تميز من خلال أبحاثة، وركز على أعلام الجزائر، أعطى شخصية الشيخ عبد الحميد ابن باديس حيزا كبيرا في دراساته، أستاذ برتبة بروفيسور في جامعة العلوم الإسلامية بالخروبة، مؤلف ومحقق للكثير من المخطوطات والكتب، الدكتور محمد الدراجي.
عشية يوم العلم، ولسبر أغوار شخصية العلامة ابن باديس وعن فكره الإصلاحي والتربوي وعبقريته الفذة ونظرته الإستشرافية وتأسيسه لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كان لنا حوار مع الدكتور محمد الدراجي.
نبدأ بسؤال لتعريف القراء بشخصكم الكريم، حيث جمعتم بين الجانب الأكاديمي والنشاط الجمعوي بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كيف تلخصون هذا المسار في محطات مع الإشارة لأهم مؤلفاتكم وإنتاجكم الفكري؟
محمد الدراجي من مواليد الاستقلال سنة 1963 ببلدية القرومة ولاية البويرة انتقلنا للعيش بالعاصمة ببلدية سيدي موسى أين زاولت دراستي، وتحصلت على البكالوريا سنة 1982، التحقت بعدها بكلية أصول الدين وتخرجت على رأس الدفعة، بشهادة ليسانس لألتحق بطور الماجستير ثم الدكتوراه وأتدرج لأبلغ درجة بروفيسور في جامعة الخروبة.
أما فيما يخص النشاط الجمعوي فقد كنت منذ شبابي حريص على تلقي الثقافة الإسلامية وقد جمعني الله بثلاثة أساتذة، محمد الهادي الحسني وعبد الرزاق قسوم وعبد الرحمان شيبان، وكنت أصغر أعضاء جمعية العلماء المسلمين سنة 1999 حينما أعيد إحيائها.
كتبت في جريدة البصائر عدة مقالات دعوية وفكرية وكنت أحاضر معرفا بفكر الجمعية في ربوع الوطن وخارجها، واعتبرتها إطارا مثاليا لخدمة الدين والوطن .
أما عن التأليف، فقد بدأت محاولاتي في الكتابة منذ الصبا، وكتبت أول مقال حول جمعية العلماء المسلمين في جريدة الشعب سنة 1982، كما نشرت عدة مقالات في المجلات الأكاديمية ولي عدة كتب أكاديمية لفائدة طلاب الجامعة منها “مباحث في علوم القرآن “وغيرها، أما عن الكتب الفكرية الدعوية أذكر “عبد الحميد ابن باديس السلفية والتجديد”و”الشيخ ابن باديس وجهوده في تجديد الدرس العقلي “و”جمال الدين الأفغاني، الأسس الفكرية لمشروعه الحضاري “وغيرها والتي بلغت 30 مؤلفا فكريا، كما عملت على تحقيق الكثير من المخطوطات .
بالحديث عن شخصية العلامة ابن باديس ونحن عشية ذكرى يوم العلم الذي ارتبط بشخصه، في تصوركم كيف هي صورة الرجل في المجتمع ولدى الشباب خاصة؟
من خلال احتكاكي بالشباب لامست أن شبابنا يكن لهذه الشخصية احتراما كبيرا وحبا جما وتقديرا عظيما، وهو مرتبط به إلى درجة الحب الوجداني ولكن في ذات الوقت هناك تقصير فادح في إدراك فكره ومواقفه وحقيقة أبعاد مشروعه، والمطلوب منه اليوم أن يجسد هذا الحب بالبحث والدراسة.
إذا أردنا تقريب هذه الصورة أكثر ماذا سنقول عن هذه الشخصية النموذجية، وماهي المعالم التي نركز عليها؟
ابن باديس هبة الله للجزائر، ومنحة إلهية، جمع الله فيها كل المهارات والكفاءات والإخلاص والعطاء في خدمة الدين والوطن، وهو رجل مجدد في الدين، ووطني من الطراز العالي، فهم جيدا أبعاد المشروع الاستعماري وهندس له مشروع معاكس مضاد لإبطال مفعوله وقد وفق والحمد لله إلى حد كبير في إنجاح مشروعه.
الحديث عن شخصية ابن باديس يقودنا للحديث عن تأسيسه لجمعية العلماء المسلمين، حدثنا عن فكرة الجمعية في حد ذاتها وظروف تأسيسها؟
جمعية العلماء المسلمين، كانت فكرة راودت الكثيرين قبل تأسيسها بعشرات السنين، إدراكا من هؤلاء أن العمل الفردي مهما كان كبيرا وعظيما فهو محدود النتائج، ولابد أن تلتقي جهود الخيرين والوطنيين في إطار معين لخدمة الدين والوطن، فكان تأسيسها، وقد عجلت بها الاحتفالات التي نظمتها السلطات الاستعمارية بمناسبة مرور قرن على دخولها الجزائر وأعلن دهاقنة الاستعمار عن موت الإسلام والعربية والجزائر ككيان مستقل، فكان هذا العامل مستفزا ومسرعا في ذات الوقت لجهود العلماء الخيرين لتأسيس الجمعية لإثبات أن الإسلام لا يمكن أن يموت، وأن العربية لا تموت وأن الجزائر كوطن لا يمكنه أن يموت.
ماذا عن الأصول التي قامت عليها والأهداف التي عملت من أجلها، وكيف تحقق لها النجاح، في ظل بيئة إستعمارية وواقع أليم؟
أهم مميزات فكر جمعية العلماء المسلمين هو جمعها بين الدين والوطنية، فهي لم تكن جمعية دينية بالفكر التقليدي وإنما كانت جمعية دينية بالمعنى الحركي لكلمة الدين، لذلك جعلت الوطن والوطنية بعدا أساسيا في بناء شخصية الإنسان الجزائري، فكانت أن برمجت دراسة التاريخ في مدارسها، لتثبيت التمايز بين الجزائرو فرنسا، وأن الجزائر كيان متميز في هويته وحضارته ولغته وثقافته، وهذا الأمر يصادم المشروع الاستعماري، لذا أعلنت فرنسا الحرب على الجمعية، فأغلقت الكثير من مدارسها، وزجت بالكثير من أعضائها في السجون وعطلت صحفها، ولكن إرادة الرجال واصلت مشروعها متحدية العقبات إلى أن بلغت ما أراد الله بلوغه، فالمؤرخ المنصف كما يقول الدكتور سعد الله الذي لا ينظر للتاريخ ويقرأه بنفس حزبية، لا يسعه إلا أن ينصف الجمعية وأنها كانت من أهم من أعد الشعب نفسيا وروحيا ووجدانيا وعقليا للحرب التحريرية.
هناك أمر نريد التوقف عنده وهو الفكر التربوي للجمعية الذي استطاعت من خلاله المحافظة على الشخصية الوطنية، ماهي خصائص هذا الفكر؟
جمعية العلماء جمعية دينية تهذيبية، اهتمت ببناء الإنسان الجزائري بناءا متكاملا متوازنا لم تركز فقط على جانب العبادات، وإنما اهتمت بالوظيفة الاجتماعية للدين الذي يرى أن الإنسان روح وعقل وجسد، فالتربية التي اعتمدتها استهدفت هذه الأشياء الثلاثة، وبالتالي أنشأت المساجد الحرة والنوادي الفكرية والرياضية والكشافة واهتمت بالفنون والمسرح.
نعود لشخصية ابن باديس ذات الأبعاد المتعددة، بإبراز معالم رؤيته الإصلاحية، وكيف كانت رؤيته للشباب واعتماده عليهم في مسيرته العلمية والإصلاحية؟
شخصية ابن باديس شخصية معطاءة، متعددة الأبعاد لا تضاهيها سوى شخصية جمال الدين الأفغاني، فهو مجدد وأديب وصحفي وخطيب ووطني ومفكر.
فالشباب عماد الحاضر والمستقبل وأي حركة تغيير لا تركز على الشباب محكوم عليها بالفشل، وقد أدرك ابن باديس أهمية الشباب في تغذية حركته الإصلاحية وعول عليهم كثيرا، فكان طلابه وأعوانه من الذين أعدهم في مدرسة التربية والتعليم كالشيخ مبارك الميلي والفضيل الورتلاني وغيرهم، واهتم بتعليم الفتاة وشجعها من خلال إعفائها من رسوم الدراسة وقد بلغ عليه الحرص في ذلك إلى أن راسل حفيدة الأمير عبد القادر في الشام وكانت مسؤولة في مدرسة لإرسال لها بعثات من بنات الجزائر لتعليمهن.
الصحافة مجال حيوي اشتغل فيه ابن باديس، حدثنا عن هذه التجربة وكيف كانت نظرته لها؟
كان ابن باديس صحافيا وهذا يدل على أنه كان ابن زمانه، فقد أدرك أهمية الصحافة في تنوير العقول وصنع الأفكار وتغييرها، فدخل المجال كما سماه “عالم الصحافة العظيم”، وأدرك عظم المسؤولية فأنشأ جريدة المنتقد التي كانت شديدة اللهجة حارة الانتقاد للوضع العام، فتضايق منها المستعمر وأوقفها بعد صدور العدد 25، وأنشأ مجلة الشهاب التي استمرت إلى وفاته.
فصحف ابن باديس كانت دينية تنشر المقال الديني والأدبي والسياسي الذي يربط الجزائري بواقعه، فالصحافة كانت وسيلة للتواصل والتعليم تكونت فيها نخبة من الأقلام ممن كان لها شأن في الأدب والفكر.
كل هذا يقودنا إلى مسألة مهمة وهي مكانة العلم في المجتمع، ففي تقديركم كيف يمكن توصيف الحالة الراهنة وكيف ينبغي أن يستعيد العلم مكانته كفعل قيمي وريادي في المجتمع؟
العلم أساس بناء المجتمعات وازدهار الأمم و تقدمها، في مجتمعنا هناك إيجابيات كاهتمام الدولة بإنشاء الجامعات والمدارس وفي ذات الوقت هناك تقصير فيما يخص الميزانية التي ترصد للبحث العلمي، فألاف الشباب ممن ينهون دراساتهم ويتخطفه الغرب، خسارة للوطن، لذا فالمطلوب الاهتمام بالقطاع من خلال تنقيته من الدخلاء وإسناد المسؤوليات الحساسة للدولة لأهل العلم والنزول عند أرائهم في القضايا الفاصلة.
كأكاديمي وفاعل اجتماعي، ماهي الرهانات الاستراتيجية التي ينبغي على المجتمع المدني في الجزائر الاشتغال عليها حاضرا ومستقبلا؟
هناك عدة تحديات، أولها تحدي الهوية حيث لاتزال بعض الدوائر داخلية وخارجية تشتغل على هذه القضية، لذا علينا العمل بعلمية وهدوء ووضع النقاط على الحروف وعدم التسامح في المساس بمقومات الهوية.
وهناك كذلك تحدي أخلاقي ذلك ان العولمة أفسدت أخلاق شبابنا، وعلى المهتمين بالشأن العام أن يدركوا خطورة ضياع الأخلاق ويسارعوا إلى معالجته، بالإضافة إلى التحدي العلمي فشبابنا والحمد لله لهم احتكاك بالعلم ومعطياته وإنجازاته ولابد من مسايرة التقدم الاقتصادي لكي لا نفقد قرارنا السيادي، وبتحقيق استقلالنا الاقتصادي نتحكم في قرارنا السياسي.
كلمة أخيرة توجهونها للشباب نختم بها الحوار؟
الشباب كانوا ولا يزالوا ذخرا للأمة في الماضي والحاضر، ففي القديم أسامة ابن زيد وفي الحديث العربي بن مهيدي، فعلى شبابنا أن يجعل هذين العلمين الشخصيتين الفذتين علما يقتدون بها ونبراسا يستضيئون به من الظلمات، فملاذنا في شبابنا أن يتمسكوا بدينهم ووطنهم.
أجرت الحوار زهور بن عياد

























مناقشة حول هذا المقال