صادق أعضاء مجلس الأمة، اليوم الأربعاء، بالإجماع، على نص القانون المتضمن الموافقة على الأمر رقم 26-01 المتضمن قانون القضاء العسكري، ونص القانون المعدل والمتمم للأمر رقم 66-156 المتضمن قانون العقوبات، في خطوة ترمي إلى مواصلة تحيين المنظومة القانونية الوطنية وتعزيز آليات حماية الأشخاص والممتلكات وترسيخ دولة الحق والقانون، وذلك خلال جلسة علنية ترأسها رئيس المجلس، عزوز ناصري، بحضور وزير العدل حافظ الأختام، لطفي بوجمعة، ووزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي.
واستهلت الجلسة بعرض وزير العدل لمضامين قانون القضاء العسكري، الذي يتضمن 360 مادة، موضحا أن النص يندرج في إطار مواكبة تطورات المنظومة القانونية وتكييفها مع المعايير الدولية، مع تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتكريس مبدأ التقاضي على درجتين، إلى جانب تحديث الإجراءات الجزائية العسكرية وتنظيم اختصاصات الجهات القضائية العسكرية.
وعقب المصادقة، أوضح بوجمعة، أن القانون الجديد يعكس المكتسبات التي حققتها الجزائر في مجال مراجعة منظومتها القانونية، ويكرس القضاء العسكري باعتباره قضاء جزائيا متخصصا يمارس باسم الشعب وتحت رقابة المحكمة العليا، بما يعزز مكانة القضاء كحصن للحقوق والحريات.
وأشار الوزير إلى أن الإصلاح يندرج ضمن مسار تحيين الترسانة القانونية ذات الصلة بالقضاء، والذي عرف خلال السنوات الأخيرة تعديلات جوهرية، مبرزا أن إصلاح القضاء يمثل أحد المحاور الأساسية لبرنامج رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، لا سيما من خلال دعم استقلالية القضاء ورقمنة إجراءاته وتحديث طرق تسييره.
رقمنة القضاء العسكري وتعزيز حقوق الدفاع
ويرمي القانون الجديد، حسب وزير العدل، إلى تحسين إدارة القضايا الجزائية أمام الجهات القضائية العسكرية، من خلال تبسيط الإجراءات ورقمنتها بما يسمح بالاقتصاد في الوقت والجهد والمال، فضلا عن تعزيز الحقوق والحريات وتكريس مبادئ المحاكمة العادلة.
كما يتضمن النص أحكاما تكرس احترام كرامة وحقوق الإنسان، وتعليل وتسبيب الأحكام، إلى جانب تعزيز دور المحامي خلال مختلف مراحل التحقيق القضائي والمحاكمة، بما يضمن حماية أفضل لحقوق المتقاضين ويوفر ضمانات أكبر لممارسة حق الدفاع.
وفيما يتعلق بتعديل قانون العقوبات، أكد وزير العدل أن النص المصادق عليه يعكس حرص مجلس الأمة على تدعيم الآليات القانونية الكفيلة بتحقيق الأمن داخل المجتمع والتصدي للأشكال الخطيرة من الإجرام، خاصة الجرائم التي تمس حياة الأشخاص وسلامتهم أو تلحق أضرارا جسيمة بالممتلكات والبيئة والاقتصاد الوطني.
وسلط بوجمعة الضوء، في هذا السياق، على تشديد الأحكام المتعلقة بجرائم الحرائق العمدية، بالنظر إلى ما تخلفه من خسائر بشرية ومادية، فضلا عن آثارها على الغطاء النباتي والتوازن البيئي والتنوع البيولوجي والاقتصاد الوطني، وما قد ينجر عنها من تهديد للاستقرار الاجتماعي والأمني.
ولفت الوزير إلى أن خطورة هذه الجرائم تتضاعف بالنظر إلى تطور أساليب ارتكابها، لا سيما في الحالات التي قد تتم بإيعاز أو لصالح دولة أجنبية أو طرف أجنبي، بهدف استهداف أمن الجزائر واستقرارها.
كما عزز النص الحماية الجزائية للأطفال، من خلال التصدي للأشكال الخطيرة من الجرائم التي تطالهم، وفي مقدمتها الاختطاف.
وأضاف وزير العدل أن النص يقرر عقوبة الإعدام لكل من يختطف طفلا بأي وسيلة كانت، معتبرا أن تشديد العقوبة يندرج في إطار توفير ردع قانوني قوي لمواجهة هذه الجرائم والاستجابة لانشغالات المجتمع بشأن حماية الأطفال.
حماية المجتمع مسؤولية تتجاوز الردع والعقاب
ومن جهته، أكد رئيس لجنة الشؤون القانونية والإدارية وحقوق الإنسان والتنظيم المحلي وتهيئة الإقليم والتقسيم الإقليمي بمجلس الأمة، كمال خليفاتي، أن المصادقة على النصين تندرج ضمن مساعي تدعيم المنظومة القانونية الوطنية وتمكين المشرع من وضع الوسائل القانونية الكفيلة بمواجهة مختلف الاعتداءات والجرائم، مع الحفاظ على المرجعية الجزائية الجزائرية وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.
وشدد خليفاتي على أن حماية المجتمع لا يمكن أن تقوم على الردع والعقاب فقط، وإنما تقتضي تكامل الوقاية والردع والعقاب ورعاية الضحايا، إلى جانب تضافر جهود مؤسسات الدولة والأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في الوقاية من الجريمة والتبليغ عنها وترسيخ احترام القانون.
وأكد أن العدالة المنشودة هي التي “تنصف الضحية وتردع المعتدي وتنصف المتقاضي وتصون كرامة الإنسان”، مشددا على ضرورة أن يترافق تطوير التشريع مع صون الحقوق والحريات وتعزيز دولة القانون.
وفي سياق متصل، تطرق رئيس اللجنة إلى مسألة حقوق الإنسان، مؤكدا أن التزام الجزائر بها يستمد جذوره من قيم الشعب الجزائري وتاريخه التحرري، مع التشديد على ضرورة تجسيد هذه المبادئ داخليا والدفاع عنها في المواقف الدولية.
وانتقد خليفاتي ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، داعيا إلى جعل حماية أمن وحياة الأطفال في غزة وكرامتهم معيارا لصدق المواقف، ومؤكدا أن كرامة الإنسان “لا تتجزأ”.
كما جدد رفض الجزائر توظيف حقوق الإنسان كأداة للضغط السياسي، مؤكدا تمسكها بسيادة قرارها الوطني وحقها في تطوير مؤسساتها وتشريعاتها بإرادتها الحرة، في إطار الدستور والتزاماتها الدولية، مجددا في الوقت ذاته ثبات موقف الجزائر الداعم لحق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
وأكد خليفاتي، في الجانب البرلماني، أن مسؤولية مجلس الأمة لا تنتهي عند المصادقة على القوانين، وإنما تمتد إلى متابعة أثر التشريع والإصغاء إلى انشغالات المواطنين، معتبرا أن قيمة القانون تقاس بمستوى الحماية التي يوفرها والحقوق التي يصونها والأثر الذي يحدثه في حياة المواطنين.
وثمن في هذا الإطار النقاش الذي رافق دراسة النصين على مستوى اللجنة والجلسات العامة، معتبرا أن ملاحظات وتساؤلات أعضاء المجلس عكست روحا مسؤولة في مناقشة مضامين القانونين وآثارهما، مؤكدا دعم مجلس الأمة لمسار إصلاح القضاء وتحيين السياسة الجنائية وتعزيز أمن المواطنين وحماية حقوقهم.
بثينة ناصري























مناقشة حول هذا المقال