في إطار استطلاعاتنا حول الشباب وما يواجهه من تحديات، حاولنا التقرب من أكثر الشخصيات إلماما بالمشاكل الحقيقية التي تواجه هذه الفئة، فكان لنا لقاء بالبروفيسور صباح عياشي المختصة في علم الاجتماع، ورئيسة مخبر الأسرة، التنمية، الوقاية من الانحراف والإجرام في جامعة الجزائر 2، ورئيسة المركز الوطني للدراسات والتوثيق حول الأسرة والمرأة والطفولة، وتطرقنا في هذا اللقاء إلى محوريين رئيسيين، الأول يتعلق بالشباب والآفات الاجتماعية فيما ركزنا في القسم الثاني على المجتمع المدني ودوره في تأطير الشباب…
يواجه الشباب تحديات وآفات اجتماعية تهدد حاضره ومستقبله، في رأيكم ما هي الآفة الأكثر خطورة وتأثيرا؟
إن الحديث عن الآفات الاجتماعية يقودنا للحديث عن جملة التغيرات التي طرأت على المجتمع الجزائري والتي شملت كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتكنولوجية، كما مست هذه التغيرات العلاقات الأسرية بين الأفراد، فهذه التغيرات أثرت على نظرة الشاب الجزائري إلى الحياة ونظرته إلى وضعيته في المحيط الذي يعيش فيه، وطموحاته المستقبلية، فهذه العناصر الثلاثة تتطلب دراسة وتحليل لوضعية الشاب في الجزائر، وبغض النظر على الشاب الذي شق طريقه نحو النجاح والاستقرار، هناك فئة عريضة من الشباب تطلب يد العون والمساعدة، لتخرج من مأساتها بسبب وضعيتها الاجتماعية ووضعيتها داخل أسرتها، وهذه الظروف الاجتماعية والمهنية والاحتياجات المتجددة للشاب، انعكست على نفسيته ونظرته للحياة، فهناك من يعاني من احباط كبير بسبب عدم استقرار وضعيته الاجتماعية خاصة ممن وصلوا لسن الزواج، ولم يحصلوا على عمل ومسكن، وهذه العوامل مجتمعة جعلت الكثير من الشباب يقعون في الآفات الاجتماعية، منها المخدرات التي تعتبر أخطر الآفات الاجتماعية.
في رأيكم، ما هي العوامل التي ساعدت على الانتشار الرهيب لآفة المخدرات وماذا تقترحون لحماية شبابنا من هذا الخطر؟
المخدرات آفة خطيرة، وهي لم تمس ممن حرموا من بعض الحقوق والاندماج، بل مست أيضا شباب وأطفال مازالوا يتمدرسون، وهنا الكارثة الكبرى التي أصبحت تواجهنا، فدخول آفة المخدرات للمدارس المتوسطات والثانويات، راجع لمشاكل مختلفة تختلف باختلاف الموقع الجغرافي، وطبيعة الأسرة وثقافتها وباختلاف عدد الأبناء، كما أن هذه الآفة ترتبط ارتباطا وثيقا بوجود الوالدين معا أو أحدهما او غيابهما بسبب الوفاة أو الطلاق، وتكمن خطورة المخدرات لارتباطها بآفات أخرى كالسرقة والإجرام، لذا فالمجتمع الذي لم يستطع الحد من هذه الآفات، آن الاوان له أن يدق ناقوس الخطر، لأن هذه الآفة الخطيرة ستؤثر على مشاريع الطفل المستقبلية، وتجعله دائما في حالة اضطراب، فالمدمن لا يستطيع المحافظة على عمله وهو شخص غير مؤهل لتكوين أسرة، لذا فأي جهد لجهة معينة لا يجدي نفعا، بل يجب تظافر كل الجهود والتنسيق بين مختلف الهيئات، والمؤسسات مع إشراك فعلي للمختصين في علم الاجتماع العائلي وعلم النفس، لكي نجد لهؤلاء الشباب وضعية جديدة بدل من وضعيات أخرى تسئ إلى إنسانيتهم، ونحن لا ننكر في هذا الصدد المجهودات الجبارة من الأمن الوطني والمجتمع المدني بما فيه الجمعيات الخاصة بمكافحة المخدرات، لذا من بين الحلول التي أراها هامه وفعالة، هي تطبيق مشروع مكافحة المخدرات للأحياء من خلال إنشاء لجان على مستوى كل حي .فالشاب في قرارة نفسه يرى أن مشكلة الإدمان تخصه هو بالذات، ولكنه لا يعرف مصلحته، لذا يجب علينا مرافقته اجتماعيا وتوفير العلاج والمتابعة النفسية، فشبابنا اليوم بحاجة لمن يأخذ بيدهم بمصداقية، خاصة وأن البطالة مست شريحة واسعة من خريجي الجامعات، فالمشاريع كثيرة وهامة ولكن ينقصها المرافقة والمتابعة للمختصين في علم الاجتماع العائلي والعمل، والمختصين النفسانيين، والمختصين في مجال المقاولاتية وإنجاح المشاريع، من خلال تقديم دورات تكوينية وتدريبية لتحسين المهارات، ويجب أن تكون هناك النظرة الجديدة للعمل الجماعي بين الجنسين، أي تكافؤ الفرص، وعدم حرمان الفتيات من بعض المهن، وهذا ما نسميه المساواة بين الجنسين.
ظاهرة أخرى ضحاياها شباب أيضا وهي ما يعرف “بالحرقة”، ما هو تحليلكم للظاهرة وما هي البدائل المقترحة؟
أسباب الحرقة معروفة لدى الجميع نذكر منها البطالة، وعدم الاستقرار الأسري، وكذا الاحتكاك بمجموعات مختصة في التجارة بالأشخاص، وهذا ما يجعل الشباب يفكرون في الهجرة، كما أن لهذه الظاهرة ارتباط وثيق بشخصية الشاب الاجتماعية والنفسية والثقافية وبعد نظره، ومدى تصديه للمشاكل، وبالموازاة هناك شباب يعانون مشاكل كثيرة لكنهم يرفضون رفضا قاطعا الخروج من وطنهم، ولكن لهم أمل تغيير الظروف وتحسين معيشتهم، وهؤلاء يجب الوقوف معهم، وهناك هجرة لكفاءات من الشباب منهم من ذهب بطريقة شرعية، وهناك من ذهب بطريقة غير شرعية، لأنهم شعروا بأن ليس هناك تشجيع وتقدير لنجاحاتهم، كما توجد فئات ليس لها مستوى دراسي معين، وهم ممن تسربوا من الدراسة ولديهم احتكاك بالشباب الذين هاجروا، وهذه الفئة تغامر برحلة مليئة بالمخاطر، وعليه يمكننا القول أن التسرب المدرسي زاد من تفاقم ظاهرة الحرقة، فمن هؤلاء الشباب من يصل إلى أوروبا ولكنهم يبقوا يشعرون بحالة “اللا أمن”، وقد يعانون ظروف صعبة تجعلهم يقعون في مستنقع الآفات الاجتماعية كالسرقة وينتهي بهم الأمر في السجون، لذا فالمسؤولية هنا يتحملها الجميع بالدرجة الأولى الوالدين والأسرة، ثم الهيئات التي يجب أن تتشارك في امتصاص هذه الظاهرة والقضاء على العوامل التي تتحكم فيها.
في السنوات الأخيرة تصاعدت جريمة الاختطاف، ما أدخل الأولياء في دائرة القلق، ما هي عوامل انتشار هذه الجرائم وما هي طرق مواجهتها؟
يرجع الاختطاف لعدة أسباب، قد تكون عائلية وقد تكون ذات علاقة بمشاكل في العمل، وقد تكون لها أسباب جنسية متعلقة بمواقع مخلة بالحياء والإدمان عليها، وقد تكون أساسا بسبب المخدرات التي أعتبرها أم الآفات، فظاهرة الاختطاف فيها تراجع قيمي ويشير إلى نوع من الضغائن بين الأفراد والناس وقد بدأت في الانتشار في مختلف الدول، ولكن تزايدت في السنوات الأخيرة، خاصة وأن هناك من يستغل الأطفال في الدعارة وفي المصانع، ولإشباع شهوات جنسية مردها كثرة الإدمان على المشاهد المخلة بالحياء بين الجنسين والتي ترتب عليها شذوذ جنسي لبعض المنحرفين، في ظل غياب الرقابة الأسرية، ونقص المسؤولية الجماعية كالمدرسة والاعلام، وغياب دور المساجد والأئمة والمرشدات والإرشاد الأسري، والمختصين، كما أن القوانين الجديدة التي تدعو لممارسة بعض السلوكات الشاذة باسم حقوق الانسان زادت من تفاقم الظاهرة، وأؤكد من هذا المنبر أننا كنا أول من دعا بتطبيق الحكم القاسي لمن يختطف الأطفال ويعتدي عليهم ويقتلهم وينكل بهم وتطبيق حكم الاعدام، وقد رأينا أن الجرائم تكررت فلو طبق الإعدام في البداية، لتم القضاء على الظاهرة، وقد ظهر في الآونة الأخيرة اختطاف لفتيات في بداية سن المراهقة، ويمكن القول هنا أنه قد يكون الأمر مرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في غياب مراقبة الوالدين وغياب المعارف حول تطبيقات وسائل الاتصال، مما يجعل بعض الفتيات يقعن ضحية منحرفين.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال