تشهد الجزائر مرحلة سياسية ودستورية جديدة مع افتتاح الفترة التشريعية العاشرة للمجلس الشعبي الوطني، وما رافقها من مستجدات بارزة، أبرزها الحضور المتزايد للشباب وانتخاب امرأة على رأس المجلس.
وفي هذا السياق، أجرينا حوارًا مع الخبير في القانون الدستوري موسى بودهان، للحديث عن مكانة البرلمان ودوره في المنظومة الدستورية، وأهمية الحضور الشبابي، فضلًا عن أبرز التحديات والرهانات التي تنتظره خلال المرحلة المقبلة.
تم مؤخرا افتتاح الفترة التشريعية العاشرة للبرلمان، ما هي مكانة هذه المؤسسة التشريعية ودورها في المنظومة الدستورية؟
بعد أن ضبطت المحكمة الدستورية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، تم افتتاح الفترة التشريعية العاشرة للمجلس الشعبي الوطني الجديد وفقاً للمادة 133 من الدستور، التي تنص على أن الفترة التشريعية تبتدئ وجوباً في اليوم الخامس عشر الذي يلي تاريخ إعلان المحكمة الدستورية النتائج.
وبعد انتخاب رئيس المجلس الشعبي الوطني للفترة التشريعية كاملة، أي خمس سنوات، وانتخاب هياكله المتمثلة في المكتب واللجان ومكاتب هذه اللجان، وتشكيل مجموعاته البرلمانية، جاء الدور الآن لتفعيل الآليات الدستورية والقانونية المتعلقة بصلاحيات البرلمان.
وتتمثل هذه الصلاحيات أساساً في التشريع، والرقابة، وتمثيل الشعب والدفاع عن آماله وطموحاته وانشغالاته في إطار الدستور وقوانين الجمهورية، والعمل الدبلوماسي.
وفيما يتعلق بالتشريع، ينبغي أن يكون التشريع سليماً، مفهوماً، واضحاً، وقابلاً للتطبيق على أرض الميدان، وأن تتوفر فيه خصائص وميزات الأمن القانوني والاستقرار التشريعي، وألا يثير أي إشكال عند تطبيقه. وهذا يقتضي من البرلمانيين القيام بالاستشارات الواسعة والاستعانة بالخبراء والمستشارين وأهل الاختصاص وذوي الخبرة والتجربة.
كما يجب أن يستند التشريع إلى الأحكام الدستورية والقانون العضوي المتعلق بتنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة والمحدد للعلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة. فالسلطة التشريعية يمارسها برلمان يتكون من غرفتين، هما المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، ولكل غرفة السيادة في إعداد القانون والتصويت عليه.
كما تتمثل مهمة أخرى في الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة، من خلال الأسئلة الشفوية والمكتوبة، والاستجواب، وملتمس الرقابة، وبعثات الاستعلام البرلماني، والاستماع إلى أعضاء الحكومة في اللجان الدائمة، ولجان التحقيق، وغيرها من الآليات الرقابية.
وبالتالي، فإن المجلس الشعبي الوطني، باعتباره مؤسسة تشريعية، له مهام دستورية حيوية تتمثل أساساً في التشريع والرقابة وتمثيل الشعب والدفاع عن آماله وطموحاته وانشغالاته، إلى جانب العمل الدبلوماسي، وهو مطالب بتفعيل مختلف الآليات الدستورية والقانونية الممنوحة له لأداء هذه المهام على النحو الذي يحقق الأمن القانوني والاستقرار التشريعي، ويمكّنه من ممارسة دوره ومكانته في المنظومة الدستورية والقانونية.
المجلس الجديد فُتح فيه المجال أمام الشباب، حيث تم انتخاب أكثر من مئة شاب، كيف ترون هذا التوجه نحو إشراك الطاقات الشابة في المؤسسة التشريعية؟
نرى هذا التوجه توجهاً سليماً، ونرى بأن المستقبل حقيقة وفعلاً للشباب، لقد فتح المؤسس الدستوري والمشرع، وقبل المؤسس والمشرع رئيس الجمهورية من خلال التزاماته الـ54 في العهدة الأولى ومن خلال برنامجه الانتخابي في العهدة الثانية، المجال وركّز كثيراً على الشباب.
والشباب الآن متواجد في مؤسسات وهياكل الدولة، متواجد في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة بقوة، وفي المجالس الشعبية البلدية والولائية، بفضل هذا الاهتمام الكبير من قبل الدولة برمتها وعلى رأسها رئيس الجمهورية.
ويكفي القول بأن تواجد الشباب بهذا الشكل المكثف في البرلمان وفي المجالس المحلية يعود أساساً إلى المواد 200 و214 و215 فيما يخص المجلس الأعلى للشباب، الذي كرّسه رئيس الجمهورية كهيئة دستورية خاصة بالشباب، إلى جانب وزارة الشباب، وكذلك المرصد الوطني للمجتمع المدني الذي نجد فيه الشباب بقوة طبقاً للمادة 213 من الدستور.
كما يعود الفضل أيضاً للقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، الأمر 21-01 المعدل والمتمم بالقانون العضوي 26-05، لا سيما من حيث الترشح، حيث يتعين على القوائم المتقدمة للانتخابات مراعاة مبدأ المناصفة بين النساء والرجال، وأن تخصص القائمة على الأقل نصف الترشيحات للمترشحين الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، أي الشباب، إلى جانب تخصيص الثلث لذوي المستويات الجامعية.
إذن، إلى جانب الاهتمام الدستوري والاهتمام السياسي لرئيس الجمهورية شخصياً، نجد الاهتمام بالشباب في القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية وفي العديد من الآليات القانونية والمؤسساتية.
وبالتالي لا يمكن لأي كان أن يستغرب هذه المكانة التي يحتلها الشباب وهذا الاهتمام بهم، والذي أدى إلى أن يتواجدوا بهذه القوة في مؤسسات وهياكل الدولة، وخاصة في البرلمان وفي المجالس الشعبية البلدية والولائية.
ونرى أن هذا توجه سليم، وأن المستقبل حقيقة وفعلاً للشباب، والفئة العمرية الخاصة بالشباب هي التي ستسود وهي التي ستبقى وهي التي ستحتل أماكن أكثر أهمية في مؤسسات الدولة.
عند افتتاح الفترة التشريعية العاشرة، تم انتخاب امرأة لرئاسة المجلس، لأول مرة. كيف تلقيتم هذا الاختيار؟
تلقينا هذا الاختيار بصدر رحب وبفرح شديد، ونثمنه عالياً، باعتباره سابقة في تاريخ الجزائر، ولأول مرة في تاريخ الجزائر يتم انتخاب امرأة على رأس المجلس الشعبي الوطني.
لقد تم انتخاب السيدة خاليدة بوفدش على رأس المجلس الشعبي الوطني وفقاً للمادة 134 من الدستور، ووفقاً للمادة 11 من القانون العضوي 16-12 المعدل والمتمم، ووفقاً أيضاً للمادة 7 من النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني.
وقد كانت تزكية المجموعات البرلمانية لها ساحقة، حيث تحصلت على 302 صوت، مقابل حوالي 56 أو 57 صوتاً لمرشح حركة مجتمع السلم، و7 أصوات لمرشح التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية.
فهي طبيبة ولها خبرة وتجربة اكتسبتها من خلال تواجدها في المجالس المنتخبة، سواء في المجلس الشعبي البلدي لبلدية برج البحري أو على مستوى المجلس الشعبي الولائي لولاية الجزائر، فضلاً عن خبراتها وتجاربها في المجال الطبي والنقابي.
ونأمل دائماً أن تفتك الجزائرية عندنا المنصب بالكفاءة والاقتدار، وأن تكون مؤهلة وعند حسن ظن ناخبيها، وذات كفاءة ولها مصداقية.
والبرلمان له مهام حساسة وحيوية ودستورية، تتمثل في التشريع والرقابة والدبلوماسية وتمثيل الشعب والدفاع عن آماله وطموحاته وفقاً للدستور وقوانين الجمهورية.
وهذه المهام ليست بالمسألة الهينة، ولكن لما تحيط نفسها بمستشارين وخبراء، إلى جانب ما تزخر به التركيبة البشرية الجديدة للمجلس، أعتقد أن الأمر سيكون بسيطاً وسهلاً إلى حد كبير.
عرفت هذه الانتخابات نسبة مشاركة بلغت 21.24%. كيف تقرؤون هذه النسبة من الناحية القانونية والسياسية؟
هي نسبة، حقيقة لابد أن نقر بذلك، ضعيفة وضئيلة وهشة إن صح التعبير، 21.24%. كنا نتمنى أن تكون النسبة أكثر، ولكن هذا هو حال الناخبين.
فالانتخاب حق دستوري طبقاً للمادة 56 من الدستور، ولكنه أيضاً واجب قانوني وفقاً للقانون العضوي لنظام الانتخابات، الأمر 21-01 المعدل والمتمم، لا سيما بالقانون العضوي 26-05 المتعلق بنظام الانتخابات.
ويجب أن نساهم جميعاً في الرفع من نسبة المشاركة، ولا ينبغي أن نحمل الأحزاب وحدها المسؤولية، ولا أن نحمل الخطاب السياسي وحده، لأن هناك عوامل كثيرة ساهمت في هذه النسبة المتدنية.
ومع ذلك، سواء كانت نسبة المشاركة 21% أو أقل أو أكثر، فهذا لا ينقص من مصداقية المؤسسة المنتخبة، أي المجلس الشعبي الوطني، ولا يقلل من شأنها ولا من أهميتها.
فلا الدستور ولا القانون، سواء عندنا أو في أي دولة من العالم، يحدد نسبة معينة للقول بأنها هي التي تضفي الشرعية على هذه المؤسسة أو تلك. ليس هناك أي تحديد لنسبة معينة للقول بأن المجلس الشعبي الوطني بهذه النسبة يكون قد اكتسب الشرعية وبهذه النسبة لم يكتسب الشرعية.
إذن، من الناحية الدستورية والقانونية، هذه النسبة لا تؤثر ولا تقلل من مصداقية وشرعية المجلس الشعبي المنتخب على أساس هذه النسبة، لكنها نسبة متدنية، ويجب أن نعمل أكثر فأكثر، وأن تتحمل الأحزاب بدورها مسؤوليتها، حتى نرفع من نسبة المشاركة في المستقبل، لكن من الناحية الدستورية والقانونية لا يوحد شيء عليها ولا تأثير على المجلس الشعبي الوطني
رئيس الجمهورية، خلال لقائه مع الصحافة، التزم بإجراء حوار سياسي مع الأحزاب عند الدخول الاجتماعي. كيف ترون أهمية هذه الخطوة من الجانب السياسي؟
هذه سنة حميدة، سنة رئيس جمهورية التقى بالأحزاب بشكل فردي. والحقيقة أن السيد رئيس الجمهورية يهتم كثيرًا بالمجتمع المدني، ويهتم كثيرًا بالأحزاب السياسية، والدليل على ذلك أنه في لقائه مع الأحزاب السياسية مؤخرًا، وعدهم بأن قانون الأحزاب السياسية، وهو الذي صار الآن قانونًا، قبل أن يصير هكذا بهذا الشكل كان في شكل مشروع، وقدمه إلى الأحزاب وقال لهم: هذا قانونكم، هذا قانون أنتم من تساهمون في صنعه وفي سنّه.
كذلك تكفل السيد الرئيس بكل الانشغالات الحزبية، والدليل على ذلك أن حتى ترتيب وترشيح القوائم الانتخابية، الترشيحات صارت الآن من الحقوق المكتسبة للأحزاب السياسية. الأحزاب السياسية هي التي ترتب المترشحين داخل الأحزاب.
ثم أيضًا، تكفل السيد رئيس الجمهورية بمطلبهم القاضي بمنع التجوال السياسي، على غرار المنع الذي وجد في الدستور. الآن في القانون العضوي 26-08 المتعلق بالأحزاب السياسية، صار متكفلًا بمنع التجوال السياسي، وهذا نزولًا عند رغبة الأحزاب.
المهم، أختصر كلامي وأقول بأنه ستكون هناك لقاءات مع الأحزاب السياسية، ولكن أي الأحزاب التي سيلتقي بها رئيس الجمهورية؟ بدون شك، السيد رئيس الجمهورية قال: الأحزاب التي قامت بعقد مؤتمراتها، الأحزاب التي كيفت قانونها ونشاطها وعملها مع الدستور ومع القانون العضوي الجديد للأحزاب السياسية، الأحزاب المتواجدة في البرلمان ذات الشرعية الدستورية والقانونية.
إذن أعتقد أن طبيعة الأحزاب صارت محددة من الآن ومعروفة: الأحزاب الشرعية، الأحزاب القانونية، الأحزاب الدستورية، الأحزاب التي كيفت قانونها مع الدستور ومع القانون الجديد الخاص بها.
هذه طبعًا مع الدخول الاجتماعي نعتبرها خطوة مهمة وخطوة جيدة. أمر لابد أن نثمنه، الحياة السياسية تحتاج إلى تأطير، تحتاج إلى تشجيع من أعلى سلطة، والأمر يتعلق برئيس جمهورية، وهو كعادته يشجع العمل السياسي المجتمعي، والعمل الإداري، ويشجع كل الأعمال ويسهر على أن تكون وفقًا للدستور وقوانين الجمهورية.
أجرت الحوار سهى مراس














مناقشة حول هذا المقال