ماذا يعنى لنا الوطن اليوم؟ هل هو مجرد تراب وحدود مرسومة على الخريطة، أم هو روح وهوية وأمان؟
الوطن هو ذاك الحضن الكبير الذي يجمع أبناءه، ويحفظ ذاكرتهم وتاريخهم وتضحيات أجدادهم، وهو قبل كل شيء شعور بالأمان والطمأنينة. ولعل أول ما ارتبط به الوطن منذ القدم هو الأمن؛ فقد رفع سيدنا إبراهيم عليه السلام يديه بالدعاء قائلا: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ».
في هذا الدعاء تتجلى أسمى معاني الانتماء، إذ لا قيمة لوطن بلا أمن، ولا معنى للحياة بلا استقرار.
لكن، إذا كان الأمن في الماضي يعني حماية الأرض والحدود، فماذا يعني في عصر الرقمنة الذي أصبح فضاء مفتوحا نمارس فيه حياتنا اليومية؟
لقد تحولت معاملاتنا ودراساتنا وتنقلاتنا وأعمالنا إلى العالم الرقمي، فصار الأمن السيبراني امتدادا طبيعيا للأمن القومي الوطني. صحيح أن هذا الفضاء فتح لنا آفاقا واسعة وقرب المسافات، لكنه في المقابل حمل معه مخاطر غير مرئية، ويبقى الانتماء الوطني هو الدرع الأول الذي يحمي كل فرد من أي اختراق.
إننا كشباب جزائري يهمنا أمر الوطن في كل شأن من الشؤون، ونتحمل مسؤولية مواجهة كل ما يتهدده من تحديات، لاسيما في عصر الفضاء المفتوح والحروب السيبرانية، أو حتى تلك التي تأتي متخفية خلف شاشة هاتف أو تطبيق مهما اتخذ من أشكال، قد تكون براقة وقد تبدو نفعية، لكنها تحمل بين طياتها المخاطر التي قد لا نلتفت إليها في خضم الاستخدام اليومي.
تطبيق “غوغل ماب” “google maps”؛ على سبيل المثال أداة نستخدمها جميعا للتنقل والوصول إلى الأماكن بسهولة. التطبيق يساعد مستخدميه، نعم، لكنه أحيانا ما يطرح أسئلة تتجاوز حدود الخدمة التقنية: “عن مكان تواجد شرطة؟” سؤال بسيط في ظاهره لكنه يفتح بابا يثير الاستفهام والتعجب أيضا بل ويدعو للريبة والتشكيك عن الغرض من السؤال وخلفياته؟ وأي جهة قد تستفيد من الإجابة؟
لماذا يطرح تطبيق خاص بالتنقل والخرائط عن مكان تواجد الشرطة؟
هنا تكمن الإشكالية، فالإجابة على مثل هذه الأسئلة لدى البعض قد تبدو غير ذات أهمية، لكنها بالتأمل والحيطة، تمثل معلومة حساسة.
وبالتالي ينبغي التنبه في مثل هذه الحالات، والوعي هو خط الدفاع الأول، أن نستخدم التكنولوجيا بذكاء، أن نفكر قبل أن نضغط على زر “موافق”، وأن ندرك أن بعض التفاصيل الصغيرة قد تكون ذات قيمة كبيرة لمن يسعى لاستغلالها
ولعل الرسالة التي ينبغي أن تصل، هي أن حماية الوطن لا تقع على عاتق جهة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة: الشباب بوعيهم، والأسر بتوجيهها، والمؤسسات الأمنية والهيئات الحكومية بيقظتها الدائمة. فالأمن السيبراني ليس قضية تقنية فحسب، بل هو قضية وطنية بامتياز.
فتطبيق “غوغل ماب” على غرار غيره من التطبيقات الأخرى، في البداية يبدو الأمر عاديا: يرشدك إلى وجهتك خطوة بخطوة، غير أن الدهشة والشبهة تثار حين يقترح عليك أن تبلغ عن أمور إضافية: حادث مرور، إبطاء حركة السير، أشغال في الطريق، ممر مغلق… أو وجود شرطة. للوهلة الأولى يبدو الخيار عادياً مثل غيره، لكن حين نتوقف عند التفاصيل نجد ما يدعو للتأمل.
فالألوان المستعملة ليست اعتباطية، إذ اختير اللون الأزرق تحديدا لخيار الشرطة، وهو لون الخاص بالشرطة الجزائرية ويوجه المستخدم بشكل لا إرادي نحو الضغط عليه.
وبمجرد التفاعل، يسأل التطبيق سؤالا مباشرا: «الشرطة في مكان قريب؟» « Police a proximte » ، مع خيارين فقط لا ثالث لهما: « دائما هناك» « toujours la »أو «لم يعد هناك الآن» »plus là مع اظهار ان المعلومة تم الإبلاغ عنها من طرف أكثر 10 سائقين منذ دقيقين. بعد الإجابة، يظهر سؤال اخر «الشرطة امامك؟» « Police devant vous » ويعيد نفس الخيارين السابقين مؤكدا انه تم ابلاغ عنها من 10 سائقين الان تبدو الرسالة بسيطة وودية ونفعية، بينما هي في الواقع والمحصلة قد تكون مساهمة دون مبالاة في كشف موقع أمني. يهم بعض “الجهات”؟!
ومع تكرار هذه العملية – لا قدر الله-، تتشكل قاعدة بيانات لدى هذه “الجهات” عن أماكن تواجد وانتشار الشرطة.
إن حماية الوطن اليوم لا تتوقف عند مؤسسات وأفراد بعينهم، بل تمتد إلى هواتفنا الذكية وشاشاتنا الصغيرة لذلك، فإن الوعي والمواطنة، هو خط الدفاع الأول. فالمواطن مدعو إلى أن يكون يقظاً، منتبها، لكل ما يتفحه او يمرره عبر مختلف التطبيقات. كما أن من واجبه مراقبة صلاحيات التطبيقات التي يستخدمها، وتفعيل خيارات الخصوصية، وتجنب مشاركة بيانات أكثر مما هو ضروري.
ومن هنا، يتأكد لنا أن دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام: «رب اجعل هذا بلدا آمنا» ليس مجرد كلمات خالدة في كتاب كريم، بل هو وصية متجددة عبر العصور.
ففي زمن الرقمنة، لم يعد أمن الوطن مجرد حراسة للحدود، بل أصبح وعيا يرافق كل ضغطة زر. والانتماء الحقيقي للوطن يعني أن نكون يقظين، وأن نعرف أن حماية البلاد قد تبدأ من أبسط تفاصيل حياتنا اليومية. فكما ندافع عن أرضنا وحدودنا، علينا أن ندافع عن فضائنا السيبراني. واليقظة اليوم مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد. فلنكن أوفياء لوطننا في كل ضغطة زر، ولنجعل انتماءنا درعا يحميه ونحيا بحب وطننا ارض السلام والابطال …. حماية الوطن تبدأ منك… وخليك جزائري وافتخر فانت من
نسل الشجعان
فاطمة الزهراء عسلون


























مناقشة حول هذا المقال