احتفل أمس الجزائريون والجزائريات بعيد الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، بتاريخ الـ5 من شهر جويلية 1962 هذا اليوم التاريخي الأغر، الذي وثق اللحظة و أصبح المرجع لشعبا حرا ابي واجه المستعمر الهاشم و استرجع الحرية بالقوة و الإصرار و برجال و نساء أبطال، هذه المناسبة تعود كل سنة لتأكد وتذكر الشعب ان الحرية ثمينة، ضحى عليه الكبار و الصغار و ان المواصلة في بناء الوطن مسؤولية الجميع ، و في هذا السياق جمعنا حوار مع البروفيسور و الأستاذ في التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة مسيلة مصطفى عبيد ، الذي أبرز ابعاد هذا اليوم الوطني و التاريخي العظيم و اكد وحدة الشعب الجزائري و أهميتها ابان الثورة و دور الاسرة ، المدرسة، والإعلام في الحفاظ على الذاكرة الوطنية وترسيخها.
بداية أستاذ وبعد مرور 64 سنة على استرجاع الجزائر لاستقلالها وسيادتها الوطنية، كيف تقرأون دلالات هذه المناسبة والذكرى التاريخية الوطنية وكيف نربط المكاسب بجيل اليوم من أجل الاسهام في تطوير الوطن؟
الذكرى الرابعة والستون لاسترجاع السيادة الجزائرية ذكرى عزيزة وغالية على كل مواطن جزائري يعرف ما معنى الاستعمار وما معنى الحرية والسيادة وما معنى تضحيات الرجال والقادة والشهداء والمجاهدون … كما اننا نقول بأن الذكرى الرابعة والستين هي دلالة على ظهور جيلين بعد تاريخ الاستقلال إضافة إلى جيل الاستقلال نفسه. وهذا يدفعنا إلى القول أنه لابد من الانتباه إلى ان جيل الثروة قد أفضى إلى ربه فغالبية المجاهدين والذين عاصروا الثورة قد التحقوا بالرفيق الأعلى ولم يبق منهم إلا القليل الذي ننبه إلى ضرورة الاستفادة منهم ومن شهاداتهم على تاريخ الثورة التحريرية … كما ان ظهور جيلين بعد جيل الثورة هذا يدفعنا أيضا إلى ان نراجع انفسنا في التنظير للسياسة الجزائرية على مختلف المجالات. ففهم وقناعات وتصورات … جيل اليوم ليست هي تلك التي كان عليها جيل الآباء والأحفاد. والإنسان ابن بيئته وابن جيله فلابد من الانتباه إلى هذا. ومع ذلك نقول ان جيل الثروة قد أدى الأمانة بتحرير البلاد أولا ثم تسليم المشعل لجيل الاستقلال ثانيا، والان هناك جيل ثالث بدأ في تسلم المشعل وهو على قناعة تامة ووعي عال بكيفية المحافظة على المكاسب التي أوصلها له الآباء وثقتنا كبيرة فيه في الوصول بالبلاد إلى التطور والازدهار مع الحكمة والجودة والإرادة واليقظة.
بالرجوع إلى السياق التاريخي، كيف أسهمت وحدة الشعب الجزائري في تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية؟
الوحدة الشعبية الجزائرية ليست جديدة أيام الثورة التحريرية، وإنما هي وحدة تاريخية موروثة عبر العصور، فالشعب الجزائر على مر التاريخ شعب واحد موحد، لحمة واحدة، كتلة واحدة، حركته واحدة واهدافه ومساره واحد. ولذا فمع اندلاع الثورة التحريرية المباركة تفاعل معها الشعب الجزائري كوحدة مكتملة غير قابلة للتجزئة. فمنح صوته للثورة، ومنح إرادته وجهوده للثورة ووعد قادتها وعد الحر بإن دماءه وماله وكل ما لديه هو في خدمة الثورة من أجل تحرير البلاد من براثن الاستعمار وسياسته الهادفة إلى احتلاله والقضاء على هويته وشخصيته وأرضه وسيادته. وقد تفطنت الإدارة الاستعمارية وجيشها إلى هذه الوحدة وحاولت تفكيكها منذ 1830 بدءا بالفصل بين الشعب وقادته حين اعتبرت خلال القرن التاسع عشر (بداية فترة الاحتلال) أن الطريقة المثلى للقضاء على المقاومة الشعبية هي العمل على فصل الشعب عن قادته المجاهدين أو المرابطين كما كانت تسميهم.
وقد بيّن منظروها يومها من أمثال أونفونتان وأوربان ووارني ولامورسيير بأن المجاهدين المرابطين (أبناء الزوايا والطرق الصوفية ورجال الدين) هم الخطر الأكبر على الوجود الفرنسي بالجزائر في إشارة إلى الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة، والشيخ بوزيان، والشيخ محمد بن عبد الله، ولالا فاطمة نسومر، والشريف بوبغلة.
وكانت غدارة الاحتلال قبل هؤلاء كلهم قد نفت كل من الشيخ محمد بن العنابي صاحب كتاب السعي المحمود في نظام الجنود والذي دعا فيه الداي حسين إلى ضرورة تطوير الجيش الجزائري وبنائه بناء عصريا حتى يخرج من دائرة خطر التحالف الأوربي ضد الجزائر في البحر المتوسط، كما نفت المفتي والقاضي المالكي مصطفى بن الكبابطي الذي رفض تطبيق سياستها الاستعمارية الثقافية عموما (الدين والقضاء واللغة) على الجزئريين. كل ذلك كان دليلا على عمل الإدارة الفرنسية على تحطيم الوحدة الجزائرية المتمثلة في المقاومة القوية وقادتها، ورجالها وخاصة من رجال الدين، ودليلا على تمسك الجزائريين بأرضهم ووحدتهم وقادتهم وتحملوا من أجل ذلك كل سياسة الأرض المحروقة التي قادها الجنرال بيجو بإيعاز الحكومة الفرنسية ووزارة الحرب الفرنسية آنذاك.
أما خلال الثورة التحريرية فقد ضرب الجزائريون قاطبة أروع الأمثلة في الوحدة فكان أبناء الجزائر يدافعون صفا واحدا عن كل الولايات الجزائرية خلال الثورة التحريرية دون مراعاة لا لجانب طبقي ولا انتماء جغرافي ولا حضري او ريفي فقد كان الجميع منضويا تحت لواء الثورة التحريرية وجبهة التحرير الوطني من أجل هدف واحد ووحدي هو استرجاع الجزائر لسيادتها وانتزاعها بقوة الحديد والنار من الاستعمار الفرنسي.
هنالك محطات تاريخية بارزة مهدت لاسترجاع السيادة الوطنية في الخامس من جويلية 1962 حبذا لو نذكر أهمها وتأثيرها المباشر؟
محطات استرجاع السيادة الوطنية كثيرة وتعود جذورها البعيدة إلى المقاومات الشعبية والحركة الوطنية الجزائرية بمختلف أحزابها وجمعياتها، اما الجذور القريبة فتعود إلى القناعة بضرورة العمل المسلح التي صار عليها الشعب الجزائري قاطبة بعد أحداث 08 ماي 1945. ولذا فهذه المحطة تعتبر محطة رئيسية في بناء الوعي الثوري المسلح بالجزائر ومنه جاءت المحطات الأخرى المتمثلة أساسا في تأسيس المنظمة الخاصة في فيفري 1947، ثم نجد الحراك السياسي في نضال الطبقة السياسية عموما ممثلة في إنشاء الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها في 1951 ثم في نضال حزب الشعب الجزائري الذي يمثل تيار الاستقلال والذي تمخض عنه ظهور النشطاء أو الشباب الفاعلين العاملين على تفجير العمل المسلح ممثلا في اللجنة الثورية للوحدة والعمل في مارس 1954، ثم تأسيس مجموعة الـ 22 واجتماعاتها ونشاطها الذي نتج عنه مجموعة الستة (او التسعة بإضافة الثلاثة المكلفين بالخارج) والذي انتهى إلى الإعلان عن تأسيس جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني في 23 اكتوبر 1954 والذي قرر تفجير الثورة المسلحة في غرة نوفمبر 1954.
اما خلال الثورة فمحطات استرجاع السيادة الوطنية كثيرة جدا يمكن أن نذكر أبرزها وهي بيان أول نوفمبر 1954 الذي يحدد طبيعة الثورة وهويتها وأهدافها وامتدادها العربي الإسلامي المغاربي وأنها ثورة سلمية وليست دموية ويدعو فرنسا للتفاوض وحفظ الدماء إن هي اعترفت بالسيادة الوطنية الجزائرية. كما كانت محطة مؤتمر الصومام في 20 أوت 1956 محطة بارزة سواء على مستوى التنظير أو التنظيم. إضافة إلى محطات أخرى كمحطة رفض مشروع ديغول المتعلق بسلم الشجعان في اكتوبر 1958 رغم قوة الإبادة التي لجأ إليها قادة الجيش الفرنسي بالجزائر في تلك المرحلة المدعومة بقوات الحلف الأطلسي والتي انتهت بصمود الثورة التحريرية وانتصارها على مخططات ديغول وفرنسا والحلف الأطلسي برمّته. وكذلك محطة المفاوضات عبر مراحلها المختلفة إلى غاية المحطة الأخيرة التي انتصرت فيها العسكرية والدبلوماسية الجزائرية في اتفاقيات إيفيان الثانية وإبطال الخرافة الفرنسية الهادفة إلى انتزاع الصحراء. حيث انتصرت الديبلوماسية الجزائرية ووفدها المفاوض بالصحراء جزائرية وان الجزائر وحدة واحدة وأن أرضها غير قابلة للتجزئة. وان الثورة التحريرية هي جهاد مستمر إلى غاية تحرير آخر شبر من أرض الجزائر بصحرائها وهو ما تحقق في 18 مارس 1962 بإعلان وقف إطلاق النار. والذي خلفته محطة بارزة أخرى هي الحكومة الانتقالية وكيفية تسيير المرحلة الانتقالية او ما يعرف بحكومة روشي نوار التي تحدت ظروف المرحلة الانتقالية وإرهاب منظمة الجيش السري الدموية وانتهت بتنظيم استفتاء تقرير المصير في الفاتح من جويلية 1962 الذي انتهى باستقلال الجزائر في 05 جويلية 1962.
بعد الاستقلال بدأت الجزائر في بناء مؤسساتها وتعزيز سيادتها في مختلف المجالات خاصة الاقتصادية منها، ماذا تقولون في هذا الجانب خاصة مع التحولات التي يشهدها العالم؟
الاقتصاد شريان الحياة، ودولة بدون اقتصاد لا يمكن ان تقوم لها قائمة، وقد ورثت الجزائر عن الإدارة الفرنسية اقتصادا مخربا لم يعمل على بناء البنية التحتية بقدر ما كان يعمل على توفير ادوات التسويق إلى الخارج وإلى فرنسا بصفة خاصة. فكانت ثرواتنا كلها إلى السوق الفرنسية ومنها إلى أسواقها العالمية، وكانت اموالنا كلها إلى خزينة باريس وفي إطار ذلك كانت سواعد آبائنا وأجدادنا كلها أدوات مسخرة بالقوة لصالح الاقتصاد الفرنسي.
ولذا فمباشرة مع تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية بدأت الجزائر في بناء ذاتها وبناء اقتصادها معتمدة على السواعد المحلية وتوظيف الخبرة الأجنبية كلما وجدت إلى ذلك سبيلا. وكانت الانطلاقة بمشروع اقتصادي اشتراكي مبني أساسا على نظام التسيير الذاتي الذي جاء به مرسوم 22 مارس 1962 والذي كان تركيزه الرئيسي على التأميم وإنشاء مؤسسات تنهض بالاقتصاد الوطني. فكان تأسيس الشركة الوطنية الجزائرية للمحروقات (سوناطراك= الشركة الوطنية للبحث والإنتاج والنقل والتحويل وتسويق الإنتاج) 31 ديسمبر 1963، و الشركة سونلغاز(الشركة الوطنية للكهرباء والغاز) سنة 1969 … وبعد تجربة حوالي عقدين من الزمن اعتمدت الجزائر سياسة إعادة الهيكلة الاقتصادية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي (1980 – 1990) وكان الاشتغال من خلال نظام اقتصادي يعتمد على المخططات الخماسية (الخماسي الأول 1980 – 1984/ الخماسي الثاني 1985 – 1989) والذي اهتم بتحقيق أولويات الاقتصاد الوطني والنهوض به إضافة إلى تحقيق آمال الفئات الهشة ومساعدتها على تحقيق حياة أفضل. مهتما بالفلاح تحت شعار الأرض لمن يخدمها التي كانت الدعوة إلى العمل بها منذ سنة 1971 ومشجعا على العمل تحت شعار العمل والصرامة لضمان المستقبل الذي جاء مع المشروع الخماسي.
هذا الجانب غلب عليه الجانب الزراعي كما نرى، كما اهتمت الجزائر بالجانب الصناعي أيضا وقامت بمباردات صناعية هامة جدا منها تأسيس شركة سوناكوم التي تشتغل في مجال الصناعة الميكانيكية وشهدت تقدما وإنتاجها هاما عاد بالفائدة على الجزائر نشاطان وخزينة … كما انتشرت الصناعات الغذائية والتحويلية … وصار للجزائر قاعدة صناعية محترمة كانت ستوؤدي بها إلى نهوض اقتادي يليق بمكانة الجزائر الدولية لولا ظروف ازمة 1988 و1989 وما بعدها من دخول الجزائر في دوامة العشرية السوداء وصندوق النقد الدولي. اما حاليا فالجزائر تخطو خطوات هامة جدا للعودة إلى نشاطها الاقتصادي عموما والصناعي خصوصا بعودة نشاط تركيب السيارات والمنشآت الثقيلة والاهتمام بالفلاحة التي نأمل ان تحقق طموحات الشعب والاقتصاد الجزائري.
في ظل التحولات التي يشهدها العالم ما الدور المنتظر من الشباب لمواصلة بناء الجزائر والحفاظ على مكاسب الاستقلال؟
الشباب هو القوة الفاعلة في البلاد، ولحد الآن تشهد الجزائر قوة شبابية ضاربة فنسبة الشباب حاليا إلى المجتمع ككل هي 60 بالمائة ومعدل عمر المجتمع الجزائري حاليا هو 29 سنة وبالتالي فهي مؤشرات تدل على شبابية المجتمع الجزائري وقوته. والشباب حاليا واع إلى درجة مقبولة بضرورة حمل مشعل الآباء والأجداد في بناء الجزائر والمحافظة على لحمتها ووحدتها وقوتها ومكانتها بين الأمم لا سيما في امتدادها العربي المتوسطي والإفريقي أو في مكانتها الدولية. وهو على قدر كاف من المسؤولية في ظل عالم لا يرحم وتكالب دولي على أبناء الأمم المتأخرة من شعوب عالم الجنوب. فبصفته موردا بشريا هاما وعاملا من عوامل القوة في الجزائر كما في غيرها نجد هذا التكالب عليه بالعمل على التشويش عليه بمختلف أنواع التشويش كحرب وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل على تضيع وقته وتشتيت اهتمامه وتسفيهها إضافة إلى امراض اخرى لابد ان ينتبه إليها الشاب وهو على وعي ودراية بها والشاب الجزائري متحملا مسؤوليته تجاهها ومتفطنا تماما لما يخطط له أعداء الوطن، ولدوره المنوط به تجاه وطننا العزيز. وبذلك فهو على يقظة تامة للعمل والمحافظة على مكاسب الاستقلال التي تركها لنا الآباء والأجداد من الشهداء الأبرار والمجاهدين الأخيار.
من الجانب التربوي كيف يمكن للأسرة، المدرسة، والإعلام أن يسهموا في الحفاظ على الذاكرة الوطنية وترسيخها لدى مختلف فئات المجتمع خاصة الشباب؟
الأسرة، المدرسة، الإعلام … هي كلها خلايا يقظة الشباب وتفعيل دورهم في المجتمع. فالأسرة عليها التربية الحسنة والسهر على السلوك القويم، والمدرسة عليها القيام بذلك وان تعلب دور التكوين والتربية والتوجيه سواء كإدارة أو كمعلمين وأساتذة على مختلف مراحل التعليم، وأول شروط الأسرة لابد ان تكون أسرة ناجحة ، فالأسرة الفاشلة لا ننتظر منها إنتاج شاب ناجح ، كما أن المنظومة التربوية ككل لابد ان تكون العنصر الرئيس في بناء المواطن الصالح الذي تنبني شخصيته على هوية وتاريخ وحضارة الجزائر كما شهد عليها التاريخ وتغرسها فيه ليترعرع في كنفها .. كما أن مؤسسات الإعلام لابد أن تعمل على بناء المواطن الصالح انطلاقا من تلك العناصر الرئيسية للهوية الجزائرية بصفتها عناصر متكاملة موحدة متكاملة غير متناقضة ولا متصارعة.
اجرت الحوار يمينة سادات

























مناقشة حول هذا المقال