صادق المجلس الشعبي الوطني، أمس الاثنين، على حزمة من القوانين ذات الأبعاد السياسية والتنظيمية والمالية، في خطوة تشريعية بارزة تعكس مواصلة مسار الإصلاحات التي تشهدها الجزائر في مختلف المجالات.
وشملت المصادقة مشاريع قوانين تتعلق بالأحزاب السياسية والتنظيم الإقليمي للبلاد وقانون المرور، إضافة إلى الأحكام محل الخلاف في قانون تجريم الاستعمار الفرنسي وقانون تسوية الميزانية لسنة 2023، وهو ما اعتبره أعضاء الحكومة محطة جديدة لتعزيز البناء المؤسساتي وتحديث المنظومة القانونية الوطنية.
وجاءت هذه المصادقات خلال جلسة علنية هامة عقدها المجلس الشعبي الوطني، بحضور وزيرة العلاقة مع البرلمان نجيبة جيلالي ، خُصصت للتصويت على خمسة مشاريع قوانين تمثل محاور أساسية في مسار الإصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية، في ظل توجه رسمي نحو تحديث الإطار التشريعي بما يتماشى مع التحولات التي تعرفها البلاد ومتطلبات التنمية الوطنية.
وفي هذا السياق، أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، سعيد سعيود، أن المصادقة بالإجماع على مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية تمثل خطوة جديدة في مسار تعزيز التعددية السياسية وترسيخ الممارسة الديمقراطية في الجزائر.
وأوضح الوزير، في كلمة ألقاها عقب التصويت، أن النص الجديد يشكل إحدى الركائز الأساسية لتنظيم النشاط الحزبي في إطار قانوني أكثر شفافية وفعالية، بما يسمح للأحزاب السياسية بالاضطلاع بدورها الدستوري في تنشيط الحياة السياسية وتأطير المواطنين وتكوين النخب السياسية، إضافة إلى تعزيز الثقة في العمل الحزبي.
وأشار سعيود إلى أن مشروع القانون يأتي في سياق الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي باشرتها السلطات العمومية، خاصة بعد صدور دستور 2020 الذي وسّع من نطاق الحقوق والحريات وكرّس قواعد أكثر وضوحا لممارسة التعددية الحزبية في إطار احترام الثوابت الوطنية ووحدة الدولة.
كما يهدف النص الجديد إلى تحديث الإطار القانوني المنظم لتأسيس الأحزاب السياسية وسيرها، مع تكريس مبادئ الشفافية في تسييرها المالي ومواجهة مختلف أشكال الانحراف والفساد في الحياة السياسية، ويتضمن القانون أيضا أحكاما لتعزيز مشاركة الشباب والمرأة في العمل السياسي، إلى جانب تحديد شروط وإجراءات تأسيس الأحزاب وتنظيم عملها الداخلي وفق قواعد ديمقراطية واضحة.
وأضاف الوزير أن النص يتضمن إجراءات تهدف إلى الحد من ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي للمنتخبين، فضلا عن إقرار حرية تشكيل التحالفات السياسية والاندماجات الحزبية، بما يساهم في تنشيط العمل السياسي وتطوير أداء الأحزاب في خدمة الحياة الديمقراطية.
تنظيم إقليمي أكثر فعالية
وبخصوص مشروع القانون المعدل والمتمم للقانون المتعلق بالتنظيم الإقليمي للبلاد، أوضح وزير الداخلية أن المصادقة عليه تجسد توجها استراتيجيا للدولة يهدف إلى تعزيز اللامركزية الإدارية وتحسين التسيير المحلي.
وأكد سعيود أن هذا المشروع يندرج ضمن مسار الإصلاحات الرامية إلى إعادة التوازن التنموي بين مختلف مناطق البلاد، من خلال تنظيم إقليمي أكثر فعالية يقرّب الإدارة من المواطن ويعزز صلاحيات الجماعات المحلية في إطار من المسؤولية والمساءلة.
وأشار الوزير إلى أن الجماعات المحلية تمثل النواة الأساسية للدولة وأول فضاء يتوجه إليه المواطن لتلبية احتياجاته، مضيفا أن تحقيق التنمية الوطنية الشاملة يمر حتما عبر تنظيم إقليمي يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المناطق ويحد من الفوارق التنموية.
كما شدد على التزام وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل بمرافقة تنفيذ هذه الإصلاحات على أرض الواقع، من خلال تفعيل النصوص القانونية الجديدة وضمان تطبيقها عبر مختلف الهياكل المركزية والمحلية.
مراجعة قانون المرور
وفيما يتعلق بقانون المرور، أكد وزير الداخلية أن المصادقة على الأحكام محل الخلاف بين غرفتي البرلمان تمثل خطوة مهمة نحو استكمال المنظومة التشريعية الخاصة بالسلامة المرورية وتنظيم حركة السير عبر الطرقات.
وأوضح الوزير أن المجلس الشعبي الوطني صادق على أغلب مواد القانون، أين كانت 11 مادة محل تحفظ تمت دراستها من طرف لجنة التجهيز والتنمية المحلية بالمجلس بتاريخ 21 جانفي 2026.
وأشار سعيود إلى أنه تم تشكيل لجنة متساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان لمعالجة هذه التحفظات واقتراح صيغة توافقية بشأن المواد محل الخلاف، وهي المواد 104 و119 و121 و124 و125 و127 و128 و129 و161 و166 و170.
وقد باشرت اللجنة أشغالها يومي 19 و23 فيفري 2026 وتمكنت من التوصل إلى تعديلات تهدف أساسا إلى إزالة الطابع الجنائي عن بعض المخالفات، إلى جانب مراجعة العقوبات والغرامات المرتبطة بها بما يحقق التوازن بين الردع القانوني والعدالة الاجتماعية.
وشملت التعديلات إعادة النظر في مبالغ بعض الغرامات المنصوص عليها في المواد 161 و166 و170، إضافة إلى تخفيض الغرامة الجزافية الواردة في المادة 121، فضلا عن تعديل بعض العبارات القانونية في المواد 125 و127 و128، مع تخفيف العقوبة المنصوص عليها في المادة 125 وحذف الفقرة الأخيرة من المادة 124.
وأكد الوزير أن قانون المرور لا يقتصر على تحديد القواعد والعقوبات فحسب، بل يمثل إطارا شاملا لتنظيم حركة السير وترسيخ ثقافة احترام القانون وتعزيز السلوك المروري المسؤول، بما يساهم في حماية أرواح المواطنين والحد من حوادث المرور.
قانون تجريم الاستعمار.. رسالة سيادية لحماية الذاكرة الوطنية
من جهته، اعتبر وزير المجاهدين وذوي الحقوق، عبد المالك تاشريفت، أن المصادقة على الأحكام محل الخلاف في القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر تمثل تعبيرا صادقا عن وجدان الأمة الجزائرية ووفاء لرسالة الشهداء.
وأوضح الوزير أن هذا القانون يشكل محطة جديدة في مسار صون الذاكرة الوطنية، مؤكدا أن الجرائم الاستعمارية التي ارتكبت في حق الشعب الجزائري لا يمكن أن تسقط بالتقادم مهما طال الزمن.
وأشار تاشريفت إلى أن هذا النص التشريعي يمثل الرد الأسمى للشعب الجزائري عبر ممثليه على الجرائم التي ارتكبها الاستعمار، معتبرا أنه مبادرة سيادية تعكس عمق الانتماء لعهد الشهداء والوعي بمتطلبات حماية الذاكرة الوطنية.
وأضاف أن هذا القانون يتجاوز الإطار الوطني ليشكل مرجعية قانونية يمكن أن تستفيد منها الشعوب التي عانت من ويلات الاستعمار، بما يعزز مسار العدالة التاريخية ويكرس حق الشعوب في الذاكرة.
خطوة جديدة في إصلاح المالية العمومية
وفي الشق المالي، أكد وزير المالية عبد الكريم بوالزرد أن المصادقة على قانون تسوية الميزانية لسنة 2023 تمثل محطة استثنائية في مسار تحديث تسيير المالية العمومية في الجزائر.
وأوضح الوزير أن هذه المصادقة تتعلق بأول ميزانية للدولة تم إعدادها وتنفيذها وفق صيغة ميزانية البرامج، التي دخلت حيز التنفيذ ابتداء من سنة 2023 في إطار إصلاح شامل لمنظومة تسيير المال العام.
وأشار بوالزرد إلى أن اعتماد هذا النظام الجديد يهدف إلى تعزيز فعالية الإنفاق العمومي وربط الاعتمادات المالية بالأهداف والنتائج، بما يسمح بتحسين متابعة تنفيذ السياسات العمومية وتقييم مردودها.
كما اعتبر الوزير أن هذه الخطوة تعكس توجه الدولة نحو ترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في تسيير الموارد المالية، مؤكدا أن المصادقة على قانون تسوية الميزانية تمثل خطوة إضافية في مسار إصلاح المنظومة المالية وتعزيز دور البرلمان في مراقبة تنفيذ الميزانية.
وبذلك تكون المصادقة على هذه الحزمة من القوانين قد شكلت محطة تشريعية هامة في مسار الإصلاحات التي تشهدها الجزائر، في ظل توجه رسمي نحو تحديث الإطار القانوني والمؤسساتي وتعزيز آليات الحوكمة والديمقراطية والتنمية، بما يدعم استقرار الدولة ويواكب تطلعات المواطنين نحو مستقبل أكثر ازدهارا.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال