بينما كانت ألسنة اللهب تمتد عبر عدد من ولايات الوطن، لم تكن المعركة التي خاضها رجال الحماية المدنية مجرد سباق لإخماد الحرائق، بل كانت امتحانا جديدا لقدرة الدولة الجزائرية على تعبئة مؤسساتها، ولتماسك المجتمع في مواجهة الأزمات.
وفي خضم هذه الظروف، جاءت رسالة رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الموجهة إلى نساء ورجال الحماية المدنية، لتتجاوز بعدها البروتوكولي، وتتحول إلى رسالة وفاء واعتراف وطني بمن يقفون في الصفوف الأولى دفاعا عن الأرواح والممتلكات والثروة الغابية.
كما حملت الرسالة في مضمونها إشادة بكل أطراف المعادلة الوطنية، من الجيش الوطني الشعبي إلى المواطنين والمؤسسات المختلفة، في تأكيد واضح على أن مواجهة الكوارث الكبرى لا يمكن أن تكون مسؤولية جهاز واحد، بل هي مسؤولية وطن بأكمله.
في حين لم يكن اختيار رئيس الجمهورية لهذا التوقيت اعتباطيا، فالرسالة صدرت بينما كانت فرق التدخل لا تزال تخوض معارك متواصلة مع الحرائق، وهو ما منحها بعدا معنويا كبيرا، فالاعتراف بالتضحيات أثناء أداء الواجب يختلف عن التكريم بعد انتهاء المهمة، لأنه يشكل سندا نفسيا لرجال الميدان ويؤكد أنهم يحظون بمتابعة وتقدير أعلى سلطة في البلاد.
ولذلك جاءت كلمات الرئيس محملة بعبارات الفخر والامتنان، مؤكدة أن ما يقوم به أعوان الحماية المدنية هو عمل بطولي يستحق الإشادة، وأن الشعب الجزائري بكل مكوناته يقف إلى جانبهم.
كما أن حديث الرئيس عن الالتزام بعدم ضياع تلك الجهود يعكس حرص الدولة على أن تكون التضحيات محل وفاء وتقدير، لا مجرد حدث عابر تمليه ظروف الأزمة.
وفي الوقت نفسه، حملت الرسالة بعدا سياسيا يعكس طبيعة إدارة الدولة للأزمات، القائمة على المساندة المعنوية والمادية للميدان، إلى جانب توفير الإمكانات اللازمة لمواجهة مختلف التحديات.
الحماية المدنية… مدرسة في التضحية والانضباط
كل موسم صيف يعيد إلى الواجهة صورة رجال الحماية المدنية وهم يواجهون ألسنة اللهب، غير أن حرائق هذا العام أظهرت مرة أخرى حجم المسؤولية التي يتحملها هذا السلك.
فالأرقام التي أعلنتها المديرية العامة للحماية المدنية، والمتعلقة بتسجيل عشرات الحرائق في ظرف وجيز، تعكس اتساع رقعة التدخلات وتشعبها، غير أن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من جاهزية واستعداد وقدرة على العمل في ظروف بالغة الصعوبة.
ولم تقتصر مهمة أعوان الحماية المدنية على إخماد النيران، بل شملت حماية السكان، وإجلاء العائلات، وتأمين القرى، ومنع امتداد الحرائق نحو التجمعات السكنية، إضافة إلى عمليات المراقبة والتبريد التي تستمر لساعات طويلة بعد السيطرة على النيران.
هذه الجهود، التي كثيرا ما تتم بعيدا عن عدسات الكاميرات، تؤكد أن الحماية المدنية أصبحت إحدى أهم ركائز منظومة الأمن الوطني، ليس في مواجهة الكوارث الطبيعية فقط، وإنما أيضا في حماية الإنسان ومرافقة المجتمع في أصعب الظروف.
التلاحم الشعبي… رأس المال الحقيقي للأزمات
إذا كانت الإمكانات المادية ضرورية لمواجهة الحرائق، فإن التجربة أثبتت أن رأس المال الحقيقي يبقى في الإنسان، فقد أظهرت الولايات المتضررة صورا مؤثرة لمواطنين هبوا تلقائيا لمساندة فرق التدخل، بعضهم حمل المياه، وآخرون ساهموا في فتح المسالك، فيما تكفل آخرون بإيواء العائلات أو توفير الغذاء لرجال الإطفاء.
كما برز دور الجمعيات المحلية والهلال الأحمر الجزائري والمتطوعين في تنظيم حملات الدعم والقوافل التضامنية، في حين بادرت وزارة الشباب إلى إطلاق حملة وطنية لتأطير العمل التطوعي ومرافقة جهود الدولة.
إن هذا المشهد لا يمكن اعتباره رد فعل ظرفيا، بل هو امتداد لثقافة التضامن التي تميز المجتمع الجزائري، والتي تظهر بوضوح كلما واجهت البلاد أزمة أو محنة، وهو ما يفسر سرعة التحرك الشعبي، والتكامل الذي تحقق بين المواطن ومؤسسات الدولة، بعيدا عن أي مظاهر للارتباك أو الفوضى.
الدولة… من إدارة الأزمة إلى حماية المتضررين
وفي موازاة الجهود الميدانية، حرصت السلطات العمومية على أن تكون حاضرة بالقرب من المواطنين، فتنقل الوفد الوزاري إلى الولايات المتضررة لتقديم واجب العزاء والوقوف على الأوضاع، لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل رسالة مفادها أن الدولة لا تكتفي بإدارة الأزمة من المكاتب، وإنما تتابعها في الميدان.
كما أن تأكيد وزير الداخلية على تعويض جميع المتضررين، سواء تعلق الأمر بالمساكن أو المحاصيل الزراعية أو الأثاث أو بقية الممتلكات، قبل الدخول الاجتماعي، يعكس توجها واضحا نحو التخفيف من آثار الكارثة وإعادة الحياة الطبيعية إلى المناطق المنكوبة في أسرع وقت.
وتعزز هذا المسار بإطلاق قوافل إنسانية وطبية، وتكليف مصالح التضامن الوطني بمرافقة العائلات المتضررة، بما يؤكد أن المقاربة الجزائرية في إدارة الكوارث لا تتوقف عند إخماد الحرائق، وإنما تمتد إلى معالجة آثارها الاجتماعية والنفسية والاقتصادية.
الحزم مع المتسببين… حماية الغابة حماية للوطن
وفي مقابل صور التضامن، جاءت تحركات العدالة لتؤكد أن الدولة لن تتهاون مع كل من يثبت تورطه في إشعال الحرائق، فإيداع عدد من المتهمين الحبس المؤقت، ومتابعتهم بتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام في بعض الحالات، يعكس خطورة هذه الجرائم التي لا تستهدف الأشجار فقط، وإنما تعرض حياة المواطنين وأمنهم للخطر.
فالحرائق المفتعلة ليست مجرد اعتداء على البيئة، بل هي اعتداء على الاقتصاد الوطني، وعلى الأمن الغذائي، وعلى الثروة الطبيعية التي تمثل إرثا للأجيال القادمة، ومن هذا المنطلق، فإن تطبيق القانون بحزم يشكل جزءا أساسيا من سياسة الوقاية، ورسالة ردع لكل من تسول له نفسه العبث بمقدرات البلاد.
الجزائر تنتصر بوحدة أبنائها
قد تخلف الحرائق خسائر في الغابات أو الممتلكات، وقد تحصد أرواحا بريئة، لكنها في المقابل تكشف معادن الرجال، وتبرز قوة الأمم في لحظات الشدة، وما عاشته الجزائر خلال الأيام الأخيرة يؤكد أن الرصيد الحقيقي للدولة لا يقتصر على الوسائل والتجهيزات، وإنما يتمثل أيضا في الإنسان الجزائري، وفي روح التضامن التي تجمعه بمؤسساته.
لقد جاءت رسالة رئيس الجمهورية لتعبر عن تقدير الدولة لمن يحملون على عاتقهم مسؤولية حماية الوطن، فيما جسدت تحركات الحكومة التزامها بالوقوف إلى جانب المتضررين، وأثبت المواطنون مرة أخرى أن قيم التكافل والتآزر لا تزال راسخة في المجتمع الجزائري.
وهكذا، فإن ملحمة مواجهة الحرائق لن تختزل في عدد البؤر التي أخمدت، ولا في حجم الخسائر التي أحصيت، بل ستظل تروى باعتبارها قصة وطن توحدت فيه القيادة، والمؤسسات، والجيش الوطني الشعبي، والحماية المدنية، والجماعات المحلية، والمجتمع المدني، والمواطنون، خلف هدف واحد وهو حماية الجزائر، ففي مثل هذه اللحظات، لا تنتصر النار، وإنما ينتصر الوطن.
بثينة ناصري
























مناقشة حول هذا المقال