شباب جزائري جمعهم حب العلم والشغف بالتكنولوجيا والروبوتيك، فصنعوا التميز، وحدهم مبدأ العطاء للوطن والبقاء فيه رغم الإغراءات والامتيازات، فأقاموا لأنفسهم صرحا من الطموح فتميزوا وتقدموا بخطوات نوعية إلى الأمام متحدّين كل الظروف ليحققوا حلمهم ويجسدوا أفكارهم وإبداعاتهم من خلال شركة ناشئة “تكمولوجي”، بصبغة جزائرية وكفاءات وطنية شابة، متخرجة حديثا من جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بباب الزوار، هم ست شباب بينهم شابة، من نفس التخصص ونفس الدفعة، 2020 في مجال الهندسة الإلكترونية، دخلوا عالم الروبوتيك وهم طلبة، ورسموا لأنفسهم طريقا واعدا في عالم الابتكار والاختراعات العلمية.
النادي العلمي فضاء جامعي يجمع المواهب ويدفع للابتكار
اللقاء كان في النادي العلمي” سيلاك”، في معهد الهندسة الإلكترونية تخصص شبكات واتصالات، وقد جمع هذا الفضاء العلمي المتفوقين المبدعين ممن يميزهم حب التكنولوجيا ووجدوا ضالتهم فيه، مما يوفره لهم من إمكانيات مادية وعلمية، وفي هذا الصدد يؤكد لنا أحد مؤسسي “تكمولوجي” مراد قريب قائلا:” أرى أن الجامعة تضع الطالب في الطريق المناسب، أما عن الابتكار والإبداع فهو مجال يختاره الباحث ويسعى إليه، وقد وجدنا في هذا النادي ما نريد لأنه كان يستقطب نخبة الطلبة المتفوقين، فذاك الاحتكاك جعلنا نوحد أفكارنا ونعمل على تنفيذ عدة مشاريع، منها مشروع الصاروخ الذي عملنا انطلاقا من تخصصنا على تعقبه ومعرفة مكان سقوطه، وقد وجدنا من مركز تطوير أنشطة الترفيه العلمي بأولاد فايت حاضنة لمشروعنا، وقد كان الهدف من تحقيق هذا المشروع المشاركة في مسابقة علمية في كندا والتي تأجلت بسبب الجائحة.”
ولتوفير بعض الإمكانيات المادية التي يحتاجها الطلبة الباحثين يضيف قريب “كنا نعمل مع شركات خاصة نوفر لها بعض المنتوجات الإلكترونية، وفي المقابل نتحصل على معدات للبحث من أجهزة كمبيوتر وغيرها، وبهذا كنا نمول النادي بمجهوداتنا الشخصية”.
المسابقات العلمية فضاء آخر للعلم وتنمية روح الإبداع
إذا كان النادي العلمي هو فضاء لاكتشاف المواهب وصقلها، فإن المسابقات العلمية الدولية كانت المحفز الأساسي لشباب “تكمولوجي” لسبر أغوار عالم الروبوتيك والتميز فيه.
وقد كانت مسابقة اليابان في فيفري 2019 أول محطة علمية يجتازها الشباب وهم لا يزالون طلبة، وعن هذه التجربة يقول قريب: “كانت المسابقة ترتكز على البحث عن مشاكل تقنية وإيجاد حلول لها، ونحن نتجول في أحد الشوارع اليابانية ليلا صدفة لاحظنا بقاء الضوء الأحمر مشتعل، رغم أن السيارات غير موجودة وبذلك فكرنا في الأمر وطرحنا السؤال لما لا تكون اللوحة الضوئية ذكية بحيث إن لم توجد السيارات تعمل بشكل أتوماتيكي يغنينا على الانتظار، وفعلا عملنا على هذا المشكل مع شركة ميكروسوفت من خلال نموذج مصغر خاصة، وقد نجحنا في حل المشكل بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وقد لقي هذا المشروع ترحيبا من طرف اللجنة العلمية وتوجت التجربة بالمرتبة الخامسة، وكنا الفريق الوحيد من القارة السمراء”.
شباب “تكمولوجي” يحرزون المرتبة الأولى قاريا في الروبوتيك
في مسابقة الروبوتيك التي شاركت فيها العديد من الدول الإفريقية، والتي نظمت في المغرب في مارس 2020، أحرز المهندس قريب وزملائه من النادي العلمي المرتبة الأولى من خلال إنجازه لمشروع روبوت الأول متتبع الخطى، والروبوت الثاني يتحكم فيه عن بعد، وهذا وفق دفتر شروط نصت عليه لجنة المسابقة.
وفي إطار هذه المنافسة كان لبعض الشركات دور في دعم الشباب يقول المهندس قريب “فيما يخص هذه المنافسة بادرت بعض الشركات بتقديم الدعم لنا منها شركة مصير الحياة للتأمينات وبنك البركة وشركة رويبة، وتم التكفل بنا من حيث ثمن التذاكر وشراء المعدات اللازمة لصنع الروبوتات”.
كانت هذه التجربة حسب محدثنا مفيدة ليس من الجانب المادي فحسب، بل كلقاء علمي مثمر جعل الشباب يحتكون بأقرانهم ويطلعون على مختلف الخبرات العلمية في المجال.
“تكمولوجي” بدأت تتبلور من خلال المسابقة الوطنية للمؤسسات الناشئة
كان منطلق المنافسة حسب ما أكده لنا موسى داود وهو مهندس في الإلكترونيك وأحد مؤسسي “تكمولوجي” هو تطوير فكرة مؤسسة ناشئة في ثلاثة أيام وتقديمها للجنة التحكيم.
وقد أقيمت المسابقة في المدرسة العليا للتجارة والمانجمنت بالقليعة و استفاد شباب “تكمولوجي” من هذه التظاهرة من الجانب التجاري وتسيير مؤسسة ناشئة، وفي هذا الصدد يقول المهندس داود: “كان لنا مشروع مزرعة نموذجية والسقي بطريقة ذكية، الجانب التقني كان اختصاصنا، أما المجال التسويقي والتجاري فقد وجدنا في هذه المنافسة فرصة لتعلم الكثير من الأفكار حول تأسيس شركة ناشئة خاصة وأن مؤطري المنافسة كانوا أساتذة وأكاديميين وأصحاب الشركات، وقد تحصلنا على المرتبة الثالثة وهنا أؤكد أن التحكيم لم يركز على الجانب التقني بل على الجانب التسويقي والتجاري” .
الشباب يصنعون التميز في كوريا الجنوبية وسنغافورة، وشركة حمود بوعلام تبادر بتمويليهم
بادرت شركة حمود بوعلام للمشروبات الغازية لتمويل الشباب والتكفل بكل تكاليف المشاركة في مختلف التظاهرات والمسابقات.
وفي ماي 2019 شارك شباب تكمولوجي في مسابقة دولية في كوريا الجنوبية، وكانت فكرة المنافسة حول عرض لشركات عالمية بعض مشاكلها التقنية ليجد المشاركون حلول لها، ، وقد عرضت شركة نرويجية “هياب” بعض المشاكل التقنية لشاحنات مجهزة بحاملات ويتم التحكم فيها عن طريق خوذة مجهزة بكاميرا يستطيع من يلبسها مراقبة العملية وهو في مكانه، ولكن المشكل الموجود تمثل في شعور لابس الخوذة بالدوخة والدوران، وهنا استطاع الفريق المشارك إيجاد الحل للمشكل المطروح، وبالمناسبة تلقوا عرضا من الشركة للبقاء هناك والعمل معها، وكان دائما المبدأ الثابت عند الشباب أن الوطن أولى بابتكاراتنا، وأن فكرة الهجرة غير مطروحة لدينا، وقد أحرز الفريق المشارك المرتبة الرابعة.
وفي مسابقة بسنغافورة في سبتمبر 2019، شارك فريق “تكمولوجي” بحل لمشكل طرحته شركة كاسبرسكي الروسية حول تحويل المال بطريقة آمنة، فإلى جانب استعمال الرقم السري والبصمة، ابتكر المهندسون الشباب حلا ثالثا ليكون استعمال البطاقات المالية أكثر آمانا، و هو برمجة صوت صاحب البطاقة، فعملية تحويل المال لن تكون إلا بسماع صوت صاحبها، وهنا تم الحصول على المرتبة الثانية.
وفي نوفمبر 2019 كانت تظاهرة في فنلندا وقد شارك الشباب بخمسة مشاريع وقد شهدت المسابقة المنافسة بين أكثر من 1700 مشروع، وقد أصبحوا ممثلين للشركة الفنلندية جانكشن في الجزائر صاحبة مبادرة المنافسات العلمية.
وفي ذات السياق وعلى المستوى الوطني نظمت الحظيرة الوطنية للترقية التكنولوجية تظاهرة علمية وتلقى الشباب دعوة منها، وقد أوكلت إليهم مهمة استيعاب التكنولوجيا وتوظيفها التي عرضتها شركة ألمانية فرنسية مختصة في تكنولوجيا الاتصالات، وهنا أحرز الشباب المرتبة الأولى.
تفشي الوباء كانت بداية النشاط الفعلي للشباب في إطار تكمولوجي
مع بداية تفشي كوفيد 19 في الجزائر في شهر مارس 2020، بادر الشباب وهم لا يزالون طلبة إلى الدخول عالم الصناعة الطبية من أقنعة وممرات تعقيم وفي هذا يصرح لنا المهندس موسى داود: “كانت الجائحة لنا فرصة لدخول ميدان الصناعة الطبية وقد قدمنا منتجاتنا، وتعتبر فترة كورونا مكسب لنا من حيث الوقت الذي توفر لنا، حين توقفت الدراسة الجامعية، ومنها بدأنا في القيام بالإجراءات العملية لخلق مؤسسة ناشئة تحت اسم “تكمولوجي” ذات مسؤولية محدودة يتشارك فيها ست شباب وهي مختصة في تطوير لحلول الأجهزة وتقديم تكوينات وتدريبات في المجال العلمي، بالإضافة إلى تنظيم التظاهرات والمسابقات العلمية، وهي نتاج قناعات بأنه لو ذهب كل مهندس متخرج في طريقه لتفرق مجهودنا، وتبددت طاقاتنا وزالت مشاريعنا العلمية “.
انطلقت الشركة بصفة رسمية في جانفي 2021 تحت اسم تكمولوجي وهي تعني العلم الفعال، وأول منتوج سوقته هو اللعبة التعليمية الموبوت للمبتدئين ما فوق سبع سنوات، وفي هذا الصدد يقول المهندس موسى داود: “الموبوت لم يكن مجرد لعبة خاضعة لمعايير الجودة العالمية، بل اعتمدنا فيها على مختصين نفسانيين وتربويين، وقد أعددنا دراسة في الميدان لتحديد السن المناسب لها، واختيار الألوان وعملنا على تبسيطها لتكون متاحة للأطفال، وقد تم تسويقه ونحن اليوم بصدد إنجاز الموبوت الثاني وهو أكثر تعقيدا من الأول، كما طرحنا في السوق بعض الأجهزة التي تعرض في بوابة المراكز التجارية محطات لمسية، وفي الحقيقة هذا المنتوج يستورد من الخارج، وهنا نسوقه بسعر أقل ومستعدين لخفض السعر إذا توفر الطلب الكافي، وهنا يمكن اعتبار أن أهم مشكل يعيقنا هو التسويق”.
“تكمولوجي” تتحصل على علامة شركة ناشئة وتعتزم تنظيم مسابقة وطنية في الروبوتيك
تحصلت شركة “تكمولوجي” على علامة شركة ناشئة بعد شهرين من تأسيسها، وهي اليوم في مفاوضات مع صندوق دعم الشركات الناشئة لتفعّل الشراكة بين المؤسستين، وحسب مؤسسي “تكمولوجي” فالمبادرة التي يطرحها الصندوق جد إيجابية خاصة فيما يخص التمويل والتسويق.
واليوم تعتزم الشركة تنظيم مسابقة وطنية في الروبوتيك في الأشهر القليلة القادمة، برعاية بعض الشركات كسوناطراك ومجمع حسناوي وشركات أخرى، وفي ذات السياق يؤكد ياسين شرقي أحد مؤسسي الشركة والمسؤول عن التصميم والتسويق قائلا: “أعتبر شركة “تكمولوجي” الناشئة فرصة تلتقي فيها ابتكارات الشباب وفضاء لإبراز الطاقات الإبداعية في هذا المجال”.
أما المهندسة ياسمين حاشي فقد أوضحت قائلة: “كانت بدايتي مع زملائي في النادي العلمي للجامعة الذي وجدت فيه إجابات لكل استفساراتي، وقد جمعتنا الرؤية المشتركة والطموح الموحد، شغفي بالهندسة الإلكترونية وإيماني بالابتكار جعلني مشاركة في “تيكمولوجي”، وهنا أوجه رسالة لكل فتاة أن مجال الروبوتيك مفتوح للفتاة وليس حكرا على الرجال فقط”.
ويبقى شباب شركة “تكمولوجي” مثال ونموذج ناجح لكفاءات جزائرية تؤمن بالاستثمار في أوطانها، رافضة كل العروض المقدمة، في انتظار دعم حقيقي من المؤسسات التي خلقت لتكون حاضنة لمشاريع الشباب ومرافقتهم في الميدان.
زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال