تطرح الحرائق التي شهدتها عدة مناطق من الجزائر خلال الفترة الأخيرة تحديا لا ينتهي بمجرد إخماد النيران، بل يبدأ بعد ذلك مسار أكثر تعقيدا يتعلق بإعادة تأهيل الغابات واستعادة التوازن البيئي وحماية التربة من الانجراف وضمان قدرة الغطاء النباتي على التجدد. وبينما ينصب الاهتمام عادة على عدد الأشجار التي سيتم غرسها، يرى الباحث في مجال المياه والمناخ، الدكتور زقعيط رشيد، أن نجاح أي استراتيجية لإعادة التأهيل يقاس أولا بمدى قدرتها على فهم طبيعة الموقع المحترق وتحديد ما يحتاجه فعلا قبل التدخل.
وفي حوار مع يومية “عالم الأهداف”، يؤكد الأستاذ المحاضر بجامعة قاصدي مرباح بورقلة أن المرحلة التي تلي الحريق تعد حاسمة في تحديد مستقبل الغابة، مشددا على أن الأولوية لا ينبغي أن تكون دائما للتشجير، وإنما لحماية التربة ودعم التجدد الطبيعي، ثم التدخل في المواقع التي تعجز فيها الغابة عن استعادة نفسها.

التربة أولوية قبل التشجير
يشير الدكتور زقعيط إلى أن أخطر ما يمكن أن يهدد الغابة بعد الحريق ليس فقط فقدان الأشجار، وإنما تدهور التربة التي تمثل الأساس الذي تقوم عليه عملية التجدد.
فالنيران قد تؤثر على الطبقة السطحية للتربة وتجعلها أقل قدرة على امتصاص المياه، ما يحول الأمطار الغزيرة التي تلي موسم الحرائق إلى جريان سطحي قادر على جرف التربة والرواسب، خصوصا في المناطق الجبلية شديدة الانحدار.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة في مناطق جيجل وبجاية، بالنظر إلى طبيعة التضاريس وكثافة التساقطات في بعض المواقع، وهو ما يجعل الفترة الفاصلة بين إخماد الحريق ووصول أولى العواصف المطرية مرحلة تستدعي تدخلا سريعا.
ويرى الباحث أن تثبيت التربة يجب أن يسبق عملية التشجير، من خلال تغطية المنحدرات العارية بمواد عضوية نظيفة، وإنجاز حواجز بسيطة للحد من انجراف التربة، وإنشاء منشآت صغيرة لاحتجاز الرواسب في الأخاديد، إلى جانب تنظيف قنوات تصريف المياه وتوجيه الجريان بعيدا عن المناطق الهشة.
لا حاجة للتشجير حيث يوجد التجدد الطبيعي
ويرى الدكتور زقعيط أن التشجير الشامل بعد كل حريق قد يكون من أكثر الخيارات إغراء، لكنه ليس بالضرورة الخيار العلمي الصحيح.
فبعض الغابات المتوسطية تمتلك قدرة طبيعية على التجدد، إذ يمكن لبعض الأنواع أن تعاود النمو انطلاقا من البذور أو الجذور والسويقات التي تبقى قادرة على الإنبات بعد الحريق.
وعليه، فإن الأولوية ينبغي أن تمنح للمناطق التي فقدت قدرتها على التجدد الطبيعي، بدلا من استنزاف الموارد في غرس مساحات قادرة على استعادة غطائها النباتي بصورة ذاتية.
ويمكن تحديد هذه المناطق بالاعتماد على خرائط شدة الحرائق التي توفرها صور الأقمار الصناعية، على أن تستكمل المعطيات بعمليات معاينة ميدانية للتحقق من حالة التربة وكثافة التجدد الطبيعي ووجود الأشجار القادرة على إنتاج البذور.
اختيار الأنواع قرار علمي
وفي الحالات التي يصبح فيها التشجير ضروريا، يؤكد المتحدث أن اختيار الأشجار يجب ألا يخضع لاعتبارات إدارية أو لأرقام موحدة للتشجير، وإنما لطبيعة كل موقع.
فنوع التربة ودرجة الانحدار واتجاه السفح والظروف المناخية المحلية ومدى توفر المياه، كلها عوامل ينبغي أخذها بعين الاعتبار قبل اختيار النوع النباتي.
كما يشدد على ضرورة الاعتماد على الأنواع المحلية المتكيفة مع النظام البيئي، مع مراعاة التحولات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف.
ويحذر في المقابل من الاعتماد على نوع واحد في عمليات إعادة التشجير، مؤكدا أهمية التنوع النباتي واختيار أنواع ذات وظائف بيئية متكاملة وقادرة على التكيف مع الظروف المحلية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المؤسسات ومراكز البحث المتخصصة في تحديد الأنواع المناسبة لكل منطقة، فضلا عن دور المشاتل في توفير شتلات ذات جودة وأصل معروف.
ويؤكد الباحث أن معيار نجاح عملية التشجير لا ينبغي أن يكون عدد الشتلات التي تم غرسها، وإنما نسبة الأشجار التي بقيت حية بعد سنوات من الغرس.
إعادة بناء الغابة تتجاوز غرس الأشجار
إعادة تأهيل الغابات، حسب الدكتور زقعيط، ليست عملية تشجير فحسب، وإنما منظومة متكاملة تشمل التربة والمياه والتنوع البيولوجي.
فاستعادة قدرة التربة على امتصاص المياه والحد من الانجراف، وحماية المواطن الطبيعية، والحفاظ على الترابط بين المساحات الغابية، كلها عناصر أساسية لاستعادة النظام البيئي.
كما يحذر من بعض الممارسات التي قد تتم بحسن نية لكنها تؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها الغرس الكثيف في مناطق قادرة على التجدد الطبيعي، واستخدام الآلات الثقيلة في الأراضي الهشة، وإدخال أنواع نباتية غير ملائمة، فضلا عن الإزالة العشوائية للأخشاب المحترقة التي يمكن أن تساهم في تثبيت التربة وتوفير موائل مؤقتة لبعض الكائنات.
الوقاية أقل تكلفة من إعادة التأهيل
ويرى الباحث أن أفضل استراتيجية لمواجهة الحرائق تبدأ قبل اندلاعها، من خلال إدارة الغطاء النباتي وتقليل كمية المواد القابلة للاشتعال.
ويشمل ذلك تنظيف المناطق المحيطة بالتجمعات السكانية والبنى التحتية، وتقليص تراكم الشجيرات والأغصان الجافة، وإنشاء ممرات وفواصل للحد من انتقال النيران.
كما يمكن دراسة استخدام الحرق الموجه في بعض المناطق، لكن وفق ضوابط علمية وميدانية صارمة، وبإشراف فرق متخصصة، مع مراعاة الظروف المناخية وطبيعة كل نظام غابي.
وفي السياق الجزائري، يرى الدكتور زقعيط أن التخفيف الميكانيكي للوقود النباتي حول القرى والمنشآت الحساسة يمكن أن يمثل خطوة أولى عملية، على أن يتم اختبار تقنيات أخرى بصورة محدودة ومدروسة قبل تعميمها.
التكنولوجيا في خدمة الوقاية
ويبرز في هذا المجال دور صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة ونظم المعلومات الجغرافية، باعتبارها أدوات قادرة على توفير معطيات دقيقة حول حالة الغطاء النباتي وشدة الجفاف وبؤر الاشتعال ومراحل تعافي المناطق المحترقة.
كما يمكن دمج هذه البيانات مع معلومات الطقس والتضاريس والوقود النباتي لتطوير نماذج تنبؤية تساعد على تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر.
ويؤكد الباحث أن التحدي لا يرتبط فقط بتوفر التكنولوجيا، وإنما بوجود منظومة قادرة على قراءة البيانات وتحويلها إلى قرارات ميدانية سريعة، أي الانتقال من مجرد رصد الحرائق إلى التنبؤ بها والوقاية منها.
الاستفادة من التجارب الدولية
ويؤكد الدكتور زقعيط أن الجزائر ليست مطالبة بإعادة اختراع الحلول من الصفر، إذ توجد تجارب دولية يمكن الاستفادة منها وتكييفها مع خصوصيات الغابات الجزائرية.
وتبرز في هذا المجال تجارب إعادة التأهيل الانتقائي بعد الحرائق، التي تركز على تحديد المناطق التي فشل فيها التجدد الطبيعي وتوجيه عمليات التشجير إليها، إلى جانب تجارب إدارة الوقود والحرق الموجه في بعض الدول التي تواجه حرائق واسعة ومتكررة.
غير أن الاستفادة من هذه التجارب، حسب المتحدث، ينبغي أن تراعي خصوصية المناخ والتربة والأنظمة البيئية الجزائرية، لأن ما يصلح في منطقة قد لا يكون مناسبا بالضرورة في منطقة أخرى.
تنسيق المؤسسات شرط للنجاح
وتتطلب إعادة تأهيل الغابات المحترقة، حسب الباحث، تنسيقا بين مختلف القطاعات والهيئات المعنية بالغابات والمياه والمناخ والبحث العلمي.
فنجاح مشروع إعادة التشجير يرتبط أيضا بتوفر المياه وإمكانية ضمانها على المدى المتوسط، خصوصا في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد المائية.
ومن هنا، ينبغي أن تكون المعطيات الهيدرولوجية جزءا من تصميم مشاريع إعادة التأهيل منذ البداية، وليس عاملا يتم التفكير فيه بعد غرس الأشجار.
كما يمكن للبرامج الوطنية أن تستفيد من التمويل المناخي الدولي متى توفرت الدراسات التقنية والمشاريع القابلة للقياس والمتابعة.
نحو استراتيجية وطنية مستدامة
ويخلص الدكتور زقعيط رشيد إلى أن إعادة تأهيل الغابات في الجزائر تحتاج إلى استراتيجية وطنية تقوم على الوقاية قبل اندلاع الحرائق، والتدخل السريع لحماية التربة بعد إخمادها، ثم دعم التجدد الطبيعي والتشجير الانتقائي عند الضرورة، إلى جانب اعتماد أنظمة الرصد المبكر والمتابعة طويلة الأمد.
كما يشدد على أهمية إشراك السكان المحليين وتوفير بدائل اقتصادية تقلل من السلوكيات التي قد تساهم في اندلاع الحرائق، مع الانتقال من الحملات الموسمية إلى برامج دائمة للصيانة والوقاية.
فالهدف، في النهاية، ليس إعادة الغابة إلى شكلها السابق فقط، وإنما مساعدتها على بناء قدرة أكبر على الصمود أمام التغيرات المناخية والحرائق المستقبلية.
ويؤكد الباحث أن الغابة تمتلك في كثير من الحالات قدرة طبيعية على التعافي، وأن التدخل البشري الناجح لا يعني استبدال الطبيعة، بل إزالة العوائق التي تمنعها من التجدد. ومن هذا المنطلق، قد يكون المعيار الحقيقي لنجاح السياسة الغابية في المستقبل هو الوصول إلى مرحلة تصبح فيها الحاجة إلى التشجير أقل، لأن الوقاية والتجدد الطبيعي أصبحا أكثر فعالية.
بوزيان بلقيس
























مناقشة حول هذا المقال