أشرف وزير الشباب المكلف بالمجلس الأعلى للشباب، مصطفى حيداوي، اليوم بمقر وزارة الشباب بالجزائر العاصمة، رفقة رئيسة السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، سليمة مسراتي، على الافتتاح الرسمي للقاء تكويني تفاعلي عن بعد، موسوم بـ“ترسيخ الشفافية والنزاهة وتعزيز ثقافة التبليغ عن الفساد”، بمشاركة واسعة لشباب من مختلف ولايات الوطن، حضورياً وعبر تقنيات التحاضر المرئي.
ويأتي تنظيم هذا النشاط في سياق تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، لا سيما في شقها المتعلق بتعزيز مشاركة الشباب في جهود الوقاية ونشر ثقافة النزاهة، باعتبارهم فاعلاً محورياً في مسار بناء مجتمع قائم على القيم والأخلاق، وقد عرف اللقاء مشاركة إطارات وأعضاء من المجلس الأعلى للشباب، وممثلين عن المجتمع المدني، إضافة إلى إطارات من السلطة العليا.
وأكد الوزير مصطفى حيداوي، في كلمته الافتتاحية، أن ترسيخ ثقافة النزاهة في أوساط الشباب يمثل خياراً استراتيجياً للدولة، مشدداً على أن الانتقال من مقاربة ترتكز حصرياً على العقاب والمتابعات القضائية إلى مقاربة وقائية توعوية يعد توجهاً عصرياً يواكب التحولات المجتمعية، موضحاً أن الشباب، باعتبارهم الحاضر والمستقبل، هم الأقدر على حمل مشعل الإصلاح وترسيخ الممارسات السليمة في مختلف مواقع المسؤولية.
وثمّن الوزير الحضور النوعي للشباب الجزائري، سواء من داخل المجلس الأعلى للشباب أو من الفواعل الجمعوية والإطارات الشابة الناشطة في المؤسسات والإدارات العمومية، إضافة إلى الشباب الطامحين لتقلد مناصب قيادية وانتخابية مستقبلاً، معتبرًا أن هذا الحضور يعكس وعياً متزايداً بأهمية الانخراط في مسار الوقاية من الفساد، لا باعتباره مجرد شعار، بل سلوكاً يومياً وممارسة عملية.
وأشار حيداوي إلى أن المجلس الأعلى للشباب، ومنذ اعتماد استراتيجيته سنة 2023، جعل من الاستثمار في العنصر البشري محوراً أساسياً في عمله، من خلال برامج تكوينية وتأهيلية تستهدف تمكين الشباب من أدوات المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
ولفت إلى أن التظاهرات الوطنية التي نظمها المجلس، على غرار منتديات الشباب والقمة الوطنية للشباب، أولت اهتماماً خاصاً لمحور تعزيز ثقافة مكافحة الفساد وترسيخ قيم حماية المال العام وتجنب الشبهات.
وفي السياق ذاته، أبرز الوزير أهمية الاتفاقية المبرمة بين المجلس الأعلى للشباب والسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، والتي تنص على تعزيز العمل التوعوي المستدام في الأوساط الشبانية على مدار السنة، عبر برامج تكوينية ولقاءات دورية تهدف إلى بناء جيل واعٍ بخطورة الفساد بمختلف تجلياته، ومحصّن بالقيم الأخلاقية والمهنية.
ويرى حيداوي أن المرحلة المقبلة ستشهد تنويعاً في الأنشطة واعتماد قوالب مبتكرة وغير تقليدية لتمكين الشباب من استيعاب هذه المفاهيم وترجمتها إلى سلوك عملي في حياتهم المهنية والعامة.
كما استحضر الوزير السياق الوطني الذي تعيشه الجزائر، مشيراً إلى أن الشباب الذين واكبوا مسار التغيير الوطني مطالبون اليوم بمواصلة ترسيخ ثقافة النزاهة من مختلف المنابر، بما يسهم في تحصين البلاد من مظاهر الفساد التي قد تعيق جهود التنمية، مبرزاً أن إشراك الشباب في هذا المسار يمثل ضمانة حقيقية لاستدامة الإصلاحات وتعزيز الثقة في المؤسسات.
مسراتي: الوقاية مشروع حضاري وأخلاقي قبل أن تكون التزاماً قانونياً
من جهتها، أكدت رئيسة السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، سليمة مسراتي، في كلمة توجيهية ألقتها بالمناسبة، أن اللقاء لا يمثل مجرد مناسبة للحوار وتبادل الآراء، بل يشكل فضاءً استراتيجياً لتعبئة الطاقات الشبابية وتوحيد الرؤى حول مشروع مجتمعي قوامه القيم والأخلاق.
واعتبرت مسراتي أن هذه المحطة تعكس وعياً جماعياً بضرورة بلورة خطاب شبابي مسؤول ومواصلة العمل التحسيسي المشترك. وأوضحت أن التعاون بين السلطة العليا والمجلس الأعلى للشباب انطلق ميدانياً حتى قبل إبرام اتفاقية التعاون بين الطرفين في جويلية 2025، ما يعكس إرادة صادقة لتجسيد الشراكة على أرض الواقع.
وشددت ذات المتحدثة على أن الوقاية من الفساد ليست شأناً مؤسساتياً محضاً ولا مسؤولية قانونية مجردة، بل هي مشروع حضاري وأخلاقي تشاركي، يقوم على وعي المواطن قبل صرامة النص القانوني، وعلى الضمير قبل الإجراء، وعلى التربية قبل العقوبة.
أضافت أن الشباب يمثل الحلقة المركزية في بناء مجتمع رافض لكل أشكال السلوكات المنحرفة، داعية إلى الانتقال من اعتبارهم فئة مستهدفة بالتحسيس إلى فاعل أساسي في صناعة الوعي.
ودعت مسراتي الشباب إلى الانخراط في النوادي والجمعيات ذات الطابع التوعوي والحقوقي، وتنظيم حملات تحسيسية داخل الجامعات والأحياء، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي لنشر خطاب إيجابي يعزز ثقافة رفض الفساد.
كما حثتهم على المبادرة باقتراح مشاريع شبابية تسهم في الحوكمة الرشيدة، والالتزام بقيم العمل والمسؤولية، والتبليغ عن أي شبهة فساد عبر القنوات القانونية المتاحة.
واستشهدت رئيسة السلطة العليا بتجربة ماليزيا، معتبرة أن ما حققته خلال خمسة وعشرين سنة يؤكد أن التغيير ممكن خلال جيل واحد إذا توفرت الإرادة والرؤية الواضحة.
وأوضحت أن العديد من الاختلالات الراهنة هي نتيجة تراكمات سابقة، غير أن التغيير المنشود يجب أن يُصنع اليوم بإرادة واعية ومسؤولة، لا أن يُترك للصدفة أو لاعتبارات ظرفية.
وفي ذات الصدد، دعت مسراتي الشباب إلى أن يكونوا التغيير الذي تنشده الجزائر، من خلال المساهمة الفاعلة في ترسيخ ثقافة النزاهة ونبذ الفساد، والمشاركة الواعية في صناعة القرار والوعي المجتمعي.
وأكدت أن إطارات وأعضاء مجلس السلطة العليا سيقدمون خلال اللقاء شروحات وافية حول مفهوم الفساد والأفعال المجرّمة والآليات القانونية المتاحة للتبليغ، بما يمكّن الشباب من أداء دورهم كاملاً في حماية المجتمع وتعزيز الشفافية.
ويعكس هذا اللقاء التكويني، الذي جمع بين الفعل المؤسسي والحضور الشبابي الواسع، توجهاً جديداً في مقاربة مكافحة الفساد، قوامه الوقاية والتربية على القيم، وتكريس الشراكة بين الهيئات الدستورية والمجتمع المدني، بما يعزز مسار بناء جزائر قوية بمؤسساتها وقيمها، وقادرة على تحويل وعي شبابها إلى قوة اقتراح ومبادرة تخدم الصالح العام.
بثينة ناصري

























مناقشة حول هذا المقال