لم تُطفئ النيران في غابات شرق البلاد الأشجار وحدها، بل خلّفت وراءها تحديات بيئية تمتد آثارها إلى التربة والمياه والتنوع البيولوجي، وتضع جهود استعادة هذه النظم الطبيعية أمام اختبار حقيقي.
فبعد انحسار ألسنة اللهب، تبدأ معركة أخرى لا تقل أهمية: كيف تستعيد الغابات عافيتها، وتستعيد الأرض قدرتها على احتضان الحياة، دون أن تتحول الحرائق إلى بوابة لمزيد من الانجراف والتصحر؟ سؤال يطرح نفسه بقوة في ظل التغيرات المناخية وتكرار فترات الجفاف، ويعيد التأكيد على أن إعادة تأهيل الغابات المحترقة في شرق البلاد لا تعني مجرد غرس أشجار جديدة، بل تتطلب رؤية علمية متكاملة تعيد بناء التوازن البيئي وتضمن قدرة الغابة على التجدد والصمود، وفق ما يشدد عليه الخبراء.
حيث أكد الخبير في علم البيئة وإدارة النظم البيئية، هشام عداد، أن إعادة تأهيل الغابات المتضررة من الحرائق تتطلب مقاربة علمية شاملة تتجاوز عمليات إعادة التشجير التقليدية، من خلال استعادة وظائف النظام البيئي وحماية التنوع البيولوجي والتربة والموارد المائية، مع مراعاة الخصائص الطبيعية لكل منطقة وقدرتها على التجدد.

وأوضح الخبير أن حرائق الغابات لا تقتصر آثارها على فقدان الغطاء النباتي، بل تمتد لتشمل مختلف مكونات النظام البيئي، إذ تتسبب في تدمير الموائل الطبيعية وأعشاش الطيور، ونفوق الكائنات الحية بطيئة الحركة، فضلا عن الإضرار بالأنواع النباتية الحساسة للحرارة، وفقدان بعض الأنواع المحلية، الأمر الذي يخل بالتوازن بين الكائنات الحية ويؤثر على الشبكات الغذائية داخل الغابة.
وأضاف أن المناطق المحترقة قد تصبح أكثر عرضة لانتشار الأنواع النباتية الغازية والانتهازية التي تستغل تراجع الغطاء النباتي الأصلي، ما قد يعرقل استعادة التوازن الطبيعي ويغير خصائص النظام البيئي على المدى الطويل.
وفيما يتعلق بالتربة، أشار عداد إلى أن الحرائق تؤدي إلى احتراق جزء من المادة العضوية وتراجع طبقة الدبال، فضلا عن الإضرار بالكائنات الدقيقة والفطريات الجذرية التي تؤدي دورا أساسيا في تغذية النباتات والحفاظ على خصوبة التربة.
كما قد تؤدي شدة الحريق إلى تغيير خصائص سطح التربة وتقليل قدرتها على امتصاص المياه، ما يزيد من مخاطر الجريان السطحي والانجراف والتعرية، خاصة عند تساقط الأمطار بعد الحريق.
أما الموارد المائية، فتتأثر بدورها بفقدان الغطاء النباتي الذي يساهم في تنظيم تدفق المياه والحد من سرعة الجريان السطحي.
ويمكن أن يؤدي انتقال الرماد والرواسب والمواد الملوثة من المناطق المحترقة إلى الأودية والمسطحات المائية إلى تدهور جودة المياه والإضرار بالكائنات المائية، وهو ما يجعل حماية الأحواض المائية المحيطة بالغابات جزءا أساسيا من جهود التأهيل.
التجدد الطبيعي أساس إعادة تأهيل الغابات
وبشأن الشروط العلمية والبيئية اللازمة لإعادة تأهيل الغابات المتضررة، شدد الخبير على ضرورة تقييم قدرة النظام البيئي على التعافي الطبيعي قبل اللجوء إلى عمليات التشجير المكثفة، موضحا أن العديد من غابات البحر الأبيض المتوسط تمتلك آليات تكيف تسمح لبعض أنواعها بالتجدد بعد الحرائق، سواء من خلال البذور الموجودة في التربة أو البراعم القادرة على إعادة الإنبات.
ويقتضي ذلك، حسب الخبير و وفق المقاربة العلمية، تحديد درجة تضرر الغطاء النباتي والتربة، ودراسة طبيعة الأنواع المحلية ومدى قدرتها على التجدد، قبل اختيار التدخلات المناسبة لكل منطقة.
فالتدخل البشري غير المدروس قد يضر بالشتلات الطبيعية ويؤثر سلبا على مسار التعافي الذي بدأته الغابة تلقائيا.
و لهذا أكد الخبير أنه يجب اتخاذ تدابير عاجلة للحد من انجراف التربة، من خلال استخدام الحواجز المناسبة ونثر المخلفات النباتية العضوية، وفق طبيعة التضاريس وشدة الأضرار، بما يساعد على الحد من تأثير الأمطار وحماية التربة إلى حين استعادة الغطاء النباتي لوظائفه.
تنويع الغطاء النباتي واستعادة وظائف النظام البيئي
وفي سياق متصل، أبرز عداد أبرز عداد ضرورة الابتعاد عن إعادة التشجير القائم على نوع نباتي واحد، والتوجه نحو استعادة غطاء نباتي متنوع يتلاءم مع الخصائص المناخية والبيئية للمنطقة، ويضم الأشجار والشجيرات والأعشاب المحلية. ويمكن أن تشمل هذه الجهود أنواع البلوط والفلين في المناطق التي تتناسب معها ظروف نموها، مع مراعاة طبيعة التربة وتوفر المياه وقدرة الأنواع المختارة على التكيف مع الحرائق والجفاف.
مشيرا إلى أن عملية التأهيل لا تتوقف عند إعادة الغطاء النباتي، بل تشمل أيضا استعادة الحياة الدقيقة في التربة ودعم دور الكائنات الحية في تدوير العناصر الغذائية وتحسين الخصوبة، إلى جانب حماية الموائل المتبقية التي تساعد على عودة الحيوانات البرية والملقحات، بما يسهم في إعادة بناء الشبكات الغذائية والحفاظ على التوازن بين مختلف مكونات النظام البيئي.
كما أبرز الخبير البيئي أن استعادة الوظائف البيئية تستدعي الاهتمام بالدور الهيدرولوجي للغابات، من خلال تحسين قدرة التربة على امتصاص المياه والحد من الجريان السطحي، بما يساعد على تقليل مخاطر الانجراف والفيضانات المفاجئة، فضلا عن حماية الموارد المائية وتعزيز استدامتها.
التكيف مع التغيرات المناخية والوقاية من الحرائق المتكررة
وفي ذات السياق أوضح عداد أنه مع تزايد التحديات المرتبطة بالتغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وتكرار فترات الجفاف، أصبح من الضروري أن تراعي خطط إعادة تأهيل الغابات قدرتها على الصمود أمام الظروف المناخية المستقبلية.
ويتطلب ذلك اعتماد أساليب تسيير تتلاءم مع خصائص كل غابة، بما في ذلك تنظيم الكثافة النباتية عند الحاجة، والحد من تراكم الوقود النباتي القابل للاشتعال، مع الحفاظ على التنوع البيولوجي والوظائف الطبيعية للغطاء الغابي.
استعادة الغابات المحروقة يتطلب متابعة التعافي على المدى الطويل
تتطلب إعادة تأهيل الغابات المتضررة من الحرائق اعتماد استراتيجية بيئية مستدامة تقوم على حماية التربة واستعادة قدرتها على امتصاص المياه، والحد من الانجراف والتصحر، مع ضمان تجدد الغطاء النباتي المحلي ومتابعة تطور النظام البيئي على المدى الطويل، حسبما أكده الدكتور والباحث في ميدان المياه والمناخ، زقعيط رشيد.

وأوضح الباحث أن استعادة المناطق المحروقة لا ينبغي أن تقتصر على إعادة التشجير وتعويض الأشجار المتضررة، بل يجب أن تنطلق من تقييم علمي لدرجة الضرر الذي لحق بالتربة والغطاء النباتي والموارد المائية، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للانجراف، خاصة المنحدرات الشديدة والمناطق القريبة من الأودية والمنشآت المائية.
حماية التربة والموارد المائية أولوية بعد الحرائق
وأشار زقعيط إلى أن الحرائق الشديدة قد تؤدي إلى فقدان الغطاء العضوي وتغيير خصائص سطح التربة، ما يقلل قدرتها على امتصاص المياه ويزيد من الجريان السطحي والانجراف عند تساقط الأمطار، الأمر الذي يستدعي التدخل المبكر لحماية التربة قبل الشروع في عمليات التشجير.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تغطية التربة بمواد عضوية مناسبة، مثل القش النظيف والمخلفات الخشبية، للحد من تأثير قطرات المطر وإبطاء حركة المياه والمحافظة على حبيبات التربة، ويمكن أيضا اعتماد حواجز نباتية أو جذوع مثبتة على خطوط الارتفاع في المواقع الملائمة، للحد من انتقال الرواسب نحو المناطق المنخفضة.
غير أن فعالية هذه التدابير، وفق الباحث، ترتبط بمدى ملاءمتها لطبيعة التضاريس وشدة الأضرار، إذ لا يوفر بذر الأعشاب وحده بالضرورة حماية كافية خلال الفترة الأولى التي تلي الحريق، ما يستدعي تقييم مخاطر الانجراف والسيول واختيار التدخلات المناسبة لكل موقع.
ولا تقتصر الأضرار على التربة، بل تمتد إلى الموارد المائية، حيث يمكن أن يؤدي انتقال الرماد والرواسب والمواد العضوية وبعض الملوثات إلى الأودية والسدود ومصادر مياه الشرب إلى تراجع جودة المياه والإضرار بالكائنات المائية، فضلا عن تقليص سعة تخزين الخزانات ورفع تكاليف معالجة المياه.
وللحد من هذه الآثار، تبرز ضرورة حماية الغطاء النباتي المتبقي على ضفاف الأودية، وتقليل انتقال الرواسب من المنحدرات المحروقة، إلى جانب مراقبة جودة المياه، خاصة أثناء العواصف وبعدها، بالاعتماد على مؤشرات علمية تشمل عكارة المياه والمواد العالقة والمغذيات، مع تحليل الملوثات الأخرى بحسب طبيعة المنطقة.
كما شدد الباحث على أهمية التمييز بين تحسن قدرة التربة على تسريب المياه واستعادة تغذية المياه الجوفية، باعتبار أن إثبات تحسن هذه الأخيرة يتطلب قياسات ودراسات هيدرولوجية متخصصة، ولا يمكن الاستدلال عليه بمجرد عودة الغطاء النباتي.
استعادة التوازن البيئي والحد من التصحر
وفيما يتعلق باستعادة الوظائف البيئية للمناطق المتضررة، أوضح زقعيط أن حماية التربة واسترجاع الغطاء النباتي والمحافظة على المواد العضوية تمثل عناصر أساسية لاستعادة خصوبة التربة وقدرتها على التجدد.
وأضاف أن إزالة جميع الأخشاب المحروقة والمخلفات النباتية بصورة آلية ليست بالضرورة الخيار الأنسب، إذ يمكن لبعض هذه البقايا أن تسهم في حماية سطح التربة والحد من فقدان المغذيات، مع ضرورة إزالة ما يشكل خطرا على السكان والمنشآت أو يعيق عمليات الاستعادة.
وتكتسي هذه التدابير أهمية خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث تتداخل آثار الحرائق مع الجفاف وتدهور التربة والضغط الناتج عن الرعي الجائر، ما قد يضعف قدرة الغطاء النباتي على التجدد ويرفع مخاطر التصحر.
ومن هذا المنطلق، تتطلب استعادة هذه المناطق تنظيم الرعي وحماية البادرات الطبيعية، ومنع تكرار الحرائق، وتجنب استخدام الآلات الثقيلة بصورة تؤدي إلى إتلاف بنية التربة، مع اختيار تدخلات تتلاءم مع الخصائص البيئية والمناخية لكل منطقة.
استراتيجية مستدامة لإعادة بناء النظم البيئية
وبشأن وضع استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تأهيل الغابات، أكد الباحث أن الخطوة الأولى تتمثل في تحديد المواقع التي تحتاج فعليا إلى تدخل بشري، إذ تستطيع بعض المناطق التعافي بصورة طبيعية إذا حُميت من الرعي والاضطرابات، في حين تتطلب مواقع أخرى تدابير عاجلة بسبب ضعف التجدد النباتي أو ارتفاع مخاطر الانجراف.
ويستوجب ذلك تصنيف المناطق المحروقة وفق شدة الضرر، وحالة التربة، وكثافة البادرات، وقدرة الأشجار على إعادة النمو، ومدى توفر مصادر البذور، بما يسمح بتوجيه الموارد إلى المواقع الأكثر حاجة وتجنب التدخلات التي قد تعرقل التعافي الطبيعي.
كما شدد على ضرورة اختيار الأنواع النباتية المحلية بناء على مدى ملاءمتها لطبيعة التربة والارتفاع وتوفر المياه والظروف المناخية، مع الحفاظ على التنوع النباتي والاهتمام بمصدر البذور والشتلات وجودتها وتنوعها الوراثي.
وفي ظل التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف، ينبغي أيضا مراعاة الظروف المستقبلية عند اختيار الأنواع، دون إدخال نباتات غريبة قد تخل بالتوازن البيئي.
وتتطلب هذه الاستراتيجية، حسب الباحث، إرساء نظام متابعة دوري يجمع بين القياسات الميدانية وصور الأقمار الصناعية، لرصد بقاء الشتلات ونموها، وكثافة التجدد الطبيعي، وتنوع الأنواع النباتية، واستقرار التربة، وظهور بؤر الانجراف، وحالة الموارد المائية في المناطق المعرضة للخطر.
ويمكن تنظيم عمليات التقييم خلال السنوات الأولى من تنفيذ مشاريع الاستعادة، ثم في السنوات الثالثة والخامسة والعاشرة، مع تعديل تواتر المتابعة بحسب مستوى المخاطر والإمكانات المتاحة. وتسمح نتائج هذه التقييمات بتصحيح التدخلات، سواء من خلال تقليص عمليات الغرس عندما يكون التجدد الطبيعي كافيا، أو مراجعة تدابير حماية التربة عند استمرار الانجراف، أو إعادة تقييم الأنواع المختارة وظروف غرسها عند ارتفاع معدلات نفوق الشتلات.
كما يستدعي نجاح هذه الجهود تنسيقا مستمرا بين مصالح الغابات والموارد المائية والباحثين والسلطات المحلية والسكان، مع تخصيص الموارد المالية لحماية المواقع ومراقبتها وصيانتها والوقاية من الحرائق المتكررة، بدل حصرها في شراء الشتلات وتنظيم حملات الغرس.
وخلص الباحث إلى أن المعيار الحقيقي لنجاح استعادة الغابات لا يتمثل في عدد الأشجار المغروسة، بل في مدى استعادة النظام البيئي قدرته على التجدد والاستمرار، من خلال تربة مستقرة، وموارد مائية أقل تأثرا بالرواسب، وغطاء نباتي محلي متنوع، بما يعزز قدرة الغابات على مواجهة الحرائق والجفاف والحد من مخاطر التصحر على المدى الطويل.
بوزيان بلقيس

























مناقشة حول هذا المقال