جمعية العلماء المسلمين لم تكن مجرد جمعية أيقظت الألباب ورسمت دربا منيرا للجزائريين وسط ظلام الاستعمار، بل هي مشروع حضاري أسسه خيرة رجال الجزائر عبد الحميد ابن باديس وثلة من المفكرين الذين تحرروا بعقولهم وارتقوا فكانت نظرتهم أوسع من مجرد تحرير البلاد، وما استمرار جمعية العلماء المسلمين لأكثر من 90 سنة من العطاء، إلا دليلا واضحا على قوة هذا المشروع.
مولود عويمر: “جمعية العلماء المسلمين تزرع الأمل في نفوس الجزائريين”
يؤكد الدكتور مولود عويمر وهو مختص في التاريخ المعاصر والمسؤول عن الإعلام والثقافة على مستوى جمعية العلماء المسلمين، أن الجمعية تعتبر من أهم الحركات الفكرية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي والإسلامي، وكانت نموذجا رائدا في العمل السياسي والثقافي والاجتماعي.
كان للجمعية صلة قوية بالمجتمع الجزائري الذي كان يعتريه الجهل والتخلف والخوف، وكانت تحاول إخراجه إلى مجتمع جديد يسود فيه العلم والمعرفة والنظر الى المستقبل، لذا فأهم مشروع سطرته، يقضي بفتح مدارس في كل قرية لتمكين الفقراء من التعليم، وفي ذات الوقت وضعت أفق للشعب الجزائري ليمنحه الأمل في التحرر من الاستعمار والاستعباد ليكون مثل باقي الشعوب العربية والإسلامية، لذا فالجمعية زرعت الثقة والطموح في الشعب الذي فقد كل أمل بعد قرن من الاستعمار.
يضيف الدكتور عويمر: “الجمعية حررت الشعب من هذا الفكر ليقوم من جديد ويؤسس مشروع سياسي وطني اجتماعي لمجابهة الاستعمار، فهذا الوعي السياسي والفكري هو ما جعله يفكر في استرجاع انسانيته ويغير واقعه مهما كان من استعباد وظلم، هذه الفكرة هي التي سعت الجمعية إلى زرعها من خلال نشاطات كثيرة منها فتح المجال لتعليم المرأة وفتح ورشات للنساء للعمل الحرفي، فهذا المشروع جاء موازي للمشروع الفرنسي القاضي بطمس الهوية الوطنية وتكريس الاعتقاد بأن هذا الشعب يحتاج الى حضانة استعمارية وتعطيل كل قدراته واستعباده”.

المدرسة لبنة تحرير العقول وتعليم الفتاة سبيل الخلاص من الجهل
انطلاقا من أفكار جمعية العلماء المسلمين الإصلاحية، آمن الشيخ ابن باديس بأهمية بناء المدارس لشحذ الهمم وإيقاظ العقول من سبات الانقياد والاستسلام، فكانت المدرسة الباديسية نموذجا فريدا وخلاصة تجربة فريدة وأفق واسع.
كان التعليم المدرسي يختلف عن التعليم المسجدي، من حيث البرنامج والشروط المادية وفي هذا الصدد يؤكد محدثنا أن الطلبة الفقراء الذين كانوا يتمدرسون في معهد ابن باديس، يحصلون على منحة ومبيت ومطعم وطبيب معالج، وبالمقابل تكافئ الجمعية الأطباء وأصحاب المطعم بومضات إشهارية مجانا في مجلة الشهاب التي كانت تصدرها، وهذا عبر اتفاقيات تنص على الخدمات المتبادلة.
كانت نظرة الشيخ ابن باديس لتعليم المرأة استشرافية ولها أبعادا استراتيجية للقضاء على الجهل المتفشي وخلق جيل واعي، لذا بادرت جمعية العلماء المسلمين إلى فتح مدارس خاصة بالبنات، مثلا في تلمسان والجزائر العاصمة وغيرها من المدن الكبرى، وأصبحت المرأة تكتب وتجادل في جريدة البصائر، من أشهرهن زهور ونيسي التي كانت تدخل في جدال في القضايا الكبرى، التي تهم المجتمع وأصبحت المرأة معلمة ومتعلمة.
كما دعا الشيخ ابن باديس لتأسيس الكشافة الإسلامية بعد ما أعجب بالأفكار الكشفية لتعليم الأطفال طرق مواجهة الحياة، وتأسست الكشافة الإسلامية الجزائرية متأثرة بأفكار ابن باديس.
جمعية العلماء المسلمين تعي دور الإعلام وتصدر جريدة “السنة”
تشير المصادر التاريخية الى أن مجلة الشهاب التي أسسها عبد الحميد ابن باديس سنة 1928 كانت الأرضية الخصبة التي تغذت منها الأفكار الإصلاحية، وحسب الدكتور عويمر “فقد أولت جمعية العلماء المسلمين اهتماما بالغا بالصحافة وقطاع الإعلام باعتباره قطاعا ح
ساسا يجب تقويته لإيقاظ الوعي والروح الوطنية للجزائريين الذين أنهكهم الاستعمار بكل مخططاته، وقد أسست الجمعية أربعة جرائد على التوالي هي السنة والشريعة والصراط والبصائر، وكانت فرنسا في كل مرة تصادرها، وتعتبر صحافة الجمعية متميزة بمقالاتها الفكرية المعمقة، فالجرائد الأولى كانت في نفس السنة 1933، ثم بقيت الجمعية بدون جرائد الى غاية 27 ديسمبر 1935 حيث تأسست جريدة البصائر ولم تتوقف الجريدة إلى غاية بداية الحرب العالمية الثانية، نظرا لموقفها الرافض لتأييد فرنسا، مما جعل السلطات الاستعمارية تزج بقيادات جمعية العلماء المسلمين في السجون ووضع بن باديس تحت الإقامة الجبرية”.
تم التضييق على عمل جمعية العلماء المسلمين خاصة بعد أحداث 8 ماي 1945 أين وجهت اتهامات لقيادات الجمعية بالتحريض على العصيان والتظاهر، كما أن وفاة العلامة ابن باديس ومبارك الميلي الذي كان رئيس تحرير جريدة البصائر، أثر على جمعية العلماء المسلمين في هذه الفترة.
ولم يطلق سراح قيادات الجمعية إلا في سنة 1946، وفي سنة 1947 عادت جريدة البصائر للظهور، وعملت الجمعية على هيكلة نفسها بعد كل ما تعرضت له، واستمرت البصائر في الصدور إلى غاية سنة 1956 أين تم توقيفها بسبب الثورة، وبقيت الجمعية متوقفة عن النشاط إلى غاية الاستقلال.
بعد الاستقلال منعت جمعية العلماء المسلمين من النشاط ومعها توقفت البصائر عن الصدور، إلى غاية سنة 1990، حيث انطلقت الجمعية في نشاطاتها المختلفة وأعادت إصدار جريدة البصائر ولكنها توقفت سنة 1993، نتيجة الظروف التي مرت بها الجزائر من تدهور الوضع الأمني، إلى غاية سنة 2000 أين استعادت نشاطها الى يومنا هذا، ولاتزال البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين وتوثق اليوم لكل نشاطاتها ومواقف الجمعية من القضايا الدولية والوطنية.
جمعية العلماء توقف نشاطاتها دون أعضائها
بعد 1962 وافتكاك الجزائر لحريتها واستقلالها، منعت جمعية علماء المسلمين من النشاط بسبب طبيعة نظام الحزب الواحد، إلى غاية سنة 1990 أي بعد صدور دستور 1989 الذي أتاح للجمعيات النشاط، وفي هذا السياق يقول الدكتور عويمر “في ظل الحزب الواحد بقيت الجمعية كمؤسسة متوقفة ولكن أعضائها كانوا ينشطون في الحياة العامة كمعلمين للغة العربية ومفتشين وأئمة منهم أحمد حماني، عبد الرحمان الجيلالي، وكانوا يشاركون بقوة في عدة نشاطات خاصة على مستوى وزارة التربية ووزارة الشؤون الدينية، والكثير من الشخصيات الذين اعتلوا مناصب هامة في الدولة كانوا خريجي معهد ابن باديس”.
ويعتبر أحمد حماني أول رئيس للجمعية بعد الاستقلال، وتداول على رئاستها في الفترة اللاحقة، عبد الرحمان شيبان وعلي مغربي، واليوم يترأسها الدكتور عبد الرزاق قسوم منذ 2011.

الجمعية تؤسس نوادي للشباب بالأمس وتتصدر المجتمع المدني اليوم
أولت جمعية العلماء المسلمين ممثلة في قائدها العلامة ابن باديس والمفكرين أصحاب النظرة الثاقبة لمقومات الحضارة اهتماما بالغا بالشباب من خلال خلق فضاء ثقافيا وترفيهيا لهم جسدته نوادي الشباب التي تضمنت عدة نشاطات خاصة بهم منها المسرح والثقافة، وتهدف هذه النوادي استقطاب الشباب، وحسب عويمر “فنوادي الجمعية كانت فضاء يؤسس لروح التجديد وهي تشكل حقيقة نهضة في الجزائر، خلقت بمبادرات الأعيان الذين سهروا على تمويلها”.
في الوقت الحاضر الجمعية تواصل نشاطاتها في مختلف المجالات، منها التربوية، وفي هذا الصدد يؤكد محدثنا “لا تزال جمعية العلماء المسلمين مستمرة في رسالتها التربوية وهي اليوم لها مدارس وبعض النوادي، ولها مدرسة نموذجية في برج بوعريرج تبدأ من الطور التحضيري إلى المتوسط، أما فيما يخص الأعمال الخيرية والإنسانية فقد كان لجمعية العلماء عدة حملات للمساندة والتآزر في مناطق الظل والمناطق المنكوبة التي تعرضت للفيضانات، وفي مختلف أجزاء الامة في فلسطين والصحراء الغربية.
جمعية العلماء المسلمين تساهم بقوة في مبادرات التضامن والتصدي لجائحة كورونا

قامت جمعية العلماء المسلمين بدور محوري في مجابهة الوباء من خلال مساعداتها التي شملت معدات ومستلزمات الوقاية من الفيروس، كما أنها ونظرا لمسيرتها ومكانتها في المجتمع الجزائري، والثقة التي تحظى بها فقد اختارتها الكثير من الهيئات والجمعيات في الخارج لتسلمها هبات تضامنية معتبرة، خاصة أجهزة التنفس الصناعي، ومن جهة أخرى ساعدت المتضررين من الوباء خاصة في ولاية البليدة، أين
تم توزيع ملايين الأطنان من المواد الغذائية، وكذا في مناطق الظل التي يعرف سكانها ظروفا صعبة.
لا تزال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مستمرة في عطائها لما يقارب القرن من الزمن، مكيفة أدوار
ها مع متطلبات المجتمع الجزائري ضمن مشروعها الحضاري الذي آمن به رجالها الأوائل وأورثوه للأجيال اللاحقة.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال