كثيرا ما نغضب من النتائج السلبية التي تحققها الفرق الرياضية الجزائرية -ولا نقصد هنا تخصص رياضي معين-، وكثيرا ما نلوم الرياضيين والمدربين والأطقم التقنية على تدهور الفرق أو المنتخبات سواء في المنافسات الوطنية أو الدولية، ودائما نلوم من يظهر في الواجهة من رياضيين ومدربين بسبب النتائج السلبية التي يحققها الفريق في الرياضات الجماعية أو الفردية، ونصب جام غضبنا على فلان أوعلان ممن يظهرون لنا دائما عبر صفحات الجرائد أو عبر شاشات التلفزيون، متناسين بأن ذلك الشخص ما هو إلا ضحية لمنظومة شاملة، ولبرامج واستراتيجيات غير مدروسة سابقا.
الرياضة منظومة متكاملة وتحتاج لبرامج
تجد الشباب بالدرجة الأولى، أو الكهول أو حتى الأطفال، في المقاهي أو في الشوارع أو في وسائل النقل وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدثون عن إخفاق اللاعب الفلاني أو المدرب الفلاني في تحقيق النتائج الإيجابية، حتى أن الإعلام الرياضي بمختلف وسائله ساهم في نشر هذه الأفكار السلبية، وتجد بلاتوهات تلفزيونية، تخصص ساعات من الزمن للحديث عن شخصية معينة وكيف أنه أهدر الفوز وتسبب في “هزيمة نكراء”، بسبب خطة المدرب التي تكون “رائعة وجد مدروسة” في حالة الفوز، لكن إذا خسر الفريق فإن خطته ستخسر معه لا محالة، ويصبح بين ليلة وضحاها، مدربا أو لاعبا “فاشلا”، ويتعرض للنقد، من قبل المختص وغير المختص، بل أحيانا لوابل من الشتائم والتجريح أحيانا، عبر وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في الإعلام، متناسين أن الرياضة منظومة متكاملة، وتحتاج كغيرها من القطاعات الأخرى إلى برامج وخطط طويلة ومتوسطة المدى من أجل النهوض بها، وحتى بعد وضع الاستراتيجيات لا يمكن أن ننتظر النتائج في حينها بل يجب الصبر والتريث… فعندما نغرس شجرة لن نجني ثمارها بعد أيام أو بعد شهر، إنما علينا أن نهتم بها ونرعاها لسنوات حتى نتذوق طعمها ونتلذذ بفاكهتها، وهذا ما ينطبق على الرياضة وعلى عدة قطاعات حساسة أخرى في الوطن، فلكي نصل إلى النتائج المرضية في الرياضة، علينا أن نهتم بها وأن ندرس مكامن النقص فيها، وأن نبحث سبل تطويرها، وذلك عن طريق تنشيطها وإعادة بعثها من جديد، ويكون ذلك من خلال تنظيم منتديات وملتقيات علمية وتخصيص فضاءات تجمع أهل الميدان مع النخب وأصحاب الخبرة والرأي والباحثين الجامعيين والرياضيين والتقنيين، عبر جلسات وندوات تتناول مشاكل الرياضة والعراقيل التي تواجهها وطرح انشغالات الشباب، بهدف تبادل الآراء ووجهات النظر، ليتمكن المشاركون في هذه الفعاليات من اقتراح تصورات وحلول للمشاكل وسبل إصلاح وتطوير المجال الرياضي في الوطن من خلال تعديل القوانين بما يضمن توفير مناخ أفضل لتقديم النتائج التي ترضي جميع الأطراف.
نقل خبرات وتجارب الدول المتقدمة ضروري
الحركة الرياضية ليست مجرد منافسات كروية مشحونة، يحتضنها ملعب أو قاعة، ويتم برمجة تاريخ انطلاقها واختتامها، ولا تحتاج فقط لوسائل مادية من توفير الملاعب والعتاد الرياضي، وجلب الرياضيين من الخارج ودفع أجورهم الباهظة الثمن، بل الرياضة في حاجة أكثر لتوفير خطط ومناهج علمية مدروسة، وليس عيبا أن نقوم بنقل تجارب الدول المتقدمة في المجال الرياضي، فمثلا في أوروبا لم تتطور الرياضة في سنة أو سنتين، بل تعد القارة العجوز مهدا لعدة تخصصات رياضية، حيث نشأت فيها منذ عقود، لكنها لم تظهر بالشكل والطريقة التي أصبحت عليها اليوم، بل تم تطويرها بمرور الزمن، وتعد هذه الدول اليوم رائدة في المجال الرياضي، وتحقق نتائج ايجابية في جميع التخصصات، وتتصدر جدول النتائج في مختلف البطولات.
فالتسيير الرياضي سواء المركزي أو المحلي ليس فقط إجراءات وقرارات عن بعد، بل يحتاج لخبراء وتقنيين في الميدان ويحتاج لتبادل الأفكار للخروج بالتوصيات والتعليمات التي تعطي الفعالية وتضيف الجديد بما يخدم مصلحة الرياضي والمدرب والمسؤول، وحتى الشاب العاشق للرياضة والجمهور المتابع الذي يجد في هذا القطاع متنفسا للخروج من ضغوطات الحياة، ويأمل في أن يجد فيه الملاذ وألا يخيب ظنه به.
الرياضة تسهم في تكوين الشباب
في هذا الصدد لا يمكننا أن نتجاهل الدور الكبير الذي تلعبه الرياضة في تهذيب النفوس وتكوبن الشباب، حيث نجد أن الشباب يتابعون نجومهم المفضلين في أدق تفاصيل حياتهم، ويتأثرون بهم، حتى من الناحية الشكلية، ويقلدونهم في قصات شعرهم وفي طريقة لباسهم، ويأخذون العبرة منهم عندما يقومون بأعمال خيرية أيضا، وهنا تظهر أهمية ودور تكوين اللاعب وتخصيص فضاءات ومنتديات وتربصات موجهة للرياضيين والنجوم، لتحسيسهم بالدور الكبير الذي يلعبونه على أرضية الميدان وخارج الميدان، وبأن كل حركاتهم متابعة من قبل أطفال ومراهقين، يقلدونهم في أبسط حركاتهم، وهنا أركز على دورهم خارج الميدان والذي – حسب رأيي- يكون أكثر أهمية، لأن الميدان يكون في فترة محددة من الزمن، لا تتجاوز ساعات قلائل، لكن الحياة تحتاج لسنوات، وتربية الأجيال أمانة ومهمة صعبة.
تجسيد خارطة طريق لتنشيط الرياضة يحتاج لتظافر جهود قطاعات عديدة
وفي هذا السياق، ينبغي أن تتضافر جهود عدة قطاعات للخروج بتصورات علمية ومنهجية تعمل على توفير مناخ أفضل للرياضيين ولجميع الفاعلين في هذا القطاع، كما تهدف لتجسيد خارطة طريق واضحة على المدى المتوسط والبعيد، تهدف لخلق برامج رياضية تعتمد على مناهج علمية، وليس عيبا أن ننقل تجارب الدول الأخرى والتي سبقتنا في هذا المجال، وليس عيبا أن نخطأ في المحاولة مرة أو مرتين، وليس عيبا أن تكون النتائج في البداية غير مرضية، لكن العيب أن لا نحاول التغيير وايجاد الحلول والبحث عن مكامن الخطأ، ومحاولة اصلاح ما أفسدته سياسة “البريكولاج”، التي تعتمد اساسا على إخفاء العيوب مؤقتا، كأنك تحاول تخفيف الألم بمسكنات قد تؤدي مع مرور الزمن لأعراض أخرى أشد خطورة، دون البحث في أسباب المرض ومعالجة الداء بجراحة دقيقة تستأصل الورم، والتكوين الرياضي والتدريبي ليس فقط عمل فردي، منعزل عن بعضه البعض، كما هو حال الحركة الرياضية اليوم، كل طرف منشغل بذاته غارق في مشاكله وصراعاته، حتى أن بعض جيراننا سبقونا في تطبيق مناهج رياضية، والاستعانة بالخبرات الأجنبية، واقتباس التجارب المتطورة في هذا المجال، مما يسهم في فتح آفاق جديدة للرياضة ومعالجة بعض مشاكلها بعيدا عن التدافعات الحادة.
في الأخير نجدد التأكيد على أهمية دور العلوم الرياضية واستثمار التكنولوجيا في تطوير الرياضة، وضرورة إتاحة فرص للإلمام بالمستجدات والأبحاث العلمية المسجلة دوليا، وتوفير فرص الاستفادة من التجارب في هذا الشأن، وتحسيس المهتمين بالبحث العلمي والتجديد التكنولوجي في قطاع الرياضة والأنشطة البدنية بأهمية التأهيل واعتماد مناهج وأساليب تدريب حديثة، وإثراء الزاد المعرفي للرياضيين والشباب.
كريمة بندو


























مناقشة حول هذا المقال