خلال هذه المرحلة مجلس المحاسبة سنة 1979م
. واختُتمت مسيرته الوزارية بمنصب وزير الشؤون الخارجية (1982 – 1988م)، الذي مثّل فيه الجزائر في المحافل الدولية بثقة واقتدار.
يعبر الدكتور غزير الإنتاج، عميق الفكر، خلّف مؤلفاتٍ رصينة تمزج بين التجربة السياسية والرؤية الحضارية، من أبرزها: رسائل من السجن، ومن تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية، والمعضلة الجزائرية: الأزمة والحل، إلى جانب أعمالٍ في توثيق تراث والده الإمام الإبراهيمي، وجمع أعداد جريدة الشاب المسلم.
إن سيرة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي تختزل مسيرة جيلٍ كاملٍ من المثقفين الذين جمعوا بين سلاح الكلمة وسلاح الفعل، بين العلم والجهاد، وبين الفكر والسياسة، فكان نموذجًا للمثقف الذي ظلّ، عبر كل المراحل، أمينًا لهوية وطنه وذاكرته الحضارية.
يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال